حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما أدي زكاته فليس بكنز

حدثنا عياش قال : حدثنا عبد الأعلى قال : حدثنا الجريري ، عن أبي العلاء ، عن الأحنف بن قيس قال : جلست ( ح ) وحدثني إسحاق بن منصور قال : أخبرنا عبد الصمد قال : حدثني أبي ، قال : حدثنا الجريري قال : حدثنا أبو العلاء بن الشخير أن الأحنف بن قيس ، حدثهم قال : جلست إلي ملاء من قريش فجاء رجل خشن الشعر والثياب والهيئة ، حتى قام عليهم فسلم ، ثم قال : بشر الكانزين برضف يحمى عليه في نار جهنم ، ثم يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه ، يتزلزل ، ثم ولى فجلس إلى سارية ، وتبعته ، وجلست إليه ، وأنا لا أدري من هو ، فقلت له : لا أرى القوم إلا قد كرهوا الذي قلت ، قال : إنهم لا يعقلون شيئا ، قال لي خليلي ، قال : قلت : من خليلك ؟ قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا ذر ، أتبصر أحدا قال ، فنظرت إلى الشمس ما بقي من النهار ، وأنا أرى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرسلني في حاجة له ، قلت : نعم ، قال : ما أحب أن لي مثل أحد ذهبا أنفقه كله إلا ثلاثة دنانير ، وإن هؤلاء لا يعقلون ، إنما يجمعون الدنيا ، لا والله لا أسألهم دنيا ولا أستفتيهم ، عن دين حتى ألقى الله . مطابقته للترجمة من حيث إنه وعيد للكانزين الذين لا يؤدون الزكاة ، ويفهم منه الذي يؤديها لا يطلق عليه اسم الكانز المستحق للوعيد ، ولا الذي معه يسمى كنزا ؛ لأنه أدى زكاته ، فدخل تحت الترجمة من هذا الوجه ، فافهم . ( ذكر رجاله ) وهم ثمانية : الأول : عياش بتشديد الياء آخر الحروف ، وفي آخره شين معجمة ابن الوليد الرقام البصري مر في كتاب الغسل في باب الجنب يخرج .

الثاني : عبد الأعلى بن عبد الأعلى أبو محمد السامي بالسين المهملة . الثالث : سعيد ابن إياس الجريري ، بضم الجيم وفتح الراء الأولى ، مر في باب كم بين الأذان والإقامة . الرابع : أبو العلاء يزيد من الزيادة ابن عبد الله بن الشخير المعافري .

الخامس : الأحنف بفتح الهمزة وسكون الحاء المهملة وفتح النون ، وفي آخره فاء ، مر في باب وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا السادس إسحاق بن منصور بن بهرام الكوسج أبو يعقوب . السابع عبد الصمد بن عبد الوارث . الثامن أبوه عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري التميمي .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع ، وبصيغة الإفراد في موضعين . وفيه : الإخبار بصيغة الجمع في موضع . وفيه : العنعنة في موضعين .

وفيه : القول في ثلاثة مواضع . وفيه : في الإسناد الأول الجريري ، عن أبي العلاء . وفي الإسناد الثاني : الجريري حدثنا أبو العلاء ، وكذلك في الإسناد الأول : أبو العلاء ، عن الأحنف .

وفي الثاني : صرح أبو العلاء بالتحديث ، عن الأحنف . ( فإن قلت ) : روى أحمد في ( مسنده ) من حديث أبي العلاء ، عن أخيه مطرف ، عن أبي ذر طرفا من آخر هذا الحديث . ( قلت ) : ليس ذاك بعلة لحديث الأحنف ؛ لأن حديثه أتم سياقا ، وأكثر فوائد ، ولا مانع أن يكون لأبي العلاء شيخان في هذا الحديث .

وفيه : أن لفظ الأحنف لقب واسمه فيما ذكره المرزباني صخر قال : وهو الثبت ، ويقال : الضحاك ، ويقال : الحارث بن قيس ، ويقال : قيس ، وقال الحافظ في ( كتاب العرجان ) : كان أحنف من رجليه جميعا ، ولم يكن له إلا بيضة واحدة ، وضرب على رأسه بخراسان ، فماهت إحدى عينيه ، قال : وقال أبو الحسن : ولد مرتثقا ختار الاست حتى شق وعولج . وفي لطائف المعارف لأبي يوسف : كان أصلع متراكب الأسنان مائل الذقن . وفي تاريخ الميتجاني : كان دميما قصيرا كوسجا ، وقال الهيثم بن عدي في ( كتاب العوران ) : ذهبت عينه بسمرقند .

وفي ( الثقات ) لابن حبان : ذهبت أحد عينيه يوم الحرة . وفيه : أن الرواة كلهم بصريون . وفيه : أن ثلاثة من الرواة مذكورون بلا نسبة ، والآخر مذكور بالنسبة ، والآخر بالكنية ، والآخر باللقب .

وفيه : رواية الابن ، عن الأب . والحديث أخرجه مسلم في الزكاة أيضا ، عن زهير بن حرب ، وعن شيبان بن فروخ . ( ذكر معناه ) : قوله : جلست إلى ملأ أي : انتهى جلوسي إلى ملأ ، أي : جماعة ، وكلمة من في من قريش للبيان مع التبعيض ، قوله : خشن الشعر بفتح الخاء المعجمة وكسر الشين المعجمة من الخشونة ، هكذا هو في رواية الأكثرين .

وفي رواية القابسي : حسن الشعر بالمهملتين من الحسن ، والأول أصح ؛ لأنه هو اللائق بزي أبي ذر وطريقته ، وعند مسلم : أخشن الثياب أخشن الجسد أخشن الوجه بخاء معجمة وشين ، وعند ابن الحذاء في الآخر خاصة : حسن الوجه من الحسن ضد القبح . وفي رواية يعقوب بن سفيان من طريق حميد بن هلال ، عن الأحنف : قدمت المدينة فدخلت مسجدها إذ دخل رجل آدم طوال ، أبيض الرأس واللحية ، يشبه بعضه بعضا ، فقالوا : هذا أبو ذر ، قوله : حتى قام ، أي : حتى وقف ، قوله : بشر الكانزين بالنون والزاي من كنز يكنز . وفي رواية الإسماعيلي : بشر الكنازين بتشديد النون جمع كناز مبالغة كانز ، وقال ابن قرقول : وعند الطبري والهروي : الكاثرين ، بالثاء المثلثة والراء من الكثرة ، والمعروف هو الأول ، وقوله : بشر من باب التهكم كما في قوله تعالى : ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ وقال عياض : الصحيح أن إنكار أبي ذر كان على السلاطين الذين يأخذون المال من بيته لأنفسهم ، ولا ينفقونه في وجهه ، وقال النووي : هذا الذي قاله عياض باطل ؛ لأن السلاطين في زمنه لم تكن هذه صفتهم ، ولم يخونوا في بيت المال إنما كان في زمنه أبو بكر وعمر وعثمان - رضي الله تعالى عنهم ، وتوفي في زمن عثمان سنة ثنتين وثلاثين ، قوله : برضف بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة وفي آخره فاء ، وهي الحجارة المحماة ، واحدها : رضفة ، قوله : في نار جهنم في جهنم مذهبان لأهل العربية : أحدهما : أنه اسم أعجمي ، فلا ينصرف للعجمية والعلمية ، قال الواحدي : قال يونس : وأكثر النحويين هي عجمية لا تنصرف للتعريف والعجمة ، والآخر : أنه اسم عربي سميت به لبعد قعرها جدا ، ولم ينصرف للعلمية والتأنيث قال قطرب ، عن رؤبة يقال : بئر جهنام ، أي : بعيدة القعر ، وقال الواحدي : قال بعض أهل اللغة : هي مشتقة من الجهومة ، وهي الغلظ ، يقال : جهم الوجه ، أي : غليظه ، فسميت جهنم لغلظ أمرها في العذاب ، قوله : على حلمة ثدي أحدهم الحلمة : بفتح الحاء المهملة واللام هو ما نشز من الثدي وطال ، ويقال : لها قراد الصدر .

وفي ( المحكم ) حلمتا الثديين طرفاهما ، وعن الأصمعي هو رأس الثدي من المرأة والرجل . وفي هذا الحديث جواز استعمال الثدي للرجال ، وهو الصحيح ، وقال العسكري في ( الفصيح ) : لا يقال ثدي إلا في المرأة ، ويقال في الرجل تندوة ، والثدي يذكر ويؤنث ، قوله : من نغض كتفه بضم النون وسكون الغين المعجمة . وفي آخره ضاد معجمة ، وهو العظم الرقيق الذي على طرف الكتف .

وقيل : هو أعلى الكتف ، ويقال : له أيضا الناغض . وفي المخصص : النغض : تحرك الغضروف ، نغضت كتفه نغوضا ونغاضا ونغضانا ، ويقال : طعنه في نغض كتفه ومرجع كتفه ، وهو حيث يتحرك الغضروف مما يلي إبطه في كتفه ، وقال الأصمعي : قرع الكتف ما تحرك منها وعلا ، والجمع فروع ، ونغضها حيث يجيء فرعها ، ويذهب ، وقال أبو عبيدة : هو أعلى منقطع الغضروف من الكتف . وقيل : النغضان اللتان ينغضان من أسفل الكتف فيتحركان إذا مشى ، وقال شمر : هو من الإنسان أصل العنق حيث ينغض رأسه ونغض الكتف هو العظم الرقيق على طرفها ، وقال الخطابي : نغض الكتف الشاخص من الكتف سمي به ؛ لأنه يتحرك من الإنسان في مشيه ، قوله : يتزلزل أي : يتحرك ويضطرب الرضف ، من نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه .

وفي رواية الإسماعيلي : فيتجلجل بجيمين ، وهو بمعنى الأول . وفي بعض النسخ : حتى يخرج من حلمة ثدييه بالتثنية في الثاني ، والإفراد في الأول ، قوله : ثم ولى ، أي : أدبر ، قوله : سارية وهي الأسطوانة . وفي رواية الإسماعيلي فوضع القوم رؤوسهم فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا ، قال : فأدبر فاتبعته حتى جلس إلى سارية قوله : وأنا لا أدري من هو .

وفي رواية مسلم زيادة من طريق خليد العصري ، عن الأحنف ، وهي : فقلت : من هذا ، قالوا : هذا أبو ذر ، فقمت إليه ، فقلت : ما شيء سمعتك تقوله ، قال : ما قلت إلا شيئا سمعته من نبيهم - عليه الصلاة والسلام ، وفي هذه الزيادة رد لقول من يقول إنه موقوف على أبي ذر ، فلا يكون حجة على غيره . وفي مسند أحمد من طريق يزيد الباهلي : عن الأحنف كنت بالمدينة ، فإذا أنا برجل يفر منه الناس حين يرونه . قلت : من أنت ؟ قال : أبو ذر .

قلت : ما نفر الناس منك ؟ قال : إني أنهاهم عن الكنوز التي كان ينهاهم عنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم . قوله ( قلت ) بفتح التاء خطاب لأبي ذر ، قوله : قال ، أي : أبو ذر إنهم لا يعقلون شيئا فسر ذلك في الأخير بقوله : إنما يجمعون الدنيا ، فالذين يجمعون الدنيا لا يفهمون كلام من ينهاهم عن الكنوز ، قوله : قال لي خليلي أراد به النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث بينه بقوله : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ، أي : قال أبو ذر خليلي هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وفاعل قال هو أبو ذر ، وقوله : النبي خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو النبي - صلى الله عليه وسلم - قوله : يا أبا ذر تقديره : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا أبا ذر ، وعن هذا قال ابن بطال : سقط كلمة من الكتاب ، وهي : فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : يا أبا ذر ، أتبصر أحدا هو الجبل المعروف ، وقال الكرماني : لفظ يا أبا ذر يتعلق بقوله : قال لي خليلي . ( قلت ) : فعلى قوله لا يحتاج إلى تقدير قوله ما بقي من النهار ، أي : أي شيء بقي من النهار ، قوله : وأنا أرى ، أي : أظن قوله ( قلت نعم ) جواب لقوله : أتبصر أحدا قوله مثل أحد إما خبر ؛ لأن وإما حال مقدم على الخبر ، وانتصاب ذهبا على التمييز ، قوله أنفقه كله ، أي : كل مثل أحد ذهبا ، وقال الكرماني ( فإن قلت ) : الإنفاق في سبيل الله يستحسن ، فلم ما أحبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ؟ ( قلت ) : المراد أنفقه لخاصة نفسه ، أو المراد أنفقه في سبيل الله وعدم المحبة ، إنما هو للاستثناء الذي فيه ، أي : ما أحب إلا إنفاق الكل ، قوله إلا ثلاثة دنانير قال القرطبي : الدنانير الثلاثة المؤخرة واحد لأهله وآخر لعتق رقبة وآخر لدين ، وقال الكرماني : يحتمل أن هذا المقدار كان دينا أو مقدار كفاية إخراجات تلك الليلة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ، قوله : وإن هؤلاء لا يعقلون عطف على إنهم لا يعقلون شيئا ، وليس من تتمة كلام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل هو من كلام أبي ذر ، وكرر للتأكيد ولربط ما بعده عليه ، قوله : إنما يجمعون الدنيا قد قلنا : إن هذا بيان لقوله إنهم لا يعقلون شيئا قوله لا أسألهم دنيا ، أي : لا أطمع في دنياهم .

وفي رواية الإسماعيلي : ( قلت مالك لإخوانك من قريش لا تعتريهم ، ولا تصيب منهم ، قال : وربك لا أسألهم دنيا إلى آخره . وفي رواية مسلم لا أسألهم عن دنيا قال النووي : الأجود حذف عن كما في رواية للبخاري ثم قال لا أسألهم شيئا من متاعها قوله لا تعتريهم ، أي : تأتيهم وتطلب منهم ، قوله : ولا استفتيهم عن دين ، أي : لا أسألهم عن أحكام الدين ، أي : أقنع بالبلغة من الدنيا ، وأرضى باليسير مما سمعت من العلم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه زهد أبي ذر - رضي الله تعالى عنه - ، وكان من مذهبه أنه يحرم على الإنسان ادخار ما زاد على حاجته .

وفيه : أن أبا ذر ذهب إلى ما يقتضيه ظاهر لفظ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إذ الكنز في اللغة : المال المدفون . سواء أديت زكاته أم لا . وفي قوله إنما يجمعون الدنيا دليل على أن الكنز عنده جمع المال .

وفيه وعيد شديد لمن لا يؤدي زكاته . وفيه : تكنية الشارع لأصحابه ، والذر جمع ذرة ، وهي النملة الصغيرة ، وذكر أن أبا ذر لما أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم انصرف إلى قومه فأتاه بعد مدة فتوهم اسمه ، فقال : أنت أبو نملة ؟ قال أبو ذر : يا رسول الله ، بل أبو ذر ، وقد ذكرنا أن اسمه جندب بن جنادة . وفيه : في قوله أتبصر أحدا إلى آخره مثل لتعجيل الزكاة ، يقول : ما أحب أن أحبس ما أوجبه الله بقدر ما بقي من النهار .

وفيه : ما يشعر أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يرسل أفاضل أصحابه في حاجته يفضلهم بذلك ؛ لأنه يصير رسول رسول الله - صلى الله عليه وسلم . وفيه : ما يشهد لما قال سحنون ترك الدنيا زهدا أفضل من كسبها من الحلال وإنفاقها في سبيل الله . وفيه : نفي العقل عن العقلاء .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث