حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الرياء في الصدقة

( باب الرياء في الصدقة )

لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى إلى قوله الْكَافِرِينَ علل الرياء في الصدقة بقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلى آخره ، فإن الله تعالى شبه الذي يبطل صدقته بالمن والأذى بالذي ينفق ماله رئاء الناس ، ولا شك أن الذي يرائي في صدقته أسوء حالا من المتصدق بالمن ؛ لأنه قد علم أن المشبه به يكون أقوى حالا من المشبه ، ولهذا قال في حق المرائي : ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ، ثم ضرب مثل ذلك المرائي بإنفاقه ، بقوله : فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ إلى آخره ، ثم إن صدر الآية خطاب للمؤمنين ، خاطبهم بقوله : لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ أي : ثواب صدقاتكم وأجور نفقاتكم .

وفي صحيح مسلم من حديث أبي ذر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ، ولا ينظر إليهم ، ولا يزكيهم ج٨ / ص٢٦٧ولهم عذاب أليم : المنان بما أعطى ، والمسبل إزاره ، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب " . ولما خاطبهم بهذا الخطاب ونهاهم عن إبطال صدقاتهم بالمن والأذى شبه إبطالهم بإطال المنافق الذي ينفق ماله رئاء الناس ، لا يريد بإنفاقه رضى الله تعالى عنه ، ولا ثواب الآخرة ، ثم مثل ذلك بصفوان ، وهو الحجر الأملس عليه تراب ، فَأَصَابَهُ وَابِلٌ أي : مطر شديد عظيم القدر ، فَتَرَكَهُ صَلْدًا وهو الأملس الذي لا ينبت عليه شيء ، ثم قال : لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا أي : لا يجدون يوم القيامة ثواب شيء مما عملوا كما لا يحصل النبات من الأرض الصلدة أو من التراب الذي على الصفوان ، ثم قال : وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ أي : لا يخلق لهم الهداية ، ولا يهديهم غدا لطريق الجنة ، شبه الكافر بالصفوان وعمله بالتراب . وقال ابن عباس : رضي الله عنهما : صلدا ليس عليه شيء .

وقال عكرمة : وابل مطر شديد ، والطل الندى .

لما كان لفظ الوابل علق تفسيره ، عن عكرمة مولى ابن عباس ، ووصله عبد بن حميد في تفسيره حدثنا روح ، عن عثمان بن غياث ، سمعت عكرمة يقول : أصابها وابل : مطر شديد ، والطل : الندى بفتح النون ، وليس في الآية إلا ذكر الصفوان ، والوابل قال الطبري : الصفوان واحد ، وجمع ، فمن جعله جمعا قال : واحدته صفوانة ، بمنزلة تمرة وتمر ونخل ونخلة ، ومن جعله واحدا جمعه على صفوان وصفى وصفى . وفي ( المحكم ) الصفاة الحجر الصلد الضخم الذي لا ينبت شيئا ، وجمع الصفاة صفوات وصفى ، وجمع الجمع : أصفاء وصفى ، قال :

كأن منبته من الصفى مواقع الطير على الصفى
كذا أنشده دريد ؛ لأن بعده :
من طول إشرافي على الطرى
وحكمنا أن أصفاء وصفيا جمع صفى ، لا جمع صفاة ؛ لأن فعلة لا يكسر على فعول إنما ذلك لفعلة كبدرة وبدور ، وكذلك أصفاء جمع صفا لا جمع صفاة ؛ لأن فعلة لا تجمع على أفعال ، وهو الصفواء كالصخراء ، واحدتها صفاة ، وكذلك الصفوان واحدته صفوانة . وفي الجمهرة : الصفا من الحجارة مقصور ، ويثنى صفوان ، والصفواء صخرة ، وهي الصفوانة أيضا .

وفي الجامع ، عن قطرب : صفوان بكسر الصاد ، وقرأ سعيد بن المسيب " صفوان " بتحريك الفاء ، قاله الزمخشري .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث