باب هل يخرج الميت من القبر واللحد لعلة
حدثنا مسدد قال : أخبرنا بشر بن المفضل قال : حدثنا حسين المعلم ، عن عطاء ، عن جابر رضي الله عنه قال : لما حضر أحد دعاني أبي من الليل فقال : ما أراني إلا مقتولا في أول من يقتل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإني لا أترك بعدي أعز علي منك غير نفس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن علي دينا فاقض ، واستوص بأخواتك خيرا ، فأصبحنا فكان أول قتيل ، ودفن معه آخر في قبر ، ثم لم تطب نفسي أن أتركه مع الآخر ، فاستخرجته بعد ستة أشهر ، فإذا هو كيوم وضعته هنية غير أذنه . مطابقته للترجمة في قوله فاستخرجته ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، والمفضل بضم الميم وتشديد الضاد المعجمة ، وعطاء هو ابن أبي رباح ، وقال الجياني : كذا روي هذا الإسناد عن البخاري ، إلا أبا علي بن السكن وحده ، فإنه قال في روايته : شعبة ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، عن جابر ، وأخرجه أبو نعيم من طريق أبي الأشعث عن بشر بن المفضل فقال : سعيد بن يزيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر ، وقال بعده : ليس أبو نضرة من شرط البخاري . قال : وروايته عن حسين عن عطاء عزيزة جدا ، وأخرجه أبو داود ، حدثنا سليمان بن حرب ، حدثنا حماد بن زيد ، عن سعيد بن يزيد أبي سلمة ، عن أبي نضرة ، عن جابر قال : دفن مع أبي رجل فكان في نفسي من ذلك حاجة ، فأخرجته بعد ستة أشهر فما أنكرت منه شيئا إلا شعيرات كن في لحيته مما يلي الأرض ، وأبو نضرة المنذر بن مالك العوفي ، وأخرجه أيضا ابن سعد ، والحاكم ، والطبراني من طريق سعيد ، عن أبي نضرة ، عن جابر رضي الله تعالى عنه .
( ذكر معناه ) قوله : ( لما حضر أحد ) أي وقعة أحد ، وإسناد الحضور إليه مجازي ، وكانت وقعة أحد في سنة ثلاث من الهجرة ، خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليها عشية الجمعة لأربع عشرة خلت من شوال ، وقال مالك : كانت أحد وخيبر في أول النهار ، قوله : ( ما أراني ) بضم الهمزة أي ما أظنني ، أي ما أظن نفسي ، وذكر الحاكم في ( مستدركه ) عن الواقدي أن سبب ظنه ذلك منام رآه أنه رأى مبشر بن عبد الله المنذر ، وكان ممن استشهد ببدر ، يقول له : أنت قادم علينا في هذه الأيام ، فقصها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : هذه شهادة ، وفي رواية أبي علي بن السكن ، عن أبي نضرة ، عن جابر أن أباه قال له : إني معرض نفسي للقتل الحديث ، وقال ابن التين : إنما قال ذلك بناء على ما كان عزم عليه ، وإنما قال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إشارة إلى ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بعض أصحابه سيقتل ، قوله : ( فإن علي دينا ) كانت عليه أوسق تمر ليهودي ، قوله : ( فاقض ) من قضى يقضي أي أد الدين ، ويروى فاقضه بذكر الضمير الذي هو المفعول ، قوله : ( واستوص ) أي اطلب الوصل بأخواتك خيرا ، يقال : وصيت الشيء بكذا إذا وصلته به ، قال ابن بطال : أي اقبل وصيتي بالخير إليهن ، وكانت له تسع أخوات باختلاف فيه ، فوكد عليه فيهن مع ما كان في جابر من الخير ، فوجب لهن حق القرابة ، وحق وصية الأب ، وحق اليتيم ، وحق الإسلام ، وفي ( الصحيح ) : لما قال له صلى الله عليه وسلم : تزوجت بكرا أم ثيبا قال : بل ثيبا فقال : هلا بكرا تلاعبها وتلاعبك ؟ قال : إن أبي ترك أخوات كرهت أن أضم إليهن خرقاء مثلهن فلم ينكر عليه ذلك ، قوله : ( أن أتركه ) أن مصدرية ، أي لم تطب نفسي تركه مع الآخر ، وهو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري ، وكان صديق والد جابر وزوج أخته هند بنت عمرو ، فكان جابر سماه عما تعظيما ، وقال ابن إسحاق في المغازي : حدثني أبي عن رجال من بني سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال حين أصيب عبد الله بن عمرو وعمرو بن الجموح : اجمعوا بينهما فإنهما كانا متصادقين في الدنيا ، وفي مغازي الواقدي عن عائشة : أنها رأت هند بنت عمرو تسوق بعيرا لها عليه زوجها عمرو بن الجموح وأخوها عبد الله بن عمرو بن حرام لتدفنها بالمدينة ، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برد القتلى إلى مضاجعهم . وروى أحمد في مسنده بإسناد حسن من حديث أبي قتادة قال : قتل عمرو بن الجموح وابن أخيه يوم أحد فأمر بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فجعلا في قبر واحد ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : ليس هو ابن أخيه ، وإنما هو ابن عمه ، قوله : ( فاستخرجته بعد ستة أشهر ) أي من يوم دفنته . ( فإن قلت ) : وقع في ( الموطأ ) عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة له بلغه أن عمرو بن الجموح وعبد الله بن عمرو الأنصاري كانا قد حفر السيل قبرهما ، وكانا في قبر واحد ، فحفر عنهما ليغيرا من مكانهما ، فوجدا لم يتغيرا كأنهما ماتا بالأمس ، وكان بين أحد ويوم حفر عنهما ست وأربعون سنة ، انتهى .
وهذا يخالف ما ذكره جابر . ( قلت ) : أجاب ابن عبد البر بتعدد القصة ، ورد عليه بعضهم بقوله : لأن الذي في حديث جابر أنه دفن أباه في قبر واحد بعد ستة أشهر ، وفي حديث ( الموطأ ) : أنهما وجدا في قبر واحد بعد ستة وأربعين سنة ، فإما أن المراد بكونهما في قبر واحد قرب المجاورة ، أو أن السيل غرق أحد القبرين فصارا كقبر واحد . ( قلت ) : فيه ما لا يخفى ، والأوجه أن يقال المنقول عن عبد الرحمن بن أبي صعصعة بلاغ فلا يقاوم المروي عن جابر رضي الله تعالى عنه .
قوله : ( فإذا هو ) كلمة إذا للمفاجأة ، وقوله هو مبتدأ وخبره قوله : ( كيوم وضعته ) بإضافة يوم إلى وضعته ، والكاف بمعنى المثل ، واليوم بمعنى الوقت ، قوله : ( هنية ) بضم الهاء وتشديد الياء آخر الحروف مصغر هنا أي قريبا ، وانتصابه على الحال ، وقوله : ( غير إذنه ) مستثنى مما قبله ، وحاصل المعنى استخرجت أبي من قبره ففاجأته قريبا مثل الوقت الذي وضعته فيه غير أن أذنه تغير بسبب التصاقها بالأرض ، وهذا المذكور هو رواية المروزي والجرجاني وأبي ذر ، وفي رواية ابن السكن والنسفي : كيوم وضعته في القبر غير هنية في أذنه يريد غير أثر يسير غيرته الأرض من أذنه ، وهذا هو الصواب ، وحكى ابن التين : أنه في روايته بفتح الهاء وسكون الياء آخر الحروف بعدها همزة ثم تاء مثناة من فوق ثم هاء الضمير ومعناه على حالته ، ووقع في رواية ابن أبي خيثمة والطبراني من طريق غسان بن نصر عن أبي سلمة بلفظ : وهو كيوم دفنته إلا هنية عند أذنيه ، ووقع في رواية أبي نعيم من طريق الأشعث : غير هنية عند أذنه ، ووقع في رواية الحاكم : فإذا هو كيوم وضعته غير أذنه سقط منه لفظ هنية ، وكذا ذكره الحميدي في الجمع في أفراد البخاري ، ووقع في رواية ابن السكن من طريق شعبة عن أبي مسلمة بلفظ : غير أن طرف أذن أحدهم تغير ، ووقع في رواية ابن سعد من طريق أبي هلال عن أبي مسلمة : إلا قليلا من شحمة أذنه ، ووقع في رواية أبي داود ، وقد ذكرناها من طريق حماد بن زيد عن أبي مسلمة : إلا شعيرات كن من لحيته مما يلي الأرض . ( فإن قلت ) : ما وجه رواية أبي داود بالنسبة إلى الروايات المذكورة ؟ ( قلت ) : المراد بالشعيرات التي تتصل بشحمة الأذن . ( فإن قلت ) : روى الطبراني بإسناد صحيح عن محمد بن المنكدر عن جابر أن أباه قتل يوم أحد ثم مثلوا به فجدعوا أنفه وأذنيه الحديث ، ( قلت ) : يحمل هذا على أنهم قطعوا بعض أذنيه لا جميعهما فافهم .