باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة
( باب قراءة فاتحة الكتاب على الجنازة ) ( وقال الحسن : يقرأ على الطفل بفاتحة الكتاب ويقول : اللهم اجعله لنا فرطا وسلفا وأجرا ) 90 - حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا غندر قال : حدثنا شعبة ، عن سعد ، عن طلحة قال : صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما ، حدثنا محمد بن كثير قال : أخبرنا سفيان ، عن سعد بن إبراهيم ، عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال : صليت خلف ابن عباس رضي الله عنهما على جنازة فقرأ بفاتحة الكتاب قال : ليعلموا أنها سنة .
مطابقته للترجمة ظاهرة ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية : الأول : محمد بن بشار بفتح الباء الموحدة وتشديد الشين المعجمة وقد تكرر ذكره ، الثاني : غندر بضم الغين المعجمة وسكون النون وفتح الدال وضمها وهو محمد بن جعفر البصري وقد تقدم ، الثالث : شعبة بن الحجاج ، الرابع : سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف مات عام خمسة وعشرين ومائة ، الخامس : طلحة بن عبد الله بن عوف ابن أخي عبد الرحمن كان فقيها سخيا يقال له طلحة الندي مات عام تسعة وتسعين ، السادس : محمد بن كثير ضد قليل وقد تقدم ، السابع : سفيان الثوري ، الثامن : عبد الله بن عباس ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في أربعة مواضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضعين ، وفيه طريقان عن شيخين كلاهما مسميان بمحمد ، وفيه أحد الرواة مذكور بلقبه ، وفيه أن شيخه محمد بن بشار وشيخ شيخه بصريان ، وشعبة واسطي ، وسعد وطلحة مدنيان ، ومحمد بن كثير بصري ، وسفيان كوفي . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه أبو داود في الجنائز عن محمد بن كثير به
وقال : حسن صحيح ،وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن بشار ، عن محمد بن جعفر به ، وعن الهيثم بن أيوب الطالقاني عن إبراهيم بن سعد ، عن أبيه . ج٨ / ص١٤٠( ذكر معناه ) قوله : ( فقرأ بفاتحة الكتاب ) ليس فيه بيان لموضع القراءة ، قال شيخنا زين الدين : هو مبين في حديث جابر ،
رواه البيهقي من طريق الشافعي قال : أخبرنا إبراهيم بن محمد ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، ( عن جابر بن عبد الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على الميت أربعا وقرأ بأم القرآن بعد التكبيرة الأولى ) قال شيخنا : وإسناده ضعيف، وقال : وإليه ذهب الشافعي وأحمد وإسحاق ، قوله : ( ليعلموا أنها ) أي أن قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة سنة ، وفي رواية أبي داود ( أنها من السنة ) ، وفي رواية النسائي وابن خزيمة في ( صحيحه ) بلفظ : ( فأخذت بيده فسألته عن ذلك فقال : يا ابن أخي إنه حق وسنة ) ، وفي رواية الترمذي : ( إنه من السنة أو من تمام السنة ) ، وفي رواية للنسائي بلفظ : ( فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة وجهر حتى أسمعنا ، فلما فرغ أخذت بيده فسألته فقال : سنة وحق ) ( ذكر ما يستفاد منه ) وهو على وجوه : الأول :
أن الترمذي لما روى هذا الحديث قال : هذا حديث حسن صحيح، ثم قال : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وغيرهم يختارون أن يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق الثاني : ما حكاه الترمذي عن الشافعي من أن القراءة بعد التكبيرة الأولى هل هو على سبيل الوجوب أو على سبيل الاستحباب ؟ حكى الروياني وغيره عن نص الشافعي أنه لو أخر قراءة الفاتحة إلى التكبيرة الثانية جاز ، وهذا يدل على أن المراد الاستحباب دون الوجوب ، وحكى ابن الرفعة والبندنيجي والقاضي حسين وإمام الحرمين والغزالي والمتولي تعين القراءة عقيب التكبيرة الأولى ، واختلف في المسألة كلام النووي فجزم في البيان بوجوب قراءتها في التكبيرة الأولى ، وخالف ذلك في الروضة فقال : إنه يجوز تأخيرها إلى التكبيرة الثانية ، وقال في ( شرح المهذب ) : فإن قرأ الفاتحة بعد تكبيرة أخرى غير الأولى جاز ، وكذا قال في المنهاج .
الثالث : ليس في حديث ابن عباس صفة القراءة بالنسبة إلى الجهر والإسرار ، وعند البيهقي من طريق الشافعي عن ابن عيينة ، عن ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد قال : سمعت ابن عباس يجهر بفاتحة الكتاب في الصلاة على الجنازة ويقول : إنما فعلت لتعلموا أنها سنة ، فقد يستدل به على الجهر بها ، وهو أحد الوجهين لأصحاب الشافعي فيما إذا كانت الصلاة عليها ليلا . قال شيخنا زين الدين : والصحيح أنه يسر بها ليلا أيضا ، وأما النهار فاتفقوا على أنه يسر فيه ، قال : ويجاب عن الحديث بأنه أراد بذلك إعلامهم بما يقرأ ليتعلموا ذلك ولعله جهر ببعضها كما صح في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يسمعهم الآية أحيانا في صلاة الظهر ، وكان مراده ليعرفهم السورة التي كان يقرأ بها في الظهر . ( فإن قيل ) للشافعية : لم لم تقرءوا بسورة مع الفاتحة كما في غيرها من الصلوات مع أن في
رواية النسائي المذكورة آنفا فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ؟ ( وأجيب ) عن ذلك بأن البيهقي قال في ( سننه ) إن ذكر السورة فيه غير محفوظ.
الرابع : قول الصحابي من السنة حكمه حكم المرفوع على القول الصحيح ، قاله شيخنا زين الدين ، وفيه خلاف مشهور ووردت أحاديث أخر في قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة منها حديث أم شريك رواه ابن ماجه عنها قالت : " أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب " . ومنها حديث أم عفيف النهدية أنها قالت : " أمرنا النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نقرأ بفاتحة الكتاب على ميتنا " رواه أبو نعيم . ومنها حديث أبي أمامة بن سهل أنه قال : " السنة في الصلاة على الجنازة أن يقرأ في التكبيرة الأولى بأم القرآن مخافته ثم يكبر ثلاثا والتسليم عند الأخيرة " رواه النسائي ، وقال النووي في الخلاصة : إن إسناده على شرط الشيخين .
قال : وأبو أمامة هذا صحابي ، وقال شيخنا زين الدين : لم يعقل برؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - فليست له صحبة ، وقال الذهبي : أبو أمامة بن سهل بن حنيف اسمه أسعد سماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحديثه مرسل ، وروى ابن أبي شيبة عن رجل من همدان أن عبد الله بن مسعود قرأ على جنازة بفاتحة الكتاب ، وروى أيضا من حديث أبي العريان الحذاء قال : صليت خلف الحسن بن علي على جنازة فقلت له : كيف صنعت ؟ قال : قرأت عليها بفاتحة الكتاب ، وعن ابن أبي عون كان الحسن بن أبي الحسن يقرأ بالفاتحة في كل تكبيرة على الجنازة ، وقال ابن بطال : هذا قول شهر بن حوشب ، وقال الضحاك : أقرأ في التكبيرتين الأوليين بفاتحة الكتاب ، وكان مكحول يفعل ذلك ، وعن فضالة مولى ج٨ / ص١٤١عمر أن الذي كان صلى على أبي بكر أو عمر قرأ عليه بفاتحة الكتاب ، وقال ابن بطال : روي عن ابن الزبير وعثمان بن حنيف : أنهما كانا يقرآن عليها بالفاتحة ، وفي ( كتاب الجنائز ) للمزني : وبلغنا أن أبا بكر وغيره من الصحابة كانوا يقرءون بأم القرآن عليها ، وفي ( المحلى ) : صلى المسور بن مخرمة فقرأ في التكبيرة الأولى بفاتحة الكتاب وسورة قصيرة رفع بهما صوته ، فلما فرغ قال : لا أجهل أن تكون هذه الصلاة عجماء ، ولكني أردت أن أعلمكم أن فيها قراءة . وروي عن أبي الدرداء وأنس وأبي هريرة أنهم كانوا يقرءون بالفاتحة . ( قلت ) : قد ذكرنا في أول الباب عن جماعة من الصحابة والتابعين أن لا قراءة في صلاة الجنازة ، وعن ابن مسعود لم يوقت فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - قولا ولا قراءة ولأن ما لا ركوع فيه لا قراءة فيه كسجود التلاوة ، واستدل الطحاوي على ترك القراءة في الأولى بتركها في باقي التكبيرات وبترك التشهد ، وقال : لعل قراءة من قرأ الفاتحة من الصحابة كان على وجه الدعاء لا على وجه التلاوة .
ومن الدعاء للميت ما رواه مسلم ( عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول : صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فحفظت من دعائه وهو يقول : " اللهم اغفر له وارحمه ، وعافه واعف عنه ، وأكرم نزله ووسع مدخله ، واغسله بالماء والثلج والبرد ، ونقه من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس ، وأبدله دارا خيرا من داره ، وأهلا خيرا من أهله ، وزوجا خيرا من زوجه ، وأدخله الجنة ، وأعذه من عذاب القبر ومن عذاب النار " حتى تمنيت أن أكون ذلك الميت ) . وروى أبو داود من حديث أبي هريرة قال : ( صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة فقال : " اللهم اغفر لحينا وميتنا ، وصغيرنا وكبيرنا ، وذكرنا وأنثانا ، وشاهدنا وغائبنا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإيمان ، ومن توفيته منا فتوفه على الإسلام ، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده " ) . وروى أيضا ( عن واثلة بن الأسقع قال : صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل من المسلمين فسمعته يقول : " اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك فقه من عذاب القبر " ) قال عبد الرحمن شيخ أبي داود " في ذمتك وحبل جوارك فقه من فتنة القبر وعذاب النار ، وأنت أهل الوفاء والحق ، اللهم اغفر له وارحمه إنك أنت الغفور الرحيم " والحبل : العهد والميثاق .
وروى الترمذي من حديث أبي إبراهيم الأشهلي ، عن أبيه ( قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى على الجنازة قال : " اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا وأنثانا " ) قال الترمذي : سألت محمدا يعني البخاري عن اسم أبي إبراهيم الأشهلي فلم يعرفه. وروى الحاكم في ( المستدرك ) من حديث يزيد بن ركانة : ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام يصلي على الجنازة قال : " اللهم عبدك وابن عبدك احتاج إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه ، إن كان محسنا فزد في إحسانه ، وإن كان مسيئا فتجاوز عنه " ) . وروى المستغفري في الدعوات من حديث علي بن أبي طالب قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " يا علي إذا صليت على جنازة فقل : اللهم عبدك وابن عبدك وابن أمتك ماض فيه حكمك ، ولم يكن شيئا مذكورا زارك وأنت خير مزور ، اللهم لقنه حجته وألحقه بنبيه ونزله في قبره ووسع عليه في مدخله ، وثبته بالقول الثابت ، فإنه افتقر إليك واستغنيت عنه ، وكان يشهد أن لا إله إلا أنت فاغفر له ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ولا تفتنا بعده ، يا علي وإذا صليت على امرأة فقل : أنت خلقتها ورزقتها ، وأنت أحييتها وأنت أمتها ، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها ، جئناك شفعاء لها اغفر لها ، اللهم لا تحرمنا أجرها ولا تفتنا بعدها ، يا علي وإذا صليت على طفل فقل : اللهم اجعل لأبويه سلفا ، واجعله لهما فرطا ، واجعله لهما نورا وسدادا ، أعقب والديه الجنة إنك على كل شيء قدير " ) .
وروى الطبراني من حديث عبد الله بن حارث ، عن أبيه ( أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - علمهم الصلاة على الميت : " اللهم اغفر لأحيائنا وأمواتنا ، وأصلح ذات بيننا ، وألف بين قلوبنا ، اللهم هذا عبدك فلان بن فلان لا نعلم إلا خيرا وأنت أعلم به فاغفر لنا وله " )