باب ما يستحب أن يغسل وترا
( باب ما يستحب أن يغسل وترا ) كلمة ما مصدرية ، وكذا كلمة أن ، والتقدير هذا باب في بيان استحباب غسل الميت وترا . قيل : يحتمل أن تكون ما مصدرية ج٨ / ص٤٢أو موصولة والثاني أظهر . قلت : الأول أظهر بل المعنى لا يصح إلا على هذا ، وقال بعضهم : وفيه نظر ؛ لأنه لو كان المراد ذلك أوقع التعبير بمن التي لمن يعقل .
قلت : هذا نظر يستحق العمى ؛ لأن المراد من الترجمة بيان استحباب غسل الميت وترا لا بيان من يستحب ذلك ، فإن حديث الباب بطريقيه في بيان الاستحباب لا في بيان المستحب وغيره . 17 - ( حدثني محمد قال : حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن محمد عن أم عطية رضي الله عنها قالت : دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن نغسل ابنته ، فقال : اغسلنها ثلاثا ، أو خمسا ، أو أكثر من ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافورا ، فإذا فرغتن فآذنني ، فلما فرغنا آذناه ، فألقى إلينا حقوه ، فقال : أشعرنها إياه ، فقال أيوب : وحدثتني حفصة بمثل حديث محمد ، وكان في حديث حفصة : اغسلنها وترا وكان فيه : ثلاثا ، أو خمسا ، أو سبعا ، وكان فيه أنه قال : ابدءوا بميامنها ومواضع الوضوء منها ، وكان فيه أن أم عطية قالت : ومشطناها ثلاثة قرون ) مطابقته للترجمة ظاهرة ، وقال بعضهم : أورد المصنف فيه حديث أم عطية أيضا من رواية أيوب عن محمد ، وليس فيه التصريح بالوتر ، ومن رواية أيوب قال : حدثتني حفصة ، وفيه ذلك . قلت : مراده من قوله : " وترا " في الترجمة أن يكون خلاف الشفع ، وهو موجود في حديث الباب ، وهو قوله : " ثلاثا ، أو خمسا " ، وليس المراد منه لفظ الوتر ، حتى إذا ذكر حديثا ليس فيه لفظ الوتر لا يكون مطابقا للترجمة ، وإن كان مراد هذا القائل لفظ الوتر فليس بموجود هذا أيضا في حديث حفصة ، والحديثان سواء في الدلالة على الوتر ، فكيف يفرق بينهما ؟ ولفظ الوتر لم يقع في حديث أم عطية إلا في رواية هشام بن حسان عن حفصة عنها على ما يجيء في باب: " يلقى شعر المرأة خلفها " .
ذكر رجاله . وهم خمسة الأول : محمد ذكر بلا نسبة في أكثر الروايات قال ابن السكن : هو محمد بن سلام ، ووقع عند الأصيلي ، حدثنا محمد بن المثنى . وأخرجه الإسماعيلي من رواية محمد بن الوليد ، وهو التستري ، ولقبه حمدان ، وهو من شيوخ البخاري أيضا .
الثاني : عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي البصري ، يكنى أبا محمد . الثالث : أيوب السختياني . الرابع محمد بن سيرين .
الخامس أم عطية . وقد مر الكلام فيه ، ولنتكلم في الزيادات التي فيه . قوله : " فقال أيوب " يعني السختياني ، ووقع في رواية الأكثرين بالفاء ، وفي رواية الأصيلي بالواو ، وربما يظن أنه معلق ، وليس كذلك ، بل هو بالإسناد المذكور ، وقد رواه الإسماعيلي بالإسنادين موصولا .
قوله: " وابدءوا " ، ويروى : " وابدأن " ، بلفظ خطاب جمع المؤنث ، وهو ظاهر ، وأما رواية : " ابدءوا " بجمع المذكر فوجهها أن يكون تغليبا للذكور ؛ لأنهن كن محتاجات إلى معاونة الرجال من حمل الماء إليهن ونحوه ، أو الخطاب باعتبار الأشخاص ، أو الناس . قوله : " بميامنها " جمع ميمنة . قوله : " ومشطناها " من مشطت الماشطة تمشطها مشطا إذا سرحت شعرها .
قوله : : " ثلاثة قرون " انتصاب ثلاثة يجوز أن يكون بنزع الخافض ، أي بثلاثة قرون ، أو على الظرفية ، أي في ثلاثة قرون والقرون جمع القرن ، وهو الخصلة من الشعر ، وحاصل المعنى : جعلن شعرها ثلاث ضفائر بعد أن حللوها بالمشط . ذكر ما يستفاد منه : فيه الغسل بالماء والسدر ، وجعل الشعر ثلاثة قرون ، وقد ذكرناه ، وفيه وفي حديث حفصة التنصيص على لفظ الوتر بالثلاث ، أو بالخمس ، أو بالسبع ، وفي حديث غيرها التنصيص على عدد الثلاث والخمس ، وقد مر الكلام فيه أيضا ، وقال بعضهم : قوله: " وترا ثلاثا ، أو خمسا " استدل به على أن أقل الوتر ثلاث ، ولا دلالة فيه ؛ لأنه سيق مساق البيان للمراد ؛ إذ لو أطلق لتناول الواحدة فما فوقها . قلت : المراد بالغسل الإنقاء والتنصيص على الوتر بالعدد المذكور لأجل استحباب الوتر في الغسلات ؛ لأن الله وتر يحب الوتر حتى لو حصل الإنقاء بالمرة الواحدة لقام بالواجب كما في الاستنجاء ، وفيه البداءة بالميامن ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحب التيمن في شأنه كله ، أي في التنظيفات ، وفيه الابتداء بمواضع الوضوء منها ، قال في التوضيح : معناه عند مالك أن يبدأ بها عند الغسل الذي هو محض العبادة في غسل الجسد من أذى ، وهو المستحب ج٨ / ص٤٣وقال أبو حنيفة : لا يوضأ الميت .
قلت : لم يقل أبو حنيفة بهذا ، بل مذهبه أنه يوضأ من غير مضمضة واستنشاق ، وقد مر الكلام فيه فيما مضى ، وفيه مشط شعرها بثلاث ضفائر ، وبه قال الشافعي ، وعندنا يجعل ضفيرتين على صدرها فوق الدرع ، وقال الشافعي : يسرح شعرها ، ويجعل ثلاث ضفائر ، ويجعل خلف ظهرها . وبه قاله؟؟ أحمد وإسحاق . قلنا : ليس في الحديث إشارة من النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك ، وإنما المذكور فيه الإخبار من أم عطية أنها مشطت شعرها ثلاثة قرون ، وكونها فعلت ذلك بأمر النبي صلى الله عليه وسلم احتمال ، والحكم لا يثبت به ؛ ولأن ما ذكره زينة والميت مستغن عنها .
فإن قلت : جاء في حديث ابن حبان: " واجعلن لها ثلاثة قرون " . قلت : هذا أمر بالتضفير ، ونحن لا ننكر التضفير حتى يكون الحديث حجة علينا ، وإنما ننكر جعلها خلف ظهرها ؛ لأن هذا التصنيع زينة ، والميت ممنوع منها ، ألا ترى أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : علام " تنصون ميتكم ؟ " . أخرجه عبد الرزاق في مصنفه عن سفيان عن حماد عن إبراهيم عنها : " وتنصون " في نصوت الرجل : أنصوه نصوا إذا مددت ناصيه وأرادت عائشة منه أن الميت لا يحتاج إلى التسريح ونحوه ؛ لأنه للبلى والتراب .