باب الصدقة من كسب طيب
- حدثنا عبد الله بن منير ، سمع أبا النضر قال : حدثنا عبد الرحمن هو ابن عبد الله بن دينار ، عن أبيه ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم : من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ، ولا يقبل الله إلا الطيب ، وإن الله يتقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه ، حتى تكون مثل الجبل . مطابقته للترجمة في قوله : من كسب طيب . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : عبد الله بن منير بضم الميم وكسر النون ، مر في باب الغسل والوضوء في المخضب .
الثاني : أبو النضر بفتح النون وسكون الضاد المعجمة ، اسمه سالم بن أبي أمية ، مولى عمر بن عبيد الله بن معمر القريشي التيمي . الثالث : عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار مولى عبد الله بن عمر ، مر في باب المسح على الخفين . الرابع : أبوه عبد الله بن دينار .
الخامس : أبو صالح ذكوان الزيات السمان . السادس : أبو هريرة - رضي الله عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه أن رواته كلهم مدنيون ، وفيه رواية الابن ، عن الأب ، وفيه اثنان مذكوران بالكنية ، وفيه رواية التابعي ، عن التابعي ، عن الصحابي .
( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الزكاة أيضا ، عن أحمد بن عثمان بن حكيم ، عن خالد بن مخلد به . ( ذكر معناه ) : قوله : بعدل تمرة بكسر العين هو ما عادل الشيء من غير جنسه ، وبالفتح : ما عادله من جنسه ، تقول : عندي عدل دراهمك من الثياب ، وعدل دراهمك من الدراهم ، وقال البصريون : العدل والعدل لغتان ، وقال الخطابي : بعدل تمرة ، أي : قيمة تمرة ، يقال : هذا عدله بفتح العين ، أي مثله في القيمة ، وبكسرها ، أي : مثله في المنظر ، وزعم ابن قتيبة أن العدل بالفتح المثل ، واحتج بقوله تعالى : أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا والعدل بالكسر القيمة ، وزعم ابن التين أنه على هذا جماعة من أهل اللغة ، وفي المحكم : العدل والعديل ، والعدل النظير والمثل . وقيل : هو المثل وليس بالنظير عينه ، والجمع أعدال وعدلاء .
وقيل : ضبط هاهنا بالفتح عند الأكثرين ، قوله : من كسب طيب ، أي : حلال ، وهي صفة مميزة لعدل تمرة ليمتاز الكسب الخبيث الحرام ، قوله : ولا يقبل الله إلا الطيب جملة معترضة واردة على سبيل الحصر بين الشرط والجزاء تأكيدا وتقريرا للمطلوب في النفقة . وفي رواية سليمان بن بلال الآتي ذكرها ولا يصعد إلى الله إلا الطيب وزاد سهيل في روايته الآتي ذكرها فيضعها في حقها قوله : بيمينه قال الخطابي : جرى ذكر اليمين ليدل به على حسن القبول ؛ لأن في عرف الناس أن أيمانهم مرصدة لما عز من الأمور . وقيل : المراد سرعة القبول ، وقال الطيبي : ولما قيد الكسب بالطيب أتبعه اليمين لمناسبة بينهما في الشرف ، ومن ثمة كانت يده اليمنى - صلى الله عليه وسلم - للطهور .
وفي رواية سهيل : إلا أخذها بيمينه . وفي رواية مسلم بن أبي مريم الآتي ذكرها : فيقبضها . وفي حديث عائشة عند البزار : فيتلقاها الرحمن بيده ، ويقال : لما كانت الشمال عادة تنقص عن اليمين بطشا وقوة ، عرفنا الشارع بقوله : وكلتا يديه يمين ، فانتفى النقص تعالى عنه ، والجارحة على الرب محال ، قوله : فلوه بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو ، وهو المهر ؛ لأنه يعلى ، أي : يعظم ، والأنثى : فلوة ، مثال عدوة ، والجمع : أفلاء مثل أعداء ، وقال الداودي : يقال للمهر فلو ، وللجحش ولد الحمار فلوة بكسر الفاء ، وقال الجوهري ، عن أبي زيد : إذا فتحت الفاء شددت الواو ، وإذا كسرت خففت ، فقلت : فلو مثل جرو .
وفي المخصص إذا بلغ سنة ، يعني : ولد الجحش ، فهو فلو ، وعن سيبويه ، والجمع أفلاء ، ولم يكسر على فعل كراهية الإخلال ، ولا كسروه على فعلان كراهية الكسرة قبل الواو ، وإن كان بينهما حاجز ؛ لأن الساكن ليس بحاجز حصين ، وعن الأعرابي : الفلو كالتلو ، وخص أبو عبيد به فلو الأتان ، والجمع كالجمع إلا أنه لا يحوج إلى الاعتذار من فعلان ، وقد فلى مهره إذا فصله من أمه وأفلاه ، وعن ابن السكيت : فلوته عن أمه وافتليته : فصلته عنها ، وعن ابن دريد : فلوت المهر : نحيته ، وعن أبي عبيد : فلوت المهر عن أمه فهو فلو ، وفرس مفل ومفلية ذات فلو . وفي المحكم : فلوت الصبي والمهر والجحش فلوا . وفي الجامع زاد القزاز : الجمع أفلاء وفلاء ، وقول العامة فلو خطأ ، وجمع الفلوة فلاوى مثل خطايا .
وفي المنتخب : لكراع يصف أولاد الخيل ، ولا يقع عليه اسم الفلو حتى يفتلى من أمه ، أي : يفطم ثم هو فلو حتى يحول عليه الحول ثم هو حولي حتى يتجاذع . وفي المغيث لأبي موسى ، والجمع فلو بضم الفاء . وفي كتاب الفرق لأبي حاتم السجستاني قالوا في ولد الخيل العراب والبراذين للذكران مهر وللأنثى مهرة ، فإذا كانت له سبعة أشهر أو ثمانية يقال له الخروف ، والجمع خرف ، فإذا كانت له سنة ، فهو فلو والأنثى فلوة ، ولا يقال فلو ، ولا فلوة كما يقول من لا يعلم من العوام ، وقد أولعوا بذلك .
وفي كتاب الوحوش : يقال لولد الحمار مهر وتولب وتالب ، وهي المهار والفلاء ، قال : وحمر الوحوش على هذه الصفة ، وقوله : كما يربي أحدكم فلوه ضرب المثل ؛ لأنه يزيد زيادة بينة فكذلك الصدقة نتاج العمل ، فإذا كانت من حلال لا يزال نظر الله إليها حتى تنتهي بالتضعيف إلى أن تصير التمرة كالجبل ، وهو معنى قوله : حتى تكون مثل الجبل قال الداودي : أي كمن تصدق بمثل الجبل وتربية الصدقات مضاعفة الأجر عليها وإن أريد به الزيادة في كمية عينها ، ليكون أثقل في الميزان لم ينكر ذلك . وفي رواية مسلم رحمه الله تعالى من طريق سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - : حتى تكون أعظم من الجبل . وفي رواية ابن جرير من وجه آخر ، عن القاسم : حتى يوافي بها يوم القيامة ، وهي أعظم من أحد .
وفي رواية القاسم عند الترمذي بلفظ : حتى إن اللقمة لتصير مثل أحد . ( تابعه سليمان عن ابن دينار ) أي تابع عبد الرحمن سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - هذه المتابعة ذكرها البخاري في التوحيد ، وقال : خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، عن عبد الله بن دينار فساق مثله ، إلا أن فيه مخالفة في اللفظ يسيرة ، وقد وصله أبو عوانة والجوزقي من طريق محمد بن معاذ بن يوسف ، عن خالد بن مخلد بهذا الإسناد ، وقال مسلم : حدثنا يزيد يعني : ابن زريع قال : حدثنا روح بن القاسم وحدثنيه أحمد بن عثمان الأودي قال : حدثنا خالد بن مخلد قال : حدثني سليمان يعني : ابن بلال كلاهما ، عن سهيل بهذا الإسناد من حديث روح من الكسب الطيب فيضعها في حقها ، وفي حديث سليمان : فيضعها في موضعها . ( وقال ورقاء ، عن ابن دينار ، عن سعيد بن يسار ، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ) .
أي قال ورقاء بن عمر بن كليب اليشكري ، عن عبد الله بن دينار ، عن سعيد بن يسار بفتح الياء آخر الحروف والسين المهملة ، وورقاء هذا قد خالف سليمان ، حيث جعل شيخ ابن دينار فيه سعيد بن يسار بدل أبي صالح ، وقال الداودي : هذا وهم لتوارد الرواة ، عن أبي صالح دون سعيد بن يسار . وفيه نظر ؛ لأنه محفوظ ، عن سعيد بن يسار من وجه آخر كما أخرجه مسلم قال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا ليث ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن يسار أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما تصدق أحد بصدقة من طيب - ولا يقبل الله إلا الطيب - إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة فتربوا في كف الرحمن ، حتى تكون أعظم من الجبل كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله وأخرجه الترمذي أيضا ، عن قتيبة إلى آخره نحوه ، ورواه النسائي أيضا ، عن قتيبة ، ورواه ابن ماجه ، عن عيسى بن حماد ، عن الليث ، وقال بعضهم : ولم أقف على رواية ورقاء هذه موصولة . ( قلت ) : قد وصلها البيهقي في سننه من رواية أبي النضر هاشم بن القاسم ، حدثنا ورقاء ، وقال : شيخنا زين الدين ، ورويناه أيضا في الجزء الرابع من فوائد أبي بكر الشافعي ، قال : حدثنا محمد ، يعني : ابن غالب ، حدثنا عبد الصمد ، حدثنا ورقاء .
( ورواه مسلم بن أبي مريم ، وزيد بن أسلم وسهيل ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ) . أي روى الحديث المذكور مسلم بن أبي مريم السلمي المدني ، ووصل يوسف بن يعقوب القاضي في كتاب الزكاة رواية مسلم هذه ، قال : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، حدثنا سعيد بن سلمة هو ابن أبي الحسام عنه به ، قوله : وزيد بن أسلم عطف على مسلم ، ووصل روايته مسلم ، وقال : حدثنا أبو الطاهر ، وقال : أخبرنا عبد الله بن وهب ، قال : أخبرني هشام بن سعيد ، عن زيد بن أسلم ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحو حديث يعقوب ، عن سهيل ، ونذكره الآن ، قوله : وسهيل عطف على زيد بن أسلم ، ووصل روايته أيضا مسلم ، وقال : حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا يعقوب يعني : ابن عبد الرحمن القاري ، عن سهيل ، عن أبيه ، عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب إلا أخذها الله بيمينه يربيها كما يربي أحدكم فلوه ، أو قلوصه حتى تكون مثل الجبل أو أعظم ، وقال الكرماني : ( فإن قلت ) : لم قال أولا تابعه ، وثانيا قال ورقاء ، وثالثا قال رواه مع أن الثالث أيضا فيه متابعة ؛ لأن الثلاثة تابعوا ابن دينار في الرواية ، عن أبي صالح . ( قلت ) : الأول : متابعة ؛ لأن اللفظ فيه بعينه لفظه ، والثالث رواية لا متابعة لاختلاف اللفظ وإن اتحد المعنى فيهما ، والثاني لما لم يكن على سبيل النقل والرواية ، بل على سبيل المذاكرة ، قال بلفظ القول .