باب زكاة الإبل
( باب زكاة الإبل ) ( ذكره أبو بكر وأبو ذر وأبو هريرة رضي الله عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ) .
أي ذكر حكم زكاة الإبل أبو بكر الصديق وأبو ذر جندب بن جنادة ، وأبو هريرة عبد الرحمن رضي الله تعالى عنهم ، أما حديث أبي بكر فقد ذكره مطولا كما يأتي بعد باب من رواية أنس عنه ، ولأبي بكر حديث آخر مضى في باب ما يتعلق بقتال مانعي الزكاة ، وأما حديث أبي ذر فسيأتي بعد ذكر ستة أبواب من رواية المعرور بن سويد عنه في وعيد من لا يؤدي زكاة إبله وغيرها ويأتي معه حديث أبي هريرة . قلت : وفي الباب عن ابن عمر وبهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده وأبي سعيد الخدري وعمرو بن حزم وسلمة بن الأكوع ورقاد بن ربيعة ، أما حديث ابن عمر فذكره البخاري معلقا في أول باب لا يجمع بين متفرق . وأخرجه الترمذي موصولا ، وقد ذكرناه هناك وأخرجه أبو داود أيضا موصولا مطولا ، وأخرجه ابن ماجه أيضا
وأما حديث بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده فأخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح إلى بهز ، ولفظه : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون لا يفرق إبل عن حسابها ، من أعطاها مؤتجرا بها فله أجرها ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا عز وجل ، ليس لآل محمد منها شيء ".
وأما حديث أبي سعيد فأخرجه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن طهمان ، عن عمرو بن يحيى ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ليس فيما دون خمس من الإبل صدقة ، وليس في أربع شيء ، فإذا بلغت خمسا ففيها شاة إلى أن تبلغ تسعا . . " الحديث بطوله ، وأما حديث عمرو بن حزم فأخرجه الطبراني في الكبير وابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك من رواية الزهري ، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم ، عن أبيه ، عن جده " أن النبي صلى الله عليه وسلم كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات ، وفي الكتاب : في كل خمس من الإبل سائمة شاة . . " الحديث بطوله ، وأما حديث سلمة بن الأكوع فرواه الطبراني من رواية ابن لهيعة عن معاذ بن محمد الأنصاري أن عمرو بن يحيى بن سعيد بن زرارة أخبره .
ج٩ / ص١٤عن ابن سلمة بن الأكوع ، عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : نعم الإبل الثلاثون يخرج في زكاتها واحدة ، وترحل منها في سبيل الله واحدة ، وتمنح منها واحدة ، هي خير من الأربعين والخمسين والستين والسبعين والثمانين والتسعين والمائة ، وويل لصاحب المائة من المائة ،
وأما حديث رقاد بن ربيعة ، فرواه الطبراني أيضا قال : حدثنا محمد بن عبد الله الحضرمي ، حدثنا أحمد بن كثير البجلي ، حدثنا يعلى بن الأشدق ، وقال : أدركت عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منهم رقاد بن ربيعة قال : أخذ منا رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغنم من المائة شاة ، فإذا زادت فشاتان ، ويعلى بن الأشدق ضعيف جدا متهم بالكذب ، وأحمد بن كثير البجلي لا أدري من هو. 55 - حدثنا علي بن عبد الله ، قال : حدثنا الوليد بن مسلم ، قال : حدثنا الأوزاعي ، قال : حدثني ابن شهاب ، عن عطاء بن يزيد ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن أعرابيا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، عن الهجرة فقال : ويحك إن شأنها شديد ، فهل لك من إبل تؤدي صدقتها ؟ قال : نعم ، قال : فاعمل من وراء البحار ، فإن الله لن يترك من عملك شيئا . مطابقته للترجمة في قوله : " فهل لك من إبل تؤدي صدقتها ، قال : نعم " .
( ذكر رجاله ) وهم ستة ؛ الأول : علي بن عبد الله المعروف بابن المديني وقد تكرر ذكره ، الثاني : الوليد بن مسلم على لفظ الفاعل من الإسلام القرشي ، الثالث : عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي ، الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، الخامس : عطاء بن يزيد من الزيادة أبو زيد الليثي ، السادس : أبو سعيد الخدري واسمه سعد بن مالك . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ثلاثة مواضع وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وفيه أن الوليد والأوزاعي شاميان وأن ابن شهاب وعطاء مدنيان . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الهجرة عن علي بن عبد الله ، وفي الأدب عن سليمان بن عبد الرحمن ، وفي الهبة عن محمد بن يوسف ، وأخرجه مسلم في المغازي عن محمد بن خلاد عن الوليد به ، وعن عبد الله بن عبد الرحمن ، وأخرجه أبو داود في الجهاد عن مؤمل بن الفضل ، وأخرجه النسائي في البيعة وفي السير عن الحسين بن حريث كلاهما عن الوليد به .
( ذكر معناه ) : قوله : " أن أعرابيا " ، الأعرابي البدوي ، وكل بدوي أعرابي وإن لم يكن من العرب ، وإن كان يتكلم بالعربية وهو من العجم ، قلت : فيه عرباني ، قاله ابن قرقول ، وقال غيره : الأعرابي نسبة إلى الأعراب ، والأعراب ساكنو البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار ولا يدخلونها إلا لحاجة ، والعربي نسبة إلى العرب وهم الجيل المعروف من الناس ولا واحد له من لفظه ، وسواء أقام بالبادية والمدن ، قوله : " فقال : ويحك " ، قال الداودي : ويح كلمة تقال عند الزجر والموعظة والكراهة لفعل المقول له أو قوله ، ويدل عليه أنه إنما سأله أن يبايعه على ذلك على أن يقيم بالمدينة ، ولم يكن من أهل مكة الذين وجبت عليهم الهجرة قبل الفتح وفرض عليهم إتيان المدينة والمقام بها إلى موته صلى الله عليه وسلم وأنه ألح في ذلك ، قلت : الذي ذكره أهل اللغة في ويح أنها كلمة رحمة أو توجع إن وقع في هلكة لا يستحقها ، قوله : " إن شأنها شديد " أي إن شأن الهجرة ، وذلك لأنه سأله أن يبايعه على ذلك على أن يقيم بالمدينة ، ولما علم صلى الله عليه وسلم أنه لا يهاجر قال له ذلك ، وكان ذلك قبل الفتح قبل انقضاء الهجرة ، قوله : " فهل لك من إبل تؤدي صدقتها ؟ " أي زكاتها ، وإنما خص بصدقة الإبل مع أن أداء جميع الواجبات واجب ؛ لأنه كان من أهل الإبل ، والباقي منقاس عليه ، قوله : " فاعمل من وراء البحار " معناه إذا كنت تؤدي فرض الله عليك في نفسك ومالك فلا تبال أن تقيم في بيتك ، وإن كانت دارك من وراء البحار ، ولا تهاجر فإن الهجرة من جزيرة العرب ، ومن كانت داره من وراء البحار لن يصل إليها ، وقيل : المراد من البحار البلاد ، قيل : في قوله تعالى : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ إنه القرى والأمصار ، ومنه اصطلح أهل البحيرة يعني في ابن أبي أن يعصبوه يعني أهل المدينة وفي ج٩ / ص١٥حديث آخر : كتب لهم ببحرهم أي ببلدهم وأرضهم ، وقيل : البحار نفسها ، وفي المطالع : قال أبو الهيثم : من وراء البحار وهو وهم ، وقال الكرماني : لأنه لا مسكن وراء البحار ، قلت : المقصود منه فاعمل ولو من البعد الأبعد من المدينة ، ولم يرد منه حقيقة ذلك ، فإن قلت : فهل لمن أراد الهجرة من مكان لا يقدر فيه على إقامة حد الله ثواب الهجرة حيث تعذرت عليه ؟ قلت : نعم ، وكذلك كل طاعة كالمريض يصلي قاعدا ، ولو كان صحيحا لصلى قائما ، فإن له ثواب صلاة القائم ، فإن قلت : لم منعه من الهجرة ؟ قلت : لأنها كانت متعذرة على السائل شاقة عليه ، وكان الإيجاب حرجا عليه وإضرارا ، فإن قلت : لم لا تقول بأن هذه القصة كانت بعد نسخ وجوب الهجرة إذ لا هجرة بعد الفتح ؟ قلت : التاريخ غير معلوم مع أن المنسوخ هو الهجرة من مكة ، وأما غيرها فكل موضع لا يقدر المكلف فيه على إقامة حدود الدين فالهجرة عليه منه واجبة ، انتهى كلام الكرماني ، وقال المهلب : كان هذا القول قبل فتح مكة إذ لو كان بعده لقال له : لا هجرة بعد الفتح كما قاله لغيره ، ولكنه صلى الله تعالى عليه وسلم علم أن الأعراب قلما تصبر على لأواء المدينة ، ألا يرى إلى قلة صبر الأعرابي الذي استقال الهجرة حين مسته حمى المدينة ، فكأنه قال له : إذا أديت الحق الذي هو أكبر شيء على الأعراب ثم منحت منها وحلبتها يوم ورودها لمن ينتظرها من المساكين فقد أديت المعروف من حقها فرضا ونفلا ، فهو أقل لفتنتك كما افتتن المستقيل البيعة ، وقال القرطبي : يحتمل أن يكون ذلك خاصا بهذا الأعرابي لما علم من حاله وضعفه عن المقام بالمدينة ، وقال بعضهم : كانت الهجرة على غير أهل مكة من الرغائب ولم تكن فرضا ، وقال أبو عبيد : كانت الهجرة على أهل الحاضرة ولم تكن على أهل البادية ، وقيل : إنما كانت الهجرة واجبة إذا أسلم بعض أهل البلد ولم يسلم بعضهم لئلا يجري على من أسلم أحكام الكفار ، ولأن في هجرته توهينا لمن يسلم وتفريقا لجماعتهم ، وذلك باق إلى اليوم إذا أسلم في دار الحرب ولم يمكنه إظهار دينه وجب عليه الخروج ، فأما إذا أسلم كل من في الدار فلا هجرة عليهم لحديث وفد عبد القيس ، وأما الهجرة الباقية إلى يوم القيامة فقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : " المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " ، قوله : " فإن الله لن يترك من عملك شيئا " ، قال ابن بطال : لفظ الكتاب يترك بوزن مستقبل ترك ، رواه بعضهم يترك بكسر التاء وفتح الراء على أن يكون مستقبل وتر يتر ، ومعناه لن ينقصك ، وفي القرآن : وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ أي لن ينقصكم شيئا من ثواب أعمالكم ، وقال ابن التين : ضبط في رواية الحسن بتشديد التاء وصوابه بالتخفيف ، وعند الإسماعيلي وقال الفريابي بالتشديد ، والله أعلم .