حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه وهل يعرض على الصبي الإسلام

حدثنا أبو اليمان قال : أخبرنا شعيب ، قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود متوفى ، وإن كان لغية ، من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام ، يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة ، وإن كانت أمه على غير الإسلام ، إذا استهل صارخا صلي عليه ، ولا يصلى على من لا يستهل من أجل أنه سقط ، فإن أبا هريرة رضي الله عنه كان يحدث : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ، كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ؟ ثم يقول أبو هريرة رضي الله عنه : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا الآية . مطابقته للترجمة من حيث إن المولود بين الأبوين المسلمين أو أحدهما مسلم إذا مات ، وقد استهل صارخا يصلى عليه ؛ فالصلاة عليه تدل على أنه محل عرض الإسلام عند تعقله . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع الحمصي ، الثاني : شعيب بن أبي حمزة الحمصي ، الثالث : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، الرابع : أبو هريرة .

( ذكر ما يستفاد منه ) وهو أنه مشتمل على شيئين : الأول : هو قول الزهري : وهو قوله قال ابن شهاب : يصلى على كل مولود إلى آخره ، وهو قول جماهير الفقهاء إلا قتادة فإنه انفرد فقال : لا يصلى عليه ، وقال أصحابنا : إذا استهل المولود سمي وغسل وصلي عليه ، وكذا إذا استهل ثم مات لحينه ، والاستهلال أن يكون منه ما يدل على حياته ، فإن لم يستهل لا يغسل ولا يرث ولا يورث ولا يسمى ، وعند الطحاوي : إن الجنين الميت يغسل ، ولم يحك خلافا ، وعن محمد في سقط استبان خلقه : يغسل ويكفن ويحنط ولا يصلى عليه ، وقال أبو حنيفة : إذا خرج أكثر الولد وهو يتحرك صلي عليه ، وإن خرج أقله لم يصل عليه ، وفي ( شرح المهذب ) : إذا استهل السقط صلي عليه لحديث ابن عباس مرفوعا : إذا استهل السقط صلي عليه وورث وهو حديث غريب ، وإنما هو معروف من رواية جابر ، ورواه الترمذي وقال : كان الموقوف أصح ، وقال النسائي : الموقوف أولى بالصواب ، ونقل ابن المنذر الإجماع على وجوب الصلاة على السقط ، وعن مالك لا يصلى على الطفل إلا أن يختلج ويتحرك ، وعن ابن عمر أنه يصلى عليه وإن لم يستهل ، وبه قال ابن سيرين وابن المسيب وأحمد وإسحاق ، وقال العبدري : إن كان له دون أربعة أشهر لم يصل عليه بلا خلاف يعني بالإجماع ، وإن كان له أربعة أشهر ولم يتحرك لم يصل عليه عند جمهور العلماء ، وقال أحمد وداود : يصلى عليه ، وقال ابن قدامة : السقط الولد تضعه المرأة ميتا أو لغير تمام ، فأما إن خرج حيا واستهل فإنه يصلى عليه بعد غسله بلا خلاف ، وصلى ابن عمر على ابن ابنه ولد ميتا ، وقال الحسن ، وإبراهيم ، والحكم ، وحماد ، ومالك ، والأوزاعي ، وأصحاب الرأي : لا يصلى عليه حتى يستهل ، وللشافعي قولان ، وحكي عن سعيد بن جبير أنه لا يصلى عليه ما لم يبلغ ، وقال ابن حزم ، ورويناه أيضا عن سويد بن غفلة ، وعند المالكية : لا يصلى عليه ما لم يعلم حياته بعد انفصاله بالصراخ ، وفي العطاس والحركة الكثيرة والرضاع اليسير قولان : أما الرضاع المتحقق والحياة المعلومة بطول المكث فكالصراخ ، وعن الليث ، وابن وهب ، وأبي حنيفة ، والشافعي : أن الحركة والرضاع والعطاس استهلال ، وعن بعض المالكية : أن البول والحدث حياة . الثاني : رواية ابن شهاب عن أبي هريرة منقطعة لأن ابن شهاب لم يسمع من أبي هريرة شيئا ولا أدركه ، والبخاري لم يذكره للاحتجاح إنما ذكر كلامه مسندا لعلوه ، وقال أبو عمر : روي هذا الحديث من وجوه صحاح ثابتة من حديث أبي هريرة وغيره ، فممن رواه عن أبي هريرة : الأعرج ، وابن المسيب ، وابن سيرين ، وسعيد بن أبي سعيد ، وأبو سلمة ، وحميد بن عبد الرحمن ، وأبو صالح ، واختلف على ابن شهاب في رواية ، فمعمر والزهري قالا عنه عن سعيد ، وعن أبي هريرة ، ويونس ، وابن أبي ذئب قالا عنه عن أبي سلمة عن أبي هريرة ، وقال الأوزاعي عنه عن حميد ، قال محمد بن يحيى الذهلي : هذه الطرق كلها صحاح عن ابن شهاب وهو عن مالك في ( الموطأ ) ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، ورواه عن أبي الزناد أيضا عبد الله بن الفضل الهاشمي شيخ مالك رضي الله تعالى عنه ، وعند ابن شهاب رضي الله عنه عن عطاء بن يزيد ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا : سئل عن أولاد المشركين فقال : الله أعلم ما كانوا عاملين . ( ذكر معناه ) : قوله : ( يصلى على كل مولود متوفى ) بضم الياء وتشديد اللام المفتوحة على صيغة المجهول ، وقوله : ( متوفى ) صفة مولود ، قوله : ( لغية ) بكسر اللام والغين المعجمة وتشديد الياء آخر الحروف مشتق من الغواية وهي الضلالة كفرا وغيره ، وأيضا يقال لولد الزنا ولد الغية ، ولغيره ولد الرشدة ، فالمراد منه : وإن كان المولود لكافرة أو زانية يصلى عليه إذا مات إذا كان أبواه مسلمين أو أبوه فقط ، وهو معنى قوله : ( من أجل أنه ولد على فطرة الإسلام يدعي أبواه الإسلام أو أبوه خاصة ) يعني دون أمه ، قوله : ( يدعي ) جملة حالية ، والأصل أن مذهب الزهري أنه يصلى على ولد الزنا ولا يمنع ذلك من الصلاة عليه ؛ لأنه محكوم بإسلامه تبعا لأبويه أو لأبيه خاصة إذا كانت أمه غير مسلمة ، قوله : ( إذا استهل ) أي إذا صاح عند الولادة ، وهو على صيغة المجهول من الاستهلال وهو الصياح عند الولادة ، قوله : ( صارخا ) حال مؤكدة من الضمير الذي في استهل ، قوله : ( سقط ) بكسر السين المهملة وضمها وفتحها وهو الجنين يسقط قبل تمامه ، قوله : ( فإن أبا هريرة ) الفاء فيه للتعليل ، وقد قلنا إن هذه الرواية منقطعة ، قوله : ( ما من مولود ) كلمة من زائدة ، ومولود مبتدأ ، ويولد خبره وتقديره ما من مولود يوجد على أمر إلا على الفطرة ، وهي في اللغة الخلقة ، والمراد بها هنا ما يراد في الآية الشريفة وهي الدين ؛ لأنه قد اعتورها البيان من أول الآية وهو : فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ ومن آخرها وهو : ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وقال الطيبي : كلمة من الاستغراقية في سياق النفي التي تفيد العموم كقولك : ما أحد خير منك ، والتقدير ما مولود يوجد على أمر من الأمور إلا على هذا الأمر ، والفطرة تدل على نوع منها وهو الابتداء والاختراع كالجلسة والقعدة ، والمعنى بها هاهنا تمكن الناس من الهدى في أصل الجبلة والتهيئ لقبول الدين ، فلو ترك عليها لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها ؛ لأن هذا الدين حسنه موجود في النفوس ، وإنما يعدل عنه لآفة من الآفات البشرية والتقليد ، كقوله تعالى : أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى والفاء في أبواه إما للتعقيب وهو ظاهر وإما للتسبيب أي إذا تقرر ذلك فمن تغير كان بسبب أبويه ، ونذكر ما قالوا في معنى الفطرة عن قريب إن شاء الله تعالى ، قوله : ( فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) معناه أنهما يعلمانه ما هو عليه ويصرفانه عن الفطرة ، ويحتمل أن يكون المراد يرغبانه في ذلك أو أن كونه تبعا لهما في الدين بولادته على فراشهما يوجب أن يكون حكمه حكمهما ، وقيل : معنى يهودانه يحكم له بحكمهما في الدنيا ، فإن سبقت له السعادة أسلم إذا بلغ وإلا مات على كفره ، وإن مات قبل بلوغه فالصحيح أنه من أهل الجنة ، وقيل : لا عبرة بالإيمان الفطري في أحكام الدنيا ، إنما يعتبر الإيمان الشرعي المكتسب بالإرادة والفعل ، وطفل اليهوديين مع وجود الإيمان الفطري محكوم بكفره في الدنيا تبعا لوالديه ، قال الكرماني : ( فإن قلت ) : الضمير في أبواه راجع إلى كل مولود ؛ لأنه عام فيقتضي تهويد كل المواليد أو نحوه ، وليس الأمر كذلك لبقاء البعض على فطرة الإسلام ، ( قلت ) : الغرض من التركيب أن الضلالة ليست من ذات المولود ، ومقتضى طبعه بل أينما حصلت ، فإنما هي بسبب خارج عن ذاته ، قوله : ( كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء ) قال الطيبي : قوله : ( كما ) إما حال من الضمير المنصوب في يهودانه مثلا فالمعنى يهودان المولود بعد أن خلق على الفطرة شبيها بالبهيمة التي جدعت بعد أن خلقت سليمة ، وإما صفة مصدر محذوف أي يغيرانه تغيرا مثل تغييرهم البهيمة السليمة ، فالأفعال الثلاثة أعني : يهودانه وينصرانه ويمجسانه تنازعت في كما على التقديرين ، قوله : ( تنتج ) يروى على بناء المفعول ، وفي المغرب عن الليث : وقد نتج الناقة ينتجها نتجا إذا تولى نتاجها حتى وضعت فهو ناتج ، وهو للبهائم كالقابلة للنساء ، والأصل نتجتها ولذا يعدى إلى مفعولين ، وعليه بيت الحماسة : وهم نتجوك تحت الفيل سقيا فإذا بني للمفعول الأول قيل : نتجت ولدا إذا وضعته ، قوله : ( جمعاء ) هي البهيمة التي لم يذهب من بدنها شيء ، سميت بها لاجتماع سلامة أعضائها ، لا جدع فيها ولا كي ، قوله : ( وهل تحسون فيها من جدعاء ) في موضع الحال على التقديرين أي بهيمة سليمة مقولا في حقها هذا القول ، وفيه نوع من التأكيد يعني كل من نظر إليها قال هذا القول لظهور سلامتها ، والجدعاء البهيمة التي قطعت أذنها من جدع إذا قطع الأذن والأنف ، وتخصيص ذكر الجمع إيماء إلى أن تصميمهم على الكفر إنما كان بسبب صممهم عن الحق ، وأنه كان خليقا فيهم ، قوله : ( ثم يقول أبو هريرة ) الظاهر ثم قرأ فعدل إلى القول وأتى بالمضارع على حكاية الحال الماضية استحضارا له في ذهن السامع كأنه يسمع منه صلى الله عليه وسلم الآن ، قوله : ( لا تبديل ) لا يجوز أن يكون إخبارا محضا لحصول التبديل بل يؤول بأن يقال من شأنه أن لا يبدل أو يقال : إن الخبر بمعنى النهي ، ثم نبين ما قالوا في معنى قوله صلى الله عليه وسلم : كل مولود يولد على الفطرة فقالت طائفة : ليس معنى قوله : كل مولود يولد على الفطرة عاما ، ومعناه أن كل من ولد على الفطرة وكان له أبوان على غير الإسلام هوداه أو نصراه قالوا : وليس معناه أن جميع المولودين من بني آدم أجمعين يولدون على الفطرة بين الأبوين الكافرين ، وكذلك من لم يولد على الفطرة وكان أبواه مؤمنين حكم له بحكمهما في صغره ، وإن كانا يهوديين فهو يهودي ويرثهما ويرثانه ، وكذلك إن كانا نصرانيين أو مجوسيين حتى يعبر عنه لسانه ويبلغ الحنث فيكون له حكم نفسه حينئذ لا حكم أبويه ، واحتجوا بحديث أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : الغلام الذي قتله الخضر عليه الصلاة والسلام طبعه الله يوم طبعه كافرا وبما رواه سعيد بن منصور ، عن حماد بن زيد ، عن علي بن زيد ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد يرفعه : ألا إن بني آدم خلقوا طبقات ، فمنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت مؤمنا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد مؤمنا ويحيا مؤمنا ويموت كافرا ، ومنهم من يولد كافرا ويحيا كافرا ويموت مؤمنا قالوا : ففي هذا وفي غلام الخضر ما يدل على قوله كل مولود ليس على العموم ، وأورد عليهم قوله صلى الله عليه وسلم : كل بني آدم يولد على الفطرة وأجابوا بأنه غير صحيح ، ولو صح ما فيه حجة لجواز الخصوص كما في قوله تعالى تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ ولم تدمر السماء والأرض ، وقوله : فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ ولم تفتح عليهم أبواب الرحمة .

وقال آخرون : معنى الحديث على العموم لقوله صلى الله عليه وسلم : كل بني آدم يولد على الفطرة ولحديث أبي هريرة مرفوعا : الله أعلم بما كانوا عاملين ولحديث إبراهيم عليه الصلاة والسلام : والولدان حوله أولاد الناس فهذه كلها تدل على أن المعنى الجميع يولدون على الفطرة ، وضعفوا حديث سعيد بن منصور بوجهين : الأول أن في سنده ابن جدعان ، والثاني أنه لا يعارض دعوى العموم ؛ لأن الأقسام الأربعة راجعة إلى علم الله تعالى ، فإنه قد يولد الولد بين مؤمنين والعياذ بالله يكون قد سبق في علمه تعالى غير ذلك ، وكذا من ولد بين كافرين وإلى هذا يرجع غلام خضر عليه الصلاة والسلام . ثم اختلفوا في معنى هذه الفطرة ، فذكر أبو عبيد عن محمد بن الحسن أنه قبل أن يؤمر الناس بالجهاد ، قيل : فيه نظر ؛ لأن في حديث الأسود بن سريع أنه بعد الجهاد ، رواه عنه الحسن البصري قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما بال قوم يبلغون في القتل إلى الذرية إنه ليس من مولود إلا وهو يولد على الفطرة فيعبر عنه لسانه ، ورواه ابن حبان في صحيحه بلفظ : ما من مولود يولد إلا على فطرة الإسلام حتى يعرب ، وذكره أبو نعيم في الحلية وقال : هو حديث مشهور ثابت وفيه نظر ؛ لأن علي بن المديني ويحيى بن معين وأبا عبد الله بن منده وأبا داود وغيرهم أنكروا أن يكون الحسن سمع من الأسود شيئا ، وقيل : روى عن الأعمش عن الأسود وهو حديث بصري صحيح ، وقال قوم : الفطرة هنا الخلقة التي يخلق عليها المولود من المعرفة بربه ؛ لأن الفطرة الخلقة من الفاطر الخالق ، وأنكروا أن يكون المولود يفطر على كفر أو إيمان أو معرفة وإنكار ، وإنما يولد المولود على السلامة في الأغلب خلقة وطبعا وبنية ، ليس فيها إيمان ولا كفر ولا إنكار ولا معرفة ، ثم يعتقدون الإيمان أو غيره إذا ميزوا ، واحتجوا بقوله في الحديث : كما تنتج البهيمة الحديث ، فالأطفال في حين الولادة كالبهائم السليمة ، فلما بغوا استهوتهم الشياطين فكفر أكثرهم إلا من عصمه الله تعالى ، ولو فطروا على الإيمان أو الفكر في أول أمرهم لما انتقلوا عنه أبدا فقد تجدهم يؤمنون ثم يكفرون ثم يؤمنون ، ويستحيل أن يكون الطفل في حين ولادته يعقل شيئا ؛ لأن الله أخرجهم في حالة لا يفقهون معها شيئا ، فمن لا يعلم شيئا استحال منه كفر أو إيمان أو معرفة أو إنكار ، وقال أبو عمر : هذا القول أصح ما قيل في معنى الفطرة هنا ، والله أعلم . وقال قوم : إنما قال : كل مولود يولد على الفطرة قبل أن تنزل الفرائض ؛ لأنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات أبواه قبل أن يهودانه أو ينصرانه لما كان يرثهما ويرثانه ، فلما نزلت الفرائض علم أنه يولد على دينهما ، وقال قوم : الفطرة هنا الإسلام ؛ لأن السلف أجمعوا في قوله تعالى فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا أنها دين الإسلام ، واحتجوا بحديث عياض بن حمار قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – : قال الله تبارك وتعالى : إني خلقت عبادي حنفاء على استقامة وسلامة والحنيف في كلام العرب المستقيم السالم ، وبقوله صلى الله عليه وسلم : خمس من الفطرة فذكر قص الشارب والاختتان وذلك من سنن الإسلام ، وإليه ذهب أبو هريرة والزهري ، وقال أبو عمر : ويستحيل أن تكون الفطرة المذكورة فيه الإسلام ؛ لأن الإسلام والإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح ، وهذا معدوم في الطفل ، وقال قوم : معنى الفطرة فيه البداءة التي ابتدأهم عليها ، أي على ما فطر الله تعالى عليه خلقه من أنه ابتدأهم للحياة والموت والسعادة والشقاوة ، وإلى ما يصيرون إليه عند البلوغ من قبولهم من آبائهم واعتقادهم ، وقال قوم : معنى ذلك أن الله تعالى قد فطرهم على الإنكار والمعرفة وعلى الكفر والإيمان ، فأخذ من ذرية آدم عليه الصلاة والسلام الميثاق حين خلقهم فقال : ألست بربكم ؟ فقالوا جميعا : بلى ، فأما أهل السعادة فقالوا : بلى على معرفة له طوعا من قلوبهم ، وأما أهل الشقاوة فقالوا : بلى كرها لا طوعا ، وتصديق ذلك قوله تعالى : وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وقال المروزي : سمعت ابن راهويه يذهب إلى هذا ، واحتج ابن راهويه أيضا بحديث عائشة حين مات صبي من الأنصار بين أبوين مسلمين فقالت عائشة : طوبى له عصفور من عصافير الجنة ، فرد عليها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : مه يا عائشة وما يدريك أن الله تعالى خلق الجنة وخلق لها أهلا ، وخلق النار وخلق لها أهلا وقال أبو عمر : قول إسحاق بن راهويه في هذا الباب لا يرضاه حذاق الفقهاء من أهل السنة ، وإنما هو قول المجبرة .

وقال قوم : معنى الفطرة ما أخذه الله من الميثاق على الذرية وهم في أصلاب آبائهم ، وقال قوم : الفطرة ما يقلب الله تعالى قلوب الخلق إليه بما يريد ويشاء ، وقال أبو عمر : هذا القول وإن كان صحيحا في الأصل فإنه أضعف الأقاويل من جهة اللغة في معنى الفطرة ، والله أعلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) : قد تقدم في أوله ، والله أعلم .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث