( باب قول الله تعالى لا يسألون الناس إلحافا ) ( وكم الغنى ) . أي مقدار الغنى الذي يمنع السؤال وكم هنا استفهامية تقتضي التمييز ، والتقدير كم الغنى أهو الذي يمنع السؤال أم غيره ؟ والغنى بكسر الغين وبالقصر ضد الفقر ، وإن صحت الرواية بالفتح وبالمد فهو الكفاية ، وقد تقدم في حديث ابن مسعود : " يا رسول الله ، ما الغنى ؟ قال : خمسون درهما " .
وقد ذكرنا في باب الاستعفاف في المسألة جملة أحاديث عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم في هذا الباب . ( وقول النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجد غنى يغنيه ) بالجر عطف على ما قبله من المجرور ، وهذا جزء من حديث رواه عن أبي هريرة يأتي في هذا الباب ، وفيه : " ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه " ، والظاهر أنه إنما ذكر هذا كأنه تفسير لقوله : " وكم الغنى ؟ " ليكون المعنى : إن الغنى هو الذي يجد الرجل ما يغنيه ، وفسر هذا ما رواه الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعا : " من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة ومسألته في وجهه خموش ، قيل : يا رسول الله ، وما يغنيه ؟ قال : خمسون درهما أو قيمتها من الذهب " . والأحاديث يفسر بعضها بعضا وإنما لم يذكره البخاري لأنه ليس على شرطه لأن فيه مقالا .
لقوله تعالى : ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ ﴾إلى قوله : ﴿فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ ﴾77 - ( حدثنا حجاج بن منهال ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني محمد بن زياد ، قال : سمعت أبا هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : ليس المسكين الذي ترده الأكلة والأكلتان ولكن المسكين الذي ليس له غنى ويستحيي ولا يسأل الناس إلحافا ) .
مطابقته للترجمة في قوله : " ولا يسأل الناس إلحافا " ، ورجاله أربعة وهو من الرباعيات . قوله : " المسكين " مشتق من السكون وهو عدم الحركة فكأنه بمنزلة الميت ووزنه مفعيل ، وقال ابن سيده : المسكين والمسكين الأخيرة نادرة لأنه ليس في الكلام مفعيل يعني بفتح الميم ، وفي الصحاح : المسكين الفقير ، وقد يكون بمعنى المذلة والضعف ، يقال : تمسكن الرجل وتمسكن وهو شاذ ، والمرأة مسكينة وقوم مساكين ومسكينون ، والإناث مسكينات والفقير مشتق من قولهم فقرت له فقرة من مالي ، والفقر والفقر ضد الغنى ، وقدر ذلك أن يكون له ما يكفي عياله ، وقد فقر فهو فقير والجمع فقراء والأنثى فقيرة من نسوة فقائر ، وقال القزاز : أصل الفقر في اللغة من فقار الظهر كأن الفقير كسر فقار ظهره فبقي له من جسمه بقية ، قال القزاز : الفقر والفقر والفتح أكثر ، قوله : " الأكلة والأكلتان " بضم الهمزة فيهما ، وقال ابن التين : الأكلة ضبطها بعضهم بضم الهمزة بمعنى اللقمة فإن فتحتها كانت المرة الواحدة ، وفي الفصيح لأحمد بن يحيى : الأكلة اللقمة والأكلة بالفتح الغذاء والعشاء ، قوله : " ليس له غنى " زاد في رواية الأعرج " غنى يغنيه ، " قوله : " ويستحي " بالياءين وبياء واحدة ، زاد في رواية الأعرج : " ولا يفطن به " ، وفي رواية الكشميهني : " له فيتصدق عليه ولا يقوم فيسأل الناس " ، وهو بنصب يتصدق ويسأل ، قوله : " ولا يسأل " ويروى : " وأن لا يسأل " ، وقال الكرماني : كلمة لا زائدة في " وأن لا يسأل " ، قوله : " إلحافا " أي إلحاحا ، وقد مر تفسيره عن قريب ، وقال ابن بطال : يريد ليس المسكين الكامل لأنه بمسألته يأتيه الكفاف ، وإنما المسكين الكامل في أسباب المسكنة من لا يجد غنى ولا يتصدق عليه أي ليس فيه نفي المسكنة بل نفي كمالها أي الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها . ومن فوائد هذا الحديث : حسن الإرشاد لموضع الصدقة وأن يتحرى وضعها فيمن صفته التعفف دون الإلحاح ، وفيه حسن المسكين الذي يستحي ولا يسأل الناس ، وفيه استحباب الحياء في كل الأحوال .