باب قول الله تعالى فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى
( باب قول الله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى ذكر هذه الآية الكريمة هنا إشارة إلى الترغيب في الإنفاق في وجوه البر ؛ لأن الله تعالى يعطيه الخلف في العاجل والثواب الجزيل في الآجل وإشارة إلى التهديد لمن يبخل ، ويمتنع من الإنفاق في القربات . وفي تفسير الطبري ، عن ابن عباس في قوله تعالى : فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى قال : أعطى مما عنده ، وصدق بالخلف من الله تعالى واتقى ربه ، وقال قتادة : أعطى حق الله تعالى ، واتقى محارمه التي نهى عنها ، وقال الضحاك : زكى واتقى الله تعالى ، قوله : " وصدق بالحسنى " يعني : قال : لا إله إلا الله ، قاله الضحاك وأبو عبد الرحمن وابن عباس ، وعن مجاهد : وصدق بالحسنى بالجنة ، وقال قتادة : صدق بموعود الله تعالى على نفسه ، فعمل بذلك الموعود الذي وعده ، وذكر الطبري أيضا أن هذه الآية نزلت في أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه . وفي المعاني للفراء : نزلت في أبي بكر وفي أبي سفيان ، وقال أبو الليث السمرقندي في تفسيره بإسناده ، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - أن أبا بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - اشترى بلالا من أمية بن خلف وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق ذهب فأعتقه لله تعالى ، فأنزل الله هذه السورة وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى يعني : سعي أبي بكر وأمية بن خلف ، فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى المال واتقى الشرك وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى يعني : بلا إله إلا الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى يعني : الجنة ، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ بالمال وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى يعني : بلا إله إلا الله فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى يعني : سنهون عليه أمور النار يعني : أمية وأبيا إذا ماتا .
وقيل : فأما من أعطى يعني : أبا الدحداح أعطى من فضل ماله . وقيل : الصدق من قلبه . وقيل : حق الله واتقى محارم الله التي نهى عنها وصدق بالحسنى ، أي : بالجنة .
وقيل : بوعد الله . وقيل : بالصلاة والزكاة والصوم ، قوله : " واستغنى " يعني : عن ثواب الله تعالى فلم يرغب فيه . وقيل : استغنى بماله ، قوله : " فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى " يعني : العمل بما لا يرضى الله به .
وقيل : سندخله جهنم . وقيل : للعود إلى البخل . ( اللهم أعط منفق مال خلفا ) .
45 - حدثنا إسماعيل قال : حدثني أخي ، عن سليمان ، عن معاوية بن أبي مزرد ، عن أبي الحباب ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان ، فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ، ويقول الآخر : اللهم أعط ممسكا تلفا . مطابقته لقوله " اللهم أعط منفق مال خلفا " ظاهرة ؛ لأنه بينه . ( ذكر رجاله ) وهم ستة : الأول : إسماعيل بن أبي أويس .
الثاني : أخوه ، وهو أبو بكر ، واسمه عبد الحميد . الثالث : سليمان بن بلال . الرابع : معاوية بن أبي مزرد بضم الميم وفتح ج٨ / ص٣٠٧الزاي وكسر الراء .
وفي آخره دال مهملة واسمه عبد الرحمن . الخامس : أبو الحباب بضم الحاء المهملة وتخفيف الباء الموحدة الأولى ، واسمه سعيد بن يسار ، ضد اليمين ، عم معاوية المذكور . السادس : أبو هريرة - رضي الله عنه .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضع ، وبصيغة الإفراد في موضع . وفيه : العنعنة في أربعة مواضع . وفيه : أن رواته كلهم مدنيون .
وفيه : رواية الرجل ، عن أخيه . وفيه : رواية الرجل عن عمه . ( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم في الزكاة ، عن القاسم بن زكريا ، وأخرجه النسائي في عشرة النساء ، عن محمد بن نصر ، وفي الملائكة ، عن عباس بن محمد .
( ذكر معناه ) : قوله : " ما من يوم " وفي حديث أبي الدرداء : " ما من يوم طلعت فيه الشمس إلا وبجنبتيها ملكان يناديان ، يسمعهما خلق الله كلهم إلا الثقلين ، يا أيها الناس هلموا إلى ربكم ، إن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى ، ولا غربت شمسه إلا وبجنبتيها ملكان يناديان يسمعان أهل الأرض إلا الثقلين ، اللهم أعط منفقا خلفا ، وأعط ممسكا مالا تلفا " رواه أحمد ، قوله " بجنبتيها " تثنية جنبة بفتح الجيم وسكون النون ، وهي الناحية ، قوله " ما من يوم " يعني : ليس من يوم وكلمة " من " زائدة ، ويوم اسمه ، وقوله : " يصبح العباد فيه " صفة يوم ، وقوله " إلا ملكان " مستثنى من متعلق محذوف ، وهو خبر ما ، المعنى : ليس يوم موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان ، يقولان : كيت وكيت ، فحذف المستثنى منه ودل عليه بوصف الملكان ينزلان ، ونظيره في مجيء الموصوف مع الصفة بعد إلا في الاستثناء المفرغ ، قولك ما أخبرت منكم أحدا إلا رفيقا ، قوله : " خلفا " بفتح اللام ، أي : عوضا ، يقال : أخلف الله عليك خلفا ، أي : عوضا ، أي : أبدلك بما ذهب منك ، قوله : " أعط ممسكا تلفا " التعبير بالعطية هنا من قبيل المشاكلة ؛ لأن التلف ليس بعطية . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أنه موافق لقوله تعالى : وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ ولقوله : " ابن آدم أنفق أنفق عليك " ، وهذا يعم الواجب والمندوب . وفيه : أن الممسك يستحق تلف ماله ، ويراد به الإمساك عن الواجبات ، دون المندوبات ، فإنه قد لا يستحق هذا الدعاء ، اللهم إلا أن يغلب عليه البخل بها ، وإن قلت في نفسها كالحبة واللقمة ، ونحوهما .
وفيه : الحض على الإنفاق في الواجبات كالنفقة على الأهل وصلة الرحم ، ويدخل فيه صدقة التطوع والفرض . وفيه : دعاء الملائكة ، ومعلوم أنه مجاب بدليل قوله : " من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه " .