حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى

حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا هشام ، عن أبيه ، عن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غنى ، ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله . مطابقته للترجمة في قوله وخير الصدقة عن ظهر غنى ورجاله قد ذكروا غير مرة ووهيب مصغر وهب بن خالد ، وهشام هو ابن عروة بن الزبير ، وحكيم بفتح الحاء المهملة بن حزام بكسر الحاء المهملة وتخفيف الزاي الأسدي المكي ولد في باطن الكعبة عاش في الجاهلية ستين . وفي الإسلام أيضا ستين ، وأعتق مائة رقبة ، وحمل على مائة بعير في الجاهلية ، وحج في الإسلام ومعه مائة بدنة ، ووقف بعرفة بمائة رقبة في أعناقهم أطواق الفضة منقوش فيها عتقاء الله ، عن حكيم بن حزام ، وأهدى ألف شاة ، ومات بالمدينة سنة ستين أو أربع وخمسين .

( ذكر معناه ) قوله : اليد العليا خير من اليد السفلى ، وقد فسر العليا والسفلى في حديث ابن عمر على ما يأتي ، عن قريب إن شاء الله تعالى أن اليد العليا هي المنفقة والسفلى هي السائلة ، وكذا في رواية مسلم من حديث مالك بن أنس ، عن نافع ، عن عبد الله بن عمر ، وذكر ابن العربي فيه أقوالا : الأول : أن العليا يد المعطي للصدقة . والثاني : هي يد الآخذ ، والثالث : هي اليد المتعففة . والرابع : أن العليا يد الله ، ويليها يد المعطي ، ويد السائل هي السفلى ، وقال : عياض : قيل : العليا الآخذة والسفلى المانعة .

وقيل : اليد هنا النعمة ، فكان المعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة ، وهذا حث على المكارم بأوجز لفظ ، وروى الطبراني من حديث عطية السعدي . وفيه : إن اليد المعطية هي العليا ، وإن السائلة هي السفلى ، ورواه أحمد والبزار بلفظ : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اليد المعطية خير من اليد السفلى ، وروى الطبراني من حديث عدي الجذامي وفي حديثه : يا أيها الناس تعلموا فإنما الأيدي ثلاثة ، فيد الله العليا ، ويد المعطي الوسطى ، ويد المعطى السفلى ، فتعففوا ولو بحزم الحطب ، ألا هل بلغت . وروى أحمد والطبراني أيضا من حديث أبي رمثة بلفظ : يد المعطي العليا ، وروى علي بن عاصم ، عن إبراهيم الهجري ، عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - : الأيدي ثلاثة يد الله العليا ، ويد المعطي التي تليها ، ويد السائل أسفل إلى يوم القيامة .

قال البيهقي : تابع عليا إبراهيم بن طهمان ، عن الهجري على رفعه ، ورواه جعفر بن عون ، عن الهجري فوقفه ، وقال الحاكم : حديث محفوظ مشهور وخرجه ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله تعالى : الصواب أن العليا هي المعطية كما تشهد بذلك الأحاديث الصحيحة ، وقال الخطابي : وقد يتوهم كثير من الناس أن معنى العليا هو أن يد المعطي المستعلية فوق يد الآخذ يجعلونه من علو الشيء إلى فوق ، قال : وليس ذلك عندي بالوجه ، وإنما هو من علاء المجد والكرم يريه به الترفع ، عن المساءلة والتعفف عنها ، وقال ابن الجوزي : لا يمتنع أن يحمل على ما أنكره الخطابي ؛ لأنه إذا حملت العليا على المتعففة لم يكن للمنفق ذكر ، وقد صحت لفظة المنفقة ، فكان المراد أن هذه اليد التي علت وقت العطاء على يد السائل هي العالية في باب الفضل ، قوله : وابدأ بمن تعول قد مر تفسيره عن قريب . وروى النسائي من طريق طارق المحاربي ولفظه : قدمنا المدينة ، فإذا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - قائم على المنبر يخطب الناس ، وهو يقول : يد المعطي العليا وابدأ بمن تعول أمك وأباك وأختك وأخاك ثم أدناك أدناك ، وروى النسائي من حديث ابن عجلان ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - : تصدقوا ، فقال رجل : يا رسول الله عندي دينا ، فقال : تصدق به على نفسك ، قال : عندي آخر ، قال : تصدق به على زوجتك ، قال : عندي آخر ؟ قال : تصدق به على ولدك ، قال : عندي آخر ؟ قال : تصدق به على خادمك ، قال : عندي آخر ؟ قال : أنت أبصر . ورواه ابن حبان في صحيحه هكذا ، وقد رواه أبو داود والحاكم وصححه بتقديم الولد على الزوجة .

قال الخطابي : إذا تأملت هذا الترتيب علمت أنه صلى الله عليه وسلم قدم الأولى فالأولى ، والأقرب فالأقرب ، وهو يأمره أن يبدأ بنفسه ثم بولده ؛ لأن الولد كبعضه ، فإذا ضيعه هلك ، ولم يجد من ينوب عنه في الإنفاق عليه ثم ثلث بالزوجة وأخرجها ، عن درجة الولد ؛ لأنه إذا لم يجد ما ينفق عليها فرق بينهما ، وكان لها ما يمونها من زوج أو ذي محرم تجب نفقتها عليه ثم ذكر الخادم ؛ لأنه يباع عليه إذا عجز ، عن نفقته ، انتهى كلام الخطابي ، وقال شيخنا زين الدين : وقد اقتضى اختياره تقديم الولد ، وهو احتمال للإمام ووجه في الولد الطفل ، والذي أطبق عليه الأصحاب كما قال النووي في الروضة : تقديم الزوجة ؛ لأن نفقتها آكد ؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان ، ولا بالإعسار ، ولأنها وجبت عوضا واعترض الإمام بأن نفقتها إذا كانت كذلك كانت كالديون ، ونفقة القريب في مال المفلس مقدمة على الديون ، وخرج لذلك احتمالا في تقديم القريب ، وأيده بالحديث الذي فيه تقديم الولد ، وإذ قد اختلفت الروايتان وكلاهما من رواية ابن عجلان ، عن المقبري ، عن أبي هريرة فيصار إلى الترجيح ، وقد اختلف على حماد بن زيد فقدم السفيانان وأبو عاصم النبيل وروح بن القاسم ، عن حماد ذكر الولد على الزوجة ، وهي رواية الشافعي في المسند وأبي داود والحاكم في المستدرك وصححه وقدم الليث ، ويحيى القطان ، عن حماد الزوجة على الولد ، وهي رواية النسائي ، وعند ابن حبان والبيهقي ذكر الروايتين معا ، وهذا يقتضي ترجيح رواية تقديم الولد على الزوجة كما قاله الخطابي ، وخرجه الإمام احتمالا . ( قلت ) : كيف طاب للنووي تقديم الزوجة على الولد والولد بضعة من الأب والزوجة أجنبية ، ثم يعلل ما قاله بقوله : لأن نفقتها آكد ؛ لأنها لا تسقط بمضي الزمان ، ولا بالإعسار ، وهذا أيضا عجيب منه ؛ لأن نفقتها صلة في نفس الأمر ، وهي على شرف السقوط ونفقة الولد حتم لا تسقط بشيء ، قوله ومن يستعفف من الاستعفاف وهو طلب العفة ، وهي الكف ، عن الحرام والسؤال من الناس . وقيل : الاستعفاف الصبر والنزاهة عن الشيء ، قوله : يعفه الله بضم الياء من الإعفاف ، ومعناه : يصيره عفيفا ، قوله ومن يستغن يغنه الله شرط وجزاء ، وعلامة الجزم حذف الياء ، أي : من يطلب الغنى من الله يعطه .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث