باب الصلاة على الشهيد
- حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا الليث قال : حدثني يزيد بن أبي حبيب ، عن أبي الخير ، عن عقبة بن عامر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج يوما فصلى على أهل أحد صلاته على الميت ، ثم انصرف إلى المنبر فقال : إني فرط لكم وأنا شهيد عليكم ، وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن ، وإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض أو مفاتيح الأرض ، وإني والله ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ولكن أخاف عليكم أن تنافسوا فيها . مطابقته للترجمة من حيث إنها تحتمل مشروعية الصلاة على الشهيد من جهة عمومها . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة تقدموا ، وأبو الخير اسمه مرثد بن عبد الله اليزني ، وعقبة بضم العين وسكون القاف ابن عامر الجهني ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته كلهم مصريون وهو معدود من أصح الأسانيد ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وفيه أحدهم مذكور بالكنية .
( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في علامات النبوة عن سعيد بن شرحبيل ، وفي المغازي عن محمد بن عبد الرحيم ، وعن قتيبة ، وفي ذكر الحوض عن عمرو بن خالد ، وأخرجه مسلم في فضائل النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - عن قتيبة به وعن أبي موسى ، وأخرجه أبو داود في الجنائز عن قتيبة به مختصرا ، وعن الحسن بن علي ، وأخرجه النسائي فيه أيضا عن قتيبة به . ( ذكر معناه ) قوله : ( فصلى على أهل أحد ) وهم الذين استشهدوا فيه ، وكانت أحد في شوال سنة ثلاث . قوله : ( صلاته على الميت ) أي مثل صلاته على الميت ، وهذا يرد قول من قال : إن الصلاة في الأحاديث التي وردت محمولة على الدعاء ، وممن قال به ابن حبان والبيهقي والنووي ، حتى قال النووي : المراد من الصلاة هنا الدعاء ، وأما كونه مثل الذي على الميت فمعناه أنه دعا لهم بمثل الدعاء الذي كانت عادته أن يدعو به للموتى .
( قلت ) : هذا عدول عن المعنى الذي يتضمنه هذا اللفظ لأجل تمشية مذهبه في ذلك ، وهذا ليس بإنصاف ، وقال الطحاوي : معنى صلاته صلى الله عليه وسلم لا يخلو من ثلاثة معان : إما أن يكون ناسخا لما تقدم من ترك الصلاة عليهم ، أو يكون من سننهم أن لا يصلى عليهم إلا بعد هذه المدة ، أو تكون الصلاة عليهم جائزة بخلاف غيرهم فإنها واجبة ، وأيها كان فقد تثبت بصلاته عليهم الصلاة على الشهداء . وقال بعضهم : غالب ما ذكره بصدد المنع لأن صلاته عليهم تحتمل أمورا : منها أن تكون من خصائصه ، ومنها أن يكون المعنى الدعاء ، ثم هي واقعة عين لا عموم فيها ، فكيف ينتهض الاحتجاج بها لدفع حكم قد تقرر ؟ ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني الذي ذكره ، انتهى . ( قلت ) : كل ما ذكر هذا القائل ممنوع لأن قوله منها أن تكون من خصائصه ، وإثبات الخصوصية بالاحتمال لا يصح ؛ لأن الاحتمال الناشئ من غير دليل لا يعتبر ولا يعمل به ، وقوله : ومنها أن يكون المعنى الدعاء يرده لفظ الحديث ويبطله ، وقوله : وهي واقعة عين لا عموم فيها كلام غير موجه ؛ لأن هذا الكلام لا دخل له في هذا المقام ، وقوله : لدفع حكم تقرر لا ينتهض دليلا له لدفع خصمه لأنه لا يعلم ما هذا الحكم المقرر ، وقوله : ولم يقل أحد من العلماء بالاحتمال الثاني كلام واه لأنه ما ادعى أن أحدا من العلماء قال به حتى ينكر عليه ، وإنما ذكره بطريق الاستنباط من لفظ الحديث .
قوله : ( ثم انصرف إلى المنبر ) ولفظ مسلم : ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال : إني فرطكم على الحوض ، وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة وفي آخره : قال عقبة : فكانت آخر ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر . قوله : ( إني فرط لكم ) بفتح الفاء والراء ، وهو الذي يتقدم الواردة ليصلح لهم الحياض والدلاء ونحوهما ، ومعنى ( فرطكم ) سابقكم إليه كالمهيئ له . قوله : ( وأنا شهيد عليكم ) أي أشهد لكم .
قوله : ( مفاتيح الأرض ) جمع مفتاح ، ويروى ( مفاتح الأرض ) بدون الياء ، فهو جمع مفتح على وزن مفعل بكسر الميم . قوله : ( لأنظر إلى حوضي ) هو على ظاهره ، وكأنه كشف له عنه في تلك الحالة . قوله : ( ما أخاف عليكم أن تشركوا بعدي ) معناه على مجموعكم ؛ لأن ذلك قد وقع من البعض والعياذ بالله تعالى .
قوله : ( أن تنافسوا ) من المنافسة وهي الرغبة في الشيء والانفراد به ، وهو من الشيء النفيس الجيد في نوعه ، ونافست الشيء منافسة ونفاسا إذا رغبت فيه . ( ذكر ما يستفاد منه ) قال الخطابي : فيه أنه صلى الله عليه وسلم قد صلى على أهل أحد بعد مدة ، فدل على أن الشهيد يصلى عليه كما يصلى على من مات حتف أنفه ، وإليه ذهب أبو حنيفة ، وأول الخبر في ترك الصلاة عليهم يوم أحد على معنى اشتغاله عنهم وقلة فراغه لذلك ، وكان يوما صعبا على المسلمين ، فعذروا بترك الصلاة عليهم ، وفيه أن الحوض مخلوق موجود اليوم وأنه حقيقي ، وفيه معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث نظر إليه في الدنيا وأخبر عنه ، وفيه معجزة أخرى أنه أعطي مفاتيح خزائن الأرض وملكتها أمته بعده ، وفيه أن أمته لا يخاف عليهم من الشرك ، وإنما يخاف عليهم من التنافس ، ويقع منه التحاسد والتباخل ، وفيه جواز الحلف من غير استحلاف لتفخيم الشيء وتوكيده .