باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف
( باب على كل مسلم صدقة فمن لم يجد فليعمل بالمعروف ) 47 - حدثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدثنا شعبة قال : حدثنا سعيد بن أبي بردة ، عن أبيه ، عن جده ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : على كل مسلم صدقة ، فقالوا : يا نبي الله ، فمن لم يجد ؟ قال : يعمل بيده فينفع نفسه ، ويتصدق قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : يعين ذا الحاجة الملهوف ، قالوا : فإن لم يجد ؟ قال : فليعمل بالمعروف وليمسك عن الشر ، فإنها له صدقة . مطابقته للترجمة للجزء الأول بعينه وللجزء الثاني في قوله فليعمل بالمعروف .
( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : مسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب ، وقد مر غير مرة . الثاني : شعبة بن الحجاج . الثالث : سعيد بن أبي بردة بضم الباء الموحدة واسمه عامر .
الرابع : أبوه أبو بردة عامر . الخامس : جد سعيد ، وهو أبو موسى عبد الله بن قيس الأشعري - رضي الله تعالى عنه . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع .
وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن شيخه بصري وشعبة واسطي ، والبقية كوفيون . وفيه : رواية الابن ، عن أبيه ، عن جده .
والحديث أخرجه مسلم في الزكاة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن عبد الأعلى . ( ذكر معناه ) : قوله : " على كل مسلم صدقة " قال بعضهم ، أي : على سبيل الاستحباب المتأكد . ( قلت ) : كلمة " على " تنافي هذا المعنى ، وقال القرطبي : ظاهره الوجوب ، لكن خففه عز وجل حيث جعل ما خفي من المندوبات مسقطا له لطفا منه وتفضلا .
( قلت ) : يمكن أن يحمل ظاهر الوجوب على كل مسلم رأى محتاجا عاجزا عن التكسب ، وقد أشرف على الهلاك ، فإنه يجب عليه أن يتصدق عليه إحياء له ، قال القرطبي : أطلق الصدقة هنا وبينها في حديث أبي هريرة بقوله " في كل يوم " ، وهذا أخرجه مسلم ج٨ / ص٣١٢عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس " الحديث ، وروي عن أبي ذر مرفوعا " يصبح على كل سلامى على أحدكم صدقة " والسلامى بضم السين المهملة وتخفيف اللام المفصل ، وله في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها " خلق الله كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل " قوله : " يا نبي الله فمن لم يجد " ، أي : فمن لم يقدر على الصدقة ، فكأنهم فهموا من الصدقة العطية ، فلذلك قالوا فمن لم يجد ، فبين لهم أن المراد بالصدقة ما هو أعم من ذلك ، ولو بإغاثة الملهوف ، والأمر بالمعروف ، قوله : " يعمل بيده " . وفي رواية مسلم " يعتمل بيديه " من الاعتمال من باب الافتعال . وفيه : معنى التكلف ، قوله : " يعين " من أعان إعانة ، قوله : " الملهوف " بالنصب ؛ لأنه صفة ذا الحاجة ، وانتصاب هذا على المفعولية ، والملهوف يطلق على المتحسر والمضطر ، وعلى المظلوم ، وتلهف على الشيء : تحسر ، قوله : " فليعمل بالمعروف " .
وفي رواية البخاري في الأدب " قالوا فإن لم يفعل قال فليمسك عن الشر " وإذا أمسك شره عن غيره ، فكأنه قد تصدق عليه لأمنه منه ، فإن كان شرا لا يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم ، قوله " فإنها " تأنيث الضمير فيه إما باعتبار الفعلة التي هي الإمساك ، أو باعتبار الخبر ، ووقع في رواية الأدب " فإنه " ، أي : فإن الإمساك ، قوله " له " ، أي : للممسك . ( ذكر ما يستفاد منه ) : يستفاد منه أن الشفقة على خلق الله تعالى لا بد منها ، وهي إما بالمال أو بغيره ، والمال إما حاصل أو مقدور التحصيل له ، والغير إما فعل ، وهو الإعانة ، أو ترك وهو الإمساك ، وأعمال الخير إذا حسنت النيات فيها تنزل منزلة الصدقات في الأجور ، ولا سيما في حق من لا يقدر على الصدقة ، ويفهم منه أن الصدقة في حق القادر عليها أفضل من سائر الأعمال القاصرة على فاعلها ، وأجر الفرض أكثر من النفل ، لقوله : صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو هريرة ، عن الرب - عز وجل - " وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه " قال إمام الحرمين ، عن بعض العلماء : ثواب الفرض يزيد على ثواب النافلة بسبعين درجة . واعلم أنه لا ترتيب فيما تضمنه الحديث المذكور ، وإنما هو للإيضاح لما يفعله من عجز ، عن خصلة من الخصال المذكورة ، فإنه يمكنه خصلة أخرى ، فمن أمكنه أن يعمل بيده فيتصدق ، وأن يغيث الملهوف وأن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويمسك عن الشر ، فليفعل الجميع .
وفيه فضل التكسب لما فيه من الإعانة وتقديم النفس على الغير ، والله أعلم .