حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما أدي زكاته فليس بكنز

باب ما أدي زكاته فليس بكنز أي هذا باب في بيان أن المال الذي أدي زكاته فليس بكنز ، وقع هكذا عند أبي ذر ، ووقع عند أبي الحسن باب من أدى زكاته فليس بكنز ، قال ابن التين : معناه فليس بذي كنز . قلت : على هذا الوجه لا بد من تأويل ؛ لأن الخبر لا بد أن يكون من المشتقات ليصح الحمل على المبتدأ . لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ليس فيما دون خمسة أواق صدقة .

علل البخاري بهذا الحديث حيث ذكره بلام التعليل صحة ترجمته بقوله باب ما أدي زكاته فليس بكنز ؛ لأن شرط كون الكنز شيئان ، أحدهما : أن يكون نصابا ، والثاني : أن لا يخرج منه زكاته ، فإذا عدم النصاب لا يلزمه شيء فلا يكون كنزا ولا يدخل تحت قوله تعالى : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ فلا يستحق العذاب ، وإذا وَجد النصاب ولم يزك يكون كنزا فيدخل تحت الآية ويستحق العذاب ، وإذا وَجد النصاب وزَكى لا يكون كنزا فلا يستحق العذاب ، وهذا هو الترجمة . فإن قلت : كيف يطابق هذا التعليل الترجمة والترجمة فيما أدي زكاته فليس بكنز ، والحديث فيما إذا كان العين أقل من خمسة أواق ليست فيها صدقة أي زكاة ؟ وبهذا الوجه اعترض الإسماعيلي على هذه الترجمة - قلت : تكلف فيه بأن قيل : إن مراده أن ما دون خمسة أواق ليس بكنز لأنه لا صدقة فيه ، فإذا كانت خمسة أواق أو أكثر وأدى زكاتها فليست بكنز فلا يدخل تحت الوعيد ، وعن هذا قال ابن بطال : نزع البخاري بأن كل ما أدي زكاته فليس بكنز لإيجاب الله تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - في كل خمس أواق ربع عشرها ، فإذا كان ذلك فرض الله تعالى على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - فمعلوم أن الكنز هو المال وإن بلغ ألوفا إذا أديت زكاته فليس بكنز ولا يحرم على صاحبه اكتنازه ؛ لأنه لم يتوعد عليه ، وإنما الوعيد على ما لم تؤد زكاته . وقيل : أراد البخاري بهذه الترجمة حديثا رواه جابر مرفوعا : أيما مال أديت زكاته فليس بكنز .

لكنه ليس على شرطه فلم يخرجه ، انتهى . قلت : هذا مستبعد جدا ؛ لأنه كيف يترجم بشيء ثم يعلله بالحديث المذكور ويشير إلى حديث آخر ليس عنده بصحيح ، وهذا غير موجه ، ولو قال هذا القائل : أراد بهذه الترجمة حديثا روته أم سلمة مرفوعا ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز لكان له وجه ما ؛ لأن حديث أم سلمة رواه أبو داود من رواية ثابت بن عجلان عن عطاء عنها قالت : كنت ألبس أوضاحا من ذهب ، فقلت : يا رسول الله ، أكنز هو ؟ فقال : ما بلغ أن تؤدى زكاته فزكي فليس بكنز . وإسناده جيد ، ورجاله رجال البخاري .

وأخرجه الحاكم أيضا وصححه ، وقال : على شرط البخاري . وأما حديث جابر فأخرجه أحمد في مسنده بسند ضعيف ، وقال أبو زرعة في العلل لابن أبي حاتم : الصحيح أنه موقوف . وأخرجه الحاكم في المستدرك من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : إذا أديت زكاة مالك فقد أذهبت عنك شره .

وقال : هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه . ورواه البيهقي هكذا ، ثم رواه موقوفا على جابر وقال : هذا أصح . ويجيء الكلام في معنى قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : ليس فيما دون خمسة أواق صدقة في حديث أبي سعيد في هذا الباب .

وقال أحمد بن شبيب بن سعيد : حدثنا أبي ، عن يونس ، عن ابن شهاب ، عن خالد بن أسلم قال : خرجنا مع عبد الله بن عمر رضي الله عنهما ، فقال أعرابي : أخبرني قول الله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قال ابن عمر رضي الله عنهما : من كنزها فلم يؤد زكاتها فويل له ، إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة ، فلما أنزلت جعلها الله طهرا للأموال . مطابقة هذا التعليق للترجمة من حيث المفهوم ؛ لأن مفهوم قوله من كنزها فلم يؤد زكاتها إذا أدى زكاتها لا يستحق الوعيد ، فإذا لم يستحق الوعيد بسبب أدائه الزكاة يدخل في معنى الترجمة ، وهذا التعليق وصله أبو داود في الناسخ والمنسوخ عن محمد بن يحيى الذهلي عن أحمد بن شبيب بإسناده ، وأخرجه البيهقي فقال : أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ، حدثنا أبو محمد دعلج بن أحمد السختياني ببغداد ، حدثنا محمد بن علي بن زيد الصائغ ، حدثنا أحمد بن شبيب ، حدثنا أبي . إلى آخره بهذا الإسناد ، وفيه زيادة وهي قوله : ثم التفت إلي فقال : ما أبالي لو كان لي مثل أحد ذهبا أعلم عدده وأزكيه وأعمل فيه بطاعة الله تعالى .

( ذكر رجاله ) : وهم ستة ؛ الأول : أحمد بن شبيب - بفتح الشين المعجمة وكسر الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره باء أخرى - الحبطي - بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة وبالطاء المهملة - نسبة إلى الحبطات من بني تميم ، وهو الحارث بن عمرو بن تميم بن مرة ، والحارث هو الحبط ، وولده يقال لهم الحبطات ، روى عنه البخاري في مناقب عثمان رضي الله تعالى عنه وفي الاستقراض مفردا وفي غير موضع مقرونا إسناده بإسناد آخر ، قال ابن قانع : مات سنة تسع وعشرين ومائتين . وقال ابن عساكر : سنة تسع وثلاثين . الثاني : أبوه شبيب بن سعيد أبي سعيد الحبطي ، مات سنة ست وثمانين ومائتين .

الثالث : يونس بن يزيد الأيلي ، وقد مر غير مرة . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري . الخامس : خالد بن أسلم أخو زيد بن أسلم ، مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه .

السادس : عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التصدير بالقول من غير تحديث ، وفيه أحمد بن شبيب في رواية الأكثرين ، وفي رواية أبي ذر : حدثنا أحمد ، وفيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن أحمد وأباه بصريان ويونس أيلي مصري وابن شهاب وخالدا مدنيان ، وفيه أن أحمد من أفراده ، وفيه رواية الابن عن الأب ، وفيه رواية التابعي عن الصحابي ، وفيه أن خالدا من أفراده وقال الحميدي : ليس في الصحيح لخالد غير هذا . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في التفسير نحو ما أخرجه هنا ، وأخرجه النسائي في الزكاة عن عمرو بن سواد عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن عقيل عن الزهري نحوه .

( ذكر معناه ) : قوله ( من كنزها ) ، إفراد الضمير إما على تأويل الأموال أو أعاد الضمير إلى الفضة ؛ لأن الانتفاع بها أكثر ، أو لكثرة وجودها ، والحامل على ذلك رعاية لفظ القرآن . قوله ( فويل له ) ، الويل الحزن والهلاك والمشقة من العذاب ، والمعنى : فالعذاب لمن كنز الذهب والفضة ولم ينفقهما في سبيل الله ، وارتفاع ويل على الابتداء . قوله ( قبل أن تتنزل الزكاة ) ، واختلف في أول وقت فرض الزكاة ؛ فعند الأكثرين وقع بعد الهجرة فقيل : كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان .

وقال ابن الأثير : كان في السنة التاسعة ، ورد عليه لورود ذكرها في عدة أحاديث قبل ذلك وكذا مخاطبة أبي سفيان مع هرقل ، وكان يأمرنا بالصلاة والزكاة وكانت في أول السابعة . فإن قلت : يدل على ما ذهب إليه ابن الأثير ما وقع في قضية ثعلبة بن حاطب المطولة وفيها : لما أنزلت آية الصدقة بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عاملا فقال : ما هذه إلا جزية أو أخت الجزية ، والجزية إنما وجبت في التاسعة فتكون الزكاة في التاسعة - قلت : هذا حديث ضعيف لا يحتج به . فإن قلت : ادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة ، واحتج بما أخرجه من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها في قصة هجرتهم إلى الحبشة وفيها أن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النبي صلى الله عليه وسلم : ويأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قلت : أجيب بأن فيه نظرا ؛ لأن الصلوات خمس لم تكن فرضت بعد ولا صيام رمضان ، وأجاب بعضهم بأن مراجعة جعفر لم تكن في أول ما قدم على النجاشي ، وإنما أخبره بذلك بعد مدة قد وقع فيها ما ذكر من قضية الصلاة والصيام ، وبلغ ذلك جعفرا فقال : يأمرنا ؛ بمعنى يأمر أمته .

قلت : هذا بعيد جدا ، فإن أجيب بأنه ليس المراد من الصلاة الصلوات الخمس ولا من الزكاة الزكاة المفروضة ، ولا من الصيام صوم شهر رمضان ، بل المراد من الصلاة الصلاة التي كانوا يصلونها ركعتين قبل فرضية الخمس ، والمراد من الصوم مطلق الصوم ؛ لأنهم ربما كانوا يصومون اتباعا للشريعة التي كانت قبل ، والمراد من الزكاة الصدقة ، فلا بأس بهذا التأويل وذلك بعد أن يسلم حديث أم سلمة من قدح في إسناده ، فافهم . قوله ( طهرا للأموال ) ؛ أي في حق الفقراء ، وهي أوساخ الناس ، ولهذا لا تحل لبني هاشم كما ورد في حديث مسلم أن الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس ، فإذا أخرجت الزكاة يحصل الطهر للأموال ، وكذلك هي طهر لأصحابها عن رذائل الأخلاق والبخل .

ورد في أحاديث11 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث