باب من انتظر حتى يدفن
( باب من انتظر حتى يدفن ) 81 - حدثنا عبد الله بن مسلمة قال : قرأت على ابن أبي ذئب ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه أنه سأل أبا هريرة رضي الله عنه فقال : سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم – ح وحدثني عبد الله بن محمد ، حدثنا هشام ، حدثنا معمر ، عن الزهري ، عن ابن المسيب ، عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : حدثنا أحمد بن شبيب بن سعيد قال : حدثني أبي قال : حدثنا يونس ، قال ابن شهاب : وحدثني عبد الرحمن الأعرج أن أبا هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من شهد الجنازة حتى يصلي فله قيراط ، ومن شهدها حتى تدفن كان له قيراطان ، قيل : وما القيراطان ؟ قال : مثل الجبلين العظيمين " .
مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله ( ومن شهد حتى تدفن ) إذا جعل شهد بمعنى حضر والتحقيق فيه ما ذكرناه آنفا . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة عشر رجلا لأنه رواه من ثلاث طرق : الأول عبد الله بن مسلمة القعنبي ، الثاني محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب ، الثالث سعيد بن أبي سعيد ، الرابع أبوه أبو سعيد واسمه كيسان ، وهؤلاء قد ذكروا غير مرة ، الخامس عبد الله بن محمد بن عبد الله الجعفي البخاري المعروف بالمسندي ، السادس هشام بن يوسف الصنعاني أبو عبد الرحمن قاضي صنعاء من أبناء فارس ، السابع معمر بن راشد ، الثامن محمد بن مسلم الزهري ، التاسع سعيد بن المسيب ، العاشر أحمد بن شبيب بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة الأولى ابن سعيد أبو عبد الله الحبطي بفتح الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وبالطاء المهملة البصري ، الحادي عشر أبوه شبيب بن سعيد ، الثاني عشر يونس بن يزيد ، الثالث عشر عبد الرحمن الأعرج ، الرابع عشر ج٨ / ص١٣٠أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع وبصيغة الإفراد في موضعين ، وفيه القراءة على الشيخ ، وفيه السؤال ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه القول في سبعة مواضع ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه عبد الله بن مسلمة مدني سكن البصرة ، ومعمر وأحمد بن شبيب وأبوه بصريون ، ويونس أيلي ، والباقون مدنيون ، وفيه عن سعيد بن أبي سعيد ، وحكى الكرماني أن عن أبيه ساقط في بعض الطرق ، قيل : الصواب إثباته ، وكذا أخرجه إسحاق بن راهويه والإسماعيلي وغيرهما من طريق ابن أبي ذئب ، وسقط عن أبيه عند أبي عوانة في رواية ابن عجلان ، وعند ابن أبي شيبة كذلك في رواية عبد الرحمن بن إسحاق ، وعبد بن حميد بن زنجويه في رواية أبي معشر .
( ذكر من أخرجه غيره ) الطريق الأول لم يخرجه غيره من بقية الستة ، والطريق الثاني أخرجه مسلم في الجنائز أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن رافع وعبد بن حميد ، وعن عبد الملك بن شعيب ، وأخرجه النسائي فيه عن نوح بن حبيب ، وأخرجه ابن ماجه فيه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، والطريق الثالث أخرجه مسلم فيه عن أبي الطاهر بن السرح وحرملة بن يحيى وهارون بن سعيد ، وأخرجه النسائي فيه عن سويد بن نصر ، عن عبد الله بن المبارك رضي الله تعالى عنه . ( ذكر معناه ) قوله : ( وحدثني ) ذكر بلفظ الواو عطفا على مقدر أي : قال ابن شهاب : حدثني فلان به ، وحدثني عبد الرحمن أيضا به . قوله : ( حتى يصلي ) وفي رواية الكشميهني ( حتى يصلي عليه ) وفي أكثر الروايات اللام فيه مفتوحة وفي بعضها بكسرها ، وحملت رواية الفتح على رواية الكسر ؛ لأن حصول القيراط متوقف على وجود الصلاة من الذي يشهد ، ولم يبين في هذه ابتداء الحضور ، وفي رواية أبي سعيد المقبري بين ذلك حيث قال من أهلها ، وفي رواية خباب عند مسلم ( من خرج مع جنازة من بيتها ) وفي رواية أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ( فمشى معها من أهلها ) فهذه الأحاديث تقتضي أن القيراط يختص بمن حضر من أول الأمر إلى انقضاء الصلاة .
وقال بعضهم : يحصل أيضا لمن صلى فقط ؛ لأن كل ما قبل الصلاة وسيلة إليها لكن يكون قيراط من صلى فقط دون قيراط من شيع وصلى ( قلت ) : فيه نظر لأن كل ما كان قبل الصلاة ليس لأجل الصلاة خاصة ، وإنما هو لها ولمعاضدة أهل الجنازة ومعونتهم ، ولأجل إظهار الخدمة لهم تطييبا لقلوبهم ، والشارع قد نص عن أن الذي يصلي فقط فله قيراط ، ولم يتعرض إلى اختلاف القيراط في نفسه وهذا التصرف فيه تحكم ( فإن قلت ): يختلف القيراط باختلاف كثرة العمل فيه كما في الجمعة ( من جاء في الساعة الأولى ) الحديث ( قلت ) : هذا القياس لا يصح لأن عين القيراط نص عليه فلا يمكن أن يتصرف في الشيء المعين المنصوص عليه بالزيادة والنقصان بخلاف الجمعة ، فإن الاختلاف فيه ليس في شيء بعينه فافهم . قوله ( كان له قيراطان ) ظاهره أنهما غير قيراط الصلاة ، وبذلك جزم البعض ، وحكاه ابن التين عن القاضي أبي الوليد لكن رواية الحسن ومحمد بن سيرين صريحة في أن الحاصل من الصلاة ومن الدفن قيراطان فقط ، وروايتهما قد مرت في باب اتباع الجنائز من الإيمان في كتاب الإيمان ، رويا عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - قال : " من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا وكان معها حتى يصلي عليها ويفرغ من دفنها فإنه يرجع من الأجر بقيراطين كل قيراط مثل أحد ، ومن صلى عليها ثم رجع قبل أن تدفن فإنه يرجع بقيراط " وقال النووي : رواية ابن سيرين صريحة في أن المجموع قيراطان . ( قلت ) : يحتمل أن تكون رواية الأعرج عن أبي هريرة متأخرة عن رواية ابن سيرين عنه .
قوله ( حتى تدفن ) اختلف فيه أن حصول القيراطين يحصل بمجرد وضع الميت في القبر أو عند انتهاء الدفن قبل إهالة التراب أو بعد الفراغ بالكلية ، وبكل ذلك ورد الخبر ، ففي رواية مسلم من طريق معمر في إحدى الروايتين عنه ( حتى يفرغ منها ) وفي الأخرى ( حتى توضع في اللحد ) وفي رواية أبي حازم عنده ( حتى توضع في القبر ) ، وفي رواية أبي مزاحم عند أحمد ( حتى يقضي قضاءها ) ، وفي رواية أبي سلمة عند الترمذي ( حتى يقضي دفنها ) ، وفي رواية ابن عياض عند أبي عوانة ( حتى يسوى عليها ) أي التراب . وقال شيخنا زين الدين : الصحيح عند أصحاب الشافعي أن ذلك يتوقف على كمال الدفن لا على وضعه في اللحد . وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يحصل بمجرد الوضع في اللحد ، قوله ( قيل وما القيراطان ؟ ) قال بعضهم : لم يعين هاهنا ج٨ / ص١٣١القائل ولا المقول له ، وقد بين له مسلم في رواية الأعرج فقال : ( قيل وما القيراطان يا رسول الله ) وبين القائل أبو عوانة من طريق أبي مزاحم عن أبي هريرة ولفظه : ( قلت وما القيراط يا رسول الله ) ( قلت ) : الظاهر بحسب القرينة يدل على أن القائل راوي الحديث وهو أبو هريرة ، والمقول له هو النبي - صلى الله عليه وسلم - أما القائل ففيه احتمال أن يكون غير الراوي ممن كان حاضرا في ذلك المجلس ، وأما المقول له فهو النبي - صلى الله عليه وسلم - قطعا لأنه قال : " مثل الجبلين العظيمين " ، وليس هذا إلا وظيفة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الضمير في قوله قال يرجع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - .
قوله : " مثل الجبلين العظيمين " ، وفي رواية ابن سيرين وغيره : " مثل أحد " ، وفي رواية ابن أبي شيبة : " القيراط مثل جبل أحد " ، وكذا في حديث ثوبان عند مسلم ، والبراء عند النسائي ، وأبي سعيد عند أحمد ، وفي رواية للنسائي من طريق الشعبي : " فله قيراطان من الأجر كل واحد منهما أعظم من أحد " ، وفي رواية أبي صالح عند مسلم : " أصغرهما مثل أحد " ، وفي رواية ابن ماجه من حديث أبي بن كعب : " القيراط أعظم من أحد " ، وعند ابن عدي من حديث واثلة : " كتب له قيراطان من أجر أخفهما في ميزانه يوم القيامة أثقل من جبل أحد " ، وقد ذكرنا أن هذا من باب التمثيل والاستعارة . ( ومما يستفاد منه ) فيه الترغيب في شهود جنازة الميت والقيام بأمره والحض على الاجتماع له ، والتنبيه على عظيم فضل الله تعالى وتكريمه للمسلم في تكثيره الثواب لمن يتولى أمره بعد موته ، وفيه تقدير الأعمال بنسبة الأوزان أو بجعلها أعيانا حقيقة ، وفيه السؤال عما يهم فيه