حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قول النبي صلى الله عليه وسلم يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه

حدثنا عبدان ، قال : حدثنا عبد الله قال : أخبرنا ابن جريج قال : أخبرني عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة . قال : توفيت ابنة لعثمان رضي الله عنه بمكة وجئنا لنشهدها وحضرها ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم وإني لجالس بينهما أو قال : جلست إلى أحدهما ، ثم جاء الآخر فجلس إلى جنبي فقال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لعمرو بن عثمان : ألا تنهى عن البكاء فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما : قد كان عمر رضي الله عنه يقول بعض ذلك ، ثم حدث قال : صدرت مع عمر رضي الله عنه من مكة حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو بركب تحت ظل سمرة فقال : اذهب فانظر من هؤلاء الركب قال : فنظرت فإذا صهيب فأخبرته فقال : ادعه لي فرجعت إلى صهيب فقلت : ارتحل فالحق أمير المؤمنين ، فلما أصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول : وا أخاه وا صاحباه فقال عمر رضي الله عنه : يا صهيب أتبكي علي وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله عليه ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : فلما مات عمر رضي الله عنه ذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها فقالت : رحم الله عمر والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله ليعذب المؤمن ببكاء أهله عليه ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه وقالت : حسبكم القرآن وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قال ابن عباس رضي الله عنهما عند ذلك : والله هو أضحك وأبكى . قال ابن أبي مليكة : والله ما قال ابن عمر رضي الله عنهما شيئا .

مطابقته للترجمة في قوله : إن الميت يعذب ببعض بكاء أهله وعبدان هو عبد الله بن عثمان ، وقد مر عن قريب وعبد الله هو ابن المبارك ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج وعبد الله بن عبيد الله بالتكبير في الابن والتصغير في الأب ، وأبو مليكة اسمه زهير وقد مر غير مرة . والحديث أخرجه مسلم في الجنائز أيضا عن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، وعن داود بن رشيد ، وعن عبد الرحمن بن بشر . وأخرجه النسائي فيه عن سليمان بن منصور .

( ذكر معناه ) قوله : توفيت بنت لعثمان هي أم أبان ، وقد صرح بها مسلم قال : حدثنا داود بن رشيد قال : حدثنا إسماعيل بن علية قال : حدثنا أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة قال : كنت جالسا في جنب ابن عمر ونحن ننظر جنازة أم أبان بنت عثمان وعنده عمرو بن عثمان ، فجاء ابن عباس يقوده قائد فأراه أخبره بمكان ابن عمر ، فجاء حتى جلس إلى جنبي فكنت بينهما ، فإذا صوت من الدار فقال ابن عمر كأنه يعرض على عمرو أن يقوم فينهاهم : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الميت ليعذب ببكاء أهله قال : فأرسلها عبد الله مرسلة فقال ابن عباس : كنا مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حتى إذا كنا بالبيداء إذا هو برجل نازل في ظل شجرة فقال لي : اذهب فاعلم لي من ذلك الرجل فذهبت فإذا هو صهيب ، فرجعت إليه فقلت : إنك أمرتني بأن أعلم لك من ذلك وإنه صهيب قال : مره فليلحق بنا قال : فقلت : إن معه أهله ؟ قال : وإن كان معه أهله وربما قال أيوب : مره فليلحق بنا ، فلما قدمنا لم يلبث أمير المؤمنين أن أصيب ، فجاء صهيب يقول : وا أخاه وا صاحباه فقال عمر رضي الله تعالى عنه : ألم تعلم أولم تسمع أيوب أو قال : أولم تعلم أولم تسمع أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله قال : فأما عبد الله فأرسلها مرسلة ، وأما عمر فقال ببعض ، فقمت فدخلت على عائشة فحدثتها بما قال ابن عمر فقالت : لا والله ما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قط إن الميت يعذب ببكاء أحد ، ولكنه قال : إن الكافر يزيده الله ببكاء أهله عذابا وإن الله هو أضحك وأبكى ولا تزر وازرة وزر أخرى قال ابن أبي مليكة : حدثني القاسم بن محمد قال : لما بلغ عائشة رضي الله تعالى عنها قول عمر وابن عمر قالت : إنكم لتحدثون عن غير كاذبين ولا مكذبين ولكن السمع يخطئ . وفي رواية لمسلم عن هشام بن عروة ، عن أبيه قال : ذكر عند عائشة قول ابن عمر : إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه فقالت : رحم الله أبا عبد الرحمن سمع شيئا فلم يحفظ ، إنما مرت على رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة يهودي وهم يبكون عليه فقال : إنكم تبكون وإنه ليعذب . وفي رواية أخرى له ذكر عند عائشة أن ابن عمر يرفع إلى النبي صلى الله عليه وسلم : إن الميت يعذب في قبره ببكاء أهله فقالت : وهل إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون الآن وذلك مثل قوله : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام على القليب يوم بدر ، وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم ما قال إنهم ليستمعون ما أقول وقد وهل ، إنما قال : إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق ثم قرأت إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ يقول حين تبوؤا مقاعدهم من النار .

وفي رواية له أيضا عن عمرة بنت عبد الرحمن أنها سمعت عائشة ذكر لها أن عبد الله بن عمر يقول : إن الميت ليعذب ببكاء الحي فقالت عائشة رضي الله عنها : يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ إنما مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية تبكى عليها فقال : إنهم ليبكون وإنها لتعذب في قبرها . فنتكلم أولا في وجوه الروايات المذكورة والاختلاف في هذا الباب ، ثم نفسر بقية ألفاظ الحديث ولم أر أحدا من شراح هذا الكتاب بين تحقيق ما ورد في هذا الباب ، بل أكثرهم ساق كلامه بلا ترتيب ولا اتباع متن الحديث حتى إن الناظر فيه لا يقدر أن يقف فيه على كلام يشفي عليله . فنقول وبالله التوفيق الكلام فيه على أقسام : الأول : قول ابن عمر رضي الله عنهما على وجهين أحدهما إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه والآخر إن الميت ليعذب ببكاء الحي واللفظان مرفوعان فهل يقال : يحمل المطلق على المقيد ويكون عذابه ببكاء أهله عليه فقط ، أو يكون الحكم للرواية العامة ، وأنه يعذب ببكاء الحي عليه سواء كان من أهله أم لا ؟ وأجيب بأن الظاهر جريان حكم العموم ، وأنه لا يختص ذلك بأهله ، هذا كله بناء على قول من ذهب إلى أن الميت يعذب بالبكاء عليه ، وإنما جعلنا الحكم أعم من ذلك ولم نحمل المطلق على المقيد ؛ لأنه لا فرق في الحكم عند القائلين بعذاب الميت بالبكاء أن يكون الباكي عليه من أهله أو من غيرهم بدليل النائحة التي ليست من أهل الميت ، وما ورد في عموم النائحة من العذاب بل أهله أعذر في البكاء عليه لقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة الذي رواه النسائي وابن ماجه عنه قال : مات ميت في آل رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجتمع النساء يبكين عليه ، فقام عمر ينهاهن ويطردهن فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : دعهن يا عمر فإن العين دامعة ، والقلب مصاب ، والعهد قريب .

وهذا التعليل الذي رخص لأجله في البكاء خاص بأهل الميت . وقوله ببكاء أهله عليه خرج مخرج الغالب الشائع ؛ إذ المعروف أنه إنما يبكي على الميت أهله . الثاني : هل لقوله الحي مفهوم حتى إنه لا يعذب ببكاء غير الحي ؟ وهل يتصور البكاء من غير الحي ويكون احترازا بالحي عن الجمادات لقوله عز وجل : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ فمفهومه أن السماء والأرض يقع منهما البكاء على غيرهم ، وعلى هذا فيكون هذا بكاء على الميت ولا عذاب عليه بسببه إجماعا ، وقد روى ابن مردويه في ( تفسيره ) من رواية يزيد الرقاشي ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : ما من مؤمن إلا وله بابان في السماء ، باب يخرج منه رزقه ، وباب يدخل فيه كلامه وعمله ، فإذا مات فقداه وبكيا عليه ، وتلا هذه الآية ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ وأما تصور البكاء من الميت فقد ورد في حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه والمراد بصويحبه الميت ، ومعنى استعبر إما على بابه للطلب بمعنى طلب نزول العبرات ، وإما بمعنى نزلت العبرات وباب الاستفعال يرد على غير بابه أيضا .

الثالث : جاء في حديث ابن عمر الميت يعذب ببكاء أهله عليه وفي بعض طرق حديثه في ( مصنف ابن أبي شيبة ) من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه يوم القيامة فالرواية الأولى عامة في البكاء ، وهذه الرواية خاصة في النياحة ، فهاهنا يحمل المطلق على المقيد ، فتكون الرواية التي فيها مطلق البكاء محمولة على البكاء بنوح ، ويؤيد ذلك إجماع العلماء على حمل ذلك على البكاء بنوح ، وليس المراد مجرد دمع العين ، ومما يدل على أنه ليس المراد عموم البكاء . قوله : إن الميت ليعذب ببعض بكاء أهله عليه فقيده ببعض البكاء ، فحمل على ما فيه نياحة جمعا بين الأحاديث ، ويدل على عدم إرادة العموم من البكاء بكاء عمر بن الخطاب وهو راوي الحديث بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم ، وكذلك بكاء ابنه عبد الله بن عمر وهما راويا الحديث ، وذلك فيما رواه ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) من حديث عائشة قالت : حضره رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يعني سعد بن معاذ فوالذي نفس محمد بيده إني لأعرف بكاء عمر من بكاء أبي بكر وإني لفي حجرتي . وروى ابن أبي شيبة أيضا من رواية عثمان قال : أتيت بنعي النعمان بن مقرن فوضع يده على رأسه ، وجعل يبكي .

وروي أيضا عن ابن علية ، عن نافع قال : كان ابن عمر في السوق فنعي إليه حجر فأطلق حبوته وقام وعليه النحيب . الرابع : نسبة عائشة عمر وابنه عبد الله إلى الوهم في الحديث المذكور ، وقد اختلف في محمل الحديثين فقال الخطابي : يحتمل أن يكون الأمر في هذا على ما ذهبت إليه عائشة ؛ لأنها قد روت أن ذلك إنما كان في شأن يهودي والخبر المفسر أولى من المجمل ، ثم احتجت بالآية قال : وقد يحتمل أن يكون ما رواه ابن عمر صحيحا من غير أن يكون فيه خلاف للآية ، وذلك أنهم كانوا يوصون أهليهم بالبكاء والنوح عليهم ، وكان ذلك مشهورا من مذاهبهم ، وهو موجود في أشعارهم كقول طرفة بن العبد : إذا مت فانعيني بما أنا أهله وشقي علي الجيب يا أم معبد ومثل هذا كثير في أشعارهم ، وإذا كان كذلك فالميت إنما تلزمه العقوبة في ذلك بما تقدم في ذلك من أمره إياهم بذلك وقت حياته ، وقد قال صلى الله عليه وسلم : من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها ، ومن سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها وقد مال إلى قول عائشة الشافعي فيما رواه البيهقي في ( سننه ) عنه فقال : وما روت عائشة عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أشبه أن يكون محفوظا عنه عليه الصلاة والسلام بدلالة الكتاب ثم السنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وقوله تعالى : ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى وقوله تعالى : ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ ٧ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ وقوله تعالى : لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم لرجل : هذا ابنك ؟ قال : نعم قال : أما إنه لا يجني عليك ولا تجني عليه فأعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل ما أعلم الله من أن جناية كل امرئ عليه كما عمله لا لغيره ، وأما قول من حمل ذلك على الوصية بذلك فقد نقله البيهقي عن المزني ، ونقله النووي عن الجمهور أنهم تأولوا ذلك على من وصى أن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته ، ثم حكى النووي عن طائفة أنه محمول على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما قال : وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ، ومن أهملهما عذب بتركهما . وحكي عن طائفة أن معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بأشياء هي محاسن في زعمهم وهي في الشرع قبائح كقولهم : يا مرمل النسوان وموتم الولدان ومخرب العمران ومفرق الأخدان ، ويرون ذلك شجاعة وفخرا .

وحكي عن طائفة أن معناه أنه يعذب بسماع بكاء أهله ويرق لهم . قال : وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره قال القاضي عياض : وهو أولى الأقوال ، واحتجوا بحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على ابنها وقال : إن أحدكم إذا بكى استعبر له صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم . وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم ذهب إلى أنه مخصوص ببعض الأموات الذين وجب عليهم العذاب بذنوب اقترفوها ، وجرى من قضاء الله سبحانه فيهم أن يكون عذابه وقت البكاء عليهم ، ويكون كقولهم : مطرنا بنوء كذا أي : عند نوء كذا .

قال : كذلك قوله : إن الميت يعذب ببكاء أهله أي : عند بكائهم عليه لاستحقاقه ذلك بذنبه ، ويكون ذلك حالا لا سببا لأنا لو جعلناه سببا كان مخالفا للقرآن وهو قوله تعالى : وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وحكى النووي هذا المعنى عن عائشة قيل : ويدل لذلك ما رواه مسلم عن عروة قال : ذكر عند عائشة أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يرفع إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إن الميت ليعذب في قبره ببكاء أهله فقالت : وهل إنما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن وروى ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) عن ابن نمير ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة بعد قولها : وهل أبو عبد الرحمن إنما قال : إن أهل الميت ليبكون عليه وإنه ليعذب بجرمه . والحاصل أن العلماء ذكروا في قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : إن الميت يعذب ببكاء أهله ثمانية أقوال أصحها وهو تأويل الجمهور على أنه محمول على من أوصى به ، وإليه ذهب البخاري في قوله : إذا كان النوح من سنته . وقال الكرماني : يجوز التعذيب في الدنيا بفعل الغير لقوله سبحانه وتعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وكذا في البرزخ ، وأما آية الوازرة فإنما هي يوم القيامة فقط وهذان الوجهان أحسن الوجوه الثمانية في توجيهه ؛ إذ في البواقي تكلف إما في لفظ الميت بأن يخصص بمن كانت النياحة من سننه أو بالموصي أو بالراضي بها ، وإما في يعذب بأن يفسر بيحزن ، وإما في الباء بأن تجعل للظرفية التي هي خلاف المتبادر إلى الذهن ، وإما في البكاء بأن يجعل مجازا عن الأفعال المذكورة فيها .

قوله : وإني لجالس بينهما أو قال جلست إلى أحدهما هذا شك من ابن جريج . قوله : ثم حدث أي ابن عباس . قوله : بالبيداء بفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وهي المفازة ، ولكن المراد بها هاهنا مفازة بين مكة والمدينة .

قوله : إذا هو بركب كلمة إذا للمفاجأة ، والركب أصحاب الإبل في السفر وهو للعشرة فما فوقها . قوله : سمرة بفتح السين المهملة وضم الميم وهي شجرة عظيمة من شجر العضاة . قوله : فإذا صهيب بضم الصاد بن سنان بالنونين ، كان من النمر بفتح النون بن قاسط بالقاف ، كانوا بأرض الموصل فأغارت الروم على تلك الناحية فسبيته وهو غلام صغير ، فنشأ بالروم فاشتراه عبد الله بن جدعان بضم الجيم وسكون الدال المهملة التميمي ، فأعتقه ثم أسلم بمكة وهو من السابقين الأولين المعذبين في الله تعالى ، وهاجر إلى المدينة ، ومات بها سنة ثمان وثلاثين .

قوله : فالحق بلفظ الأمر من اللحوق . قوله : فلما أصيب عمر يعني بالجراحة التي جرح بها والتي مات فيها ، وفي رواية أيوب أن ذلك كان عقيب الحجة المذكورة ولفظه فلما قدمنا لم يلبث عمر أن أصيب . وفي رواية عمر بن دينار لم يلبث أن طعن .

قوله : يبكي جملة وقعت حالا من صهيب ، وكذلك يقول حال ، ويجوز أن يكون من الأحوال المترادفة ، وأن يكون من المتداخلة . قوله : وا أخاه كلمة وا من واخاه للندبة والألف في آخره ليس مما يلحق الأسماء الستة لبيان الإعراب ، بل هو مما يزاد في آخر المندوب لتطويل مد الصوت ، والهاء ليست بضمير بل هو هاء السكت . وشرط المندوب أن يكون معروفا فلا بد من القول بأن الأخوة والصاحبية له كانا معلومين معروفين حتى يصح وقوعهما للندبة .

قوله : أتبكي علي الهمزة للاستفهام على سبيل الإنكار . قوله : قال ابن عباس : فلما مات عمر رضي الله تعالى عنه هذا صريح في أن حديث عائشة من رواية ابن عباس عنها ، ورواية مسلم توهم أنه من رواية ابن أبي مليكة عنها . قوله : يرحم الله عمر من الآداب الحسنة على منوال قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ فاستغربت من عمر ذلك القول ، فجعلت قولها : يرحم الله عمر تمهيدا ودفعا لما يوحش من نسبته إلى الخطأ .

قوله : والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم وجه جزم عائشة بذلك أنها لعلها سمعت صريحا من رسول الله صلى الله عليه وسلم اختصاص العذاب بالكافر ، أو فهمت الاختصاص بالقرائن . قوله : ولكن رسول الله يجوز فيه تسكين النون وتشديدها . قوله : حسبكم أي : كافيكم من القرآن أيها المؤمنون هذه الآية وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى قال الكرماني : فإن قلت : الآية عامة للمؤمن والكافر ثم إن زيادة العذاب عذاب ، فكما أن أصل العذاب لا يكون بفعل غيره فكذا زيادتها فلا يتم استدلالها بالآية ، قلت : العادة فارقة بين الكافر والمؤمن ، فإنهم كانوا يوصون بالنياحة بخلاف المؤمنين ، فلفظ الميت وإن كان مطلقا مقيد بالموصي وهو الكافر عرفا وعادة .

قوله : قال ابن عباس عند ذلك أي : عند انتهاء حديثه عن عائشة قال : والله أضحك وأبكى أي أن العبرة لا يملكها ابن آدم ولا تسبب له فيها فضلا عن الميت ، فكيف يعاقب عليها وقال الداودي : معناه إن أذن الله في الجميل من البكاء فلا يعذب على ما أذن فيه . وقال الكرماني : لعل غرضه من هذا الكلام في هذا المقام أن الكل بخلق الله وإرادته ، فالأولى فيه أن يقال بظاهر الحديث ، وأن له أن يعذبه بلا ذنب ويكون البكاء عليه علامة لذلك ، أو يعذبه بذنب غيره سيما وهو السبب في وقوع الغير فيه ، ولا يسأل عما يفعل وتخصص آية الوازرة بيوم القيامة ، وقال الطيبي : غرضه تقرير قول عائشة أي : أن بكاء الإنسان وضحكه من الله يظهره فيه فلا أثر له في ذلك ، فعند ذلك سكت ابن عمر وأذعن قيل : سكوته لا يدل على الإذعان ، فلعله كره المجادلة في ذلك المقام ، وقال القرطبي : ليس سكوته لشك طرأ له بعدما صرح برفع الحديث ، ولكن احتمل عنده أن يكون الحديث قابلا للتأويل ، ولم يتعين له محمل يحمله عليه إذ ذاك ، أو كان المجلس لا يقبل المماراة ولم تتعين الحاجة إلى ذلك حينئذ . قوله : ما قال ابن عمر شيئا أي بعد ذلك يعني ما رد كلامه وقال الخطابي : الرواية إذا ثبتت لم يكن إلى دفعها سبيل بالظن ، وقد رواه عمر وابنه ، وليس فيما حكت عائشة من المرور على يهودية ما يرفع روايتهما لجواز أن يكون الخبران صحيحين معا ولا منافاة بينهما ، وأما احتجاجها بالآية فإنهم كانوا يوصون أهليهم بالنياحة وكان ذلك مشهورا منهم ، فالميت إنما يلزمه العقوبة بما تقدم من وصيته إليهم به ، وقد ذكرناه عن قريب .

وقال النووي : أنكرت عائشة روايتهما ونسبتهما إلى النسيان والاشتباه ، وأولت الحديث بأن معناه يعذب في حال بكاء أهله لا بسببه كحديث اليهودية .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث