حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما جاء في عذاب القبر وقوله تعالى ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت

حدثنا عبد الله بن محمد قال : حدثنا سفيان ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول حق ، وقد قال الله تعالى : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى مطابقته للترجمة في قوله إنهم ليعلمون الآن أن ما كنت أقول حق ، والذي كان يقوله هو من عذاب القبر وغيره . فإن قلت : ما وجه ذكر حديث ابن عمر وحديث عائشة - وهما متعارضان - في ترجمة عذاب القبر ؟ قلت : لما ثبت من سماع أهل القليب كلامه وتوبيخه لهم دل إدراكهم كلامه بحاسة السمع على جواز إدراكهم ألم العذاب ببقية الحواس فحسن ذكرهما في هذه الترجمة ، ثم التوفيق بين الخبرين أن حديث ابن عمر محمول على أن مخاطبة أهل القليب كانت وقت المساءلة ووقتها وقت إعادة الروح إلى الجسد وقد ثبت في الأحاديث الأخرى أن الكافر المسؤول يعذب ، وأن حديث عائشة محمول على غير وقت المساءلة ، فبهذا يتفق الخبران . ( ذكر رجاله ) : وهم قد ذكروا ، وعبد الله بن محمد بن أبي شيبة إبراهيم الكوفي ، وسفيان هو ابن عيينة .

وفي سنده التحديث بصيغة الجمع في موضعين والعنعنة في ثلاثة مواضع . ( ذكر معناه ) : قوله ( إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم ) جاء بلفظ إنما وهي للحصر ، قال الكرماني : وكأن حديث ما أنتم بأسمع منهم لم يثبت عندها ، ومذهبها أن أهل القبور يعلمون ما سمعوا قبل الموت ولا يسمعون بعد الموت ، انتهى . قلت : هذا من عائشة يدل على أنها ردت رواية ابن عمر المذكورة ، ولكن الجمهور خالفوها في ذلك وقبلوا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنه لموافقة من رواه غيره عليه ، وقال السهيلي : عائشة لم تحضر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فغيرها ممن حضر أحفظ للفظ النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قالوا : يا رسول الله ، أتخاطب قوما قد جيفوا ! فقال : ما أنتم بأسمع لما أقول منهم .

قال : وإذا جاز أن يكونوا في تلك الحال عالمين جاز أن يكونوا سامعين أيا ما كان روسهم كما هو قول الجمهور ، أو يأذن الروح على رأي من يوجه السؤال إلى الروح من غير رجوع إلى الجسد . قال : وأما الآية فإنها كقوله تعالى : أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ ؛ أي أن الله هو الذي يسمع ويهدي . وقال ابن التين : لا معارضة بين حديث ابن عمر والآية ؛ لأن الموتى لا يسمعون لا شك ، لكن إذا أراد الله إسماع ما ليس من شأنه السماع لم يمتنع ، كقوله تعالى : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ الآية ، وقوله : فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا الآية ، وإن النار اشتكت إلى ربها .

ويكون معنى قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى مثل قوله إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ ، ثم قوله تعالى : إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى في سورة النمل وقبله : ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ ٧٩ إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . قال أبو الليث السمرقندي رحمه الله : هذا مثل ضربه للكفار ، فكما أنك لا تسمع الموتى فكذلك لا تفقه كفار مكة ولا تسمع الصم الدعاء ، قرأ ابن كثير ولا يسمع الصم بفتح الياء وبضم الصم على أنه فاعل لا يسمع ، والباقون ولا تسمع بالخطاب ونصب الصم على المفعولية ، والصم جمع الأصم . قوله إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ ؛ يعني إذا عرضوا عن الحق مكذبين ، وقال الزمخشري : إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ تأكيد لحال الأصم ؛ لأنه إذا تباعد عن الداعي بأن تولى عنه مدبرا كان أبعد عن إدراك صوته .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث