باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة
( باب ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) 84 - حدثنا مسدد قال : حدثنا يحيى قال : حدثنا مالك قال : حدثني محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ليس فيما أقل من خمسة أوسق صدقة ، ولا في أقل من خمسة من الإبل الذود صدقة ، ولا في أقل من خمس أواق من الورق صدقة . مطابقته للترجمة من حيث إن الترجمة الجزء الأول من الحديث ، وقد مضى الحديث في باب زكاة الورق رواه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه قال : سمعت أبا سعيد الخدري إلى آخره ، ولكن في المتن اختلاف في التقديم والتأخير ، وأخرجه أيضا في باب : ليس فيما دون خمس ذود صدقة ، رواه عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، عن محمد بن عبد الرحمن إلى آخره ، وهاهنا رواه عن مسدد عن يحيى القطان ، عن مالك .
قوله : " فيما أقل " كلمة ما زائدة وأقل في محل الجر ، وقال ابن بطال : الأوسق الخمسة هي المقدار المأخوذ منه ، وأوجب أبو حنيفة في قليل ما تخرجه الأرض وكثيره فإنه خالف الإجماع . ( قلت ) : ليت شعري كيف يتلفظ بهذا الكلام ومن أين الإجماع حتى خالفه أبو حنيفة ، وقد ذكرنا عن جماعة ذهبوا إلى ما قاله أبو حنيفة قال : وكذلك أوجبها في البقول والرياحين وما لا يوسق كالرمان ، والجمهور على خلافه . ( قلت ) : أوجب أبو حنيفة في البقول يعني الخضروات بعموم حديث ابن عمر المذكور عن قريب وبعموم حديث جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " فيما سقت السماء والغيم العشر وفيما سقي بالسانية نصف العشر " رواه مسلم والنسائي وأبو داود وأحمد ، فدل عمومها على وجوب العشر في جميع ما أخرجته الأرض من غير قيد ، وإخراج لبعض الخارج عن الوجوب وإخلائه عن حقوق الفقراء ، وقال ابن العربي في ( عارضة الأحوذي ) وأقوى المذاهب في المسألة ج٩ / ص٧٧مذهب أبي حنيفة دليلا وأحفظها للمساكين وأولاها قياما بشكر النعمة ، وعليه يدل عموم الآية والحديث ، وقد رام الجويني أن يخرج عموم الحديث من يدي أبي حنيفة بأن قال : إن هذا الحديث لم يأت للعموم وإنما جاء لتفصيل الفرق بين ما يقل ويكثر مؤنته وأبدا في ذلك وأعاد ، وليس بممتنع أن يقتضي الحديث الوجهين العموم والتفصيل ، وذلك أكمل في الدليل وأصح في التأويل .
انتهى ، وقال القرافي في ( الذخيرة المالكية ) والظاهر أنه نقله من كلام الجويني : إن الكلام إذا سيق لمعنى لا يحتج به في غيره وهذه قاعدة أصولية ، فقوله صلى الله عليه وسلم : " إنما الماء من الماء " لا يستدل به على جواز الماء المستعمل لأنه لم يرد إلا لبيان حصر الوجوب للغسل ، فكذا قوله : " فيما سقت السماء العشر " ورد لبيان جزء الواجب لا لبيان محل الوجوب فلا يستدل به عليه . انتهى . ( قلت ) : النص اشتمل على جملتين شرطية وجزائية ، فالجملة الشرطية لعموم محل الواجب فإلغاء عمومها باطل ، والجملة الجزائية لبيان مقدار الواجب مثاله قوله صلى الله عليه وسلم : " من قتل قتيلا فله سلبه " فالجملة الشرطية وهي الأولى وردت لبيان سبب استحقاق القاتل وعموم من فعل ذلك ، والجملة الثانية الجزائية وردت لبيان ما يستحقه وهو سلب المقتول واختصاصه به فلا يجوز إبطال مدلول الشرط كما لا يجوز إبطال مدلول الجزاء ، وليس هذا نظير ما استشهد به القرافي ، وقد يساق الكلام لأمر وله تعلق بغيره وإيماء به وإشارة إليه ألا ترى إلى قوله تعالى : وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ سيقت الآية لبيان وجوب نفقة المطلقات وكسوتهن إذا أرضعن أولادهن ، وفيه إشارة إلى أن للأب تأويلا في نفس الولد وماله حتى لا يستوجب العقوبة بوطء جاريته ولا بسببه ، ذكره السرخسي في ( أصوله ) وقاعدة القرافي هذه إن كانت صحيحة أبطلت عليه قاعدة مذهبه ومدركه ، لأن قوله عليه الصلاة والسلام : " لا صدقة في حب ولا ثمر " حتى يبلغ خمسة أوسق سيق لبيان تقدير النصاب ونفى الوجوب عما دون الخمسة الأوسق ، فلا يدل حينئذ على عموم الحب والثمر ، وقد قال : هو عام في الحبوب والثمار .
( فإن قلت ) : روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأله عن الخضروات وهي البقول فقال : ليس فيها شيء . ( قلت ) : قال الترمذي إسناد هذا الحديث ليس بصحيح ، وليس يصح في هذا الباب عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء ، وإنما يروى هذا عن موسى بن طلحة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا
وروى الدارقطني أيضا عن عائشة قالت : جرت السنة من النبي صلى الله عليه وسلم ليس فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة ، وفي سنده صالح بن موسى ضعفه الدارقطني
وروى الدارقطني أيضا عن جابر قال : لم يكن المقاثي فيما جاء به معاذ وليس في المقاثي شيء ، وقد تكون عندنا المقثاة تخرج عشرة الآن فلا يكون فيها شيء . ( قلت ) : في سنده عدي بن الفضل وهو متروك.
قال أبو عبد الله : هذا تفسير الأول إذا قال : ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ، لكونه لم يبين ويؤخذ أبدا في العلم بما زاد أهل الثبت أو بينوا .