حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب في الركاز الخمس

( باب في الركاز الخمس )

( وقال مالك وابن إدريس : الركاز دفن الجاهلية في قليله وكثيره الخمس وليس المعدن بركاز ) مطابقته للترجمة ظاهرة ومالك هو ابن أنس صاحب المذهب المشهور ، وابن إدريس هو محمد بن إدريس ، فقال ابن التين : قال أبو ذر : يقال : هو محمد بن إدريس الشافعي يعني صاحب المذهب ، ويقال : عبد الله بن إدريس الأودي الكوفي وهو الأشبه ، وقد جزم أبو زيد المروزي أحد الرواة عن الفربري بأنه الشافعي يعني : صاحب المذهب وتابعه البيهقي وجمهور الأئمة ، قيل : يؤيد ذلك أنه وجد في عبارة الشافعي دون الأودي ، فروى البيهقي في ( المعرفة ) من طريق الربيع قال : قال الشافعي : والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد ، وأما في قليله وكثيرة الخمس فهو قوله في القديم كما نقله ابن المنذر عنه واختاره ، وأما في الجديد فقال : لا يجب فيه الخمس حتى يبلغ نصاب الزكاة ، والتعليق عن مالك رواه أبو عبيد في ( كتاب الأموال ) حدثني يحيى بن عبد الله بن بكير ، عن مالك قال : المعدن بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من الزرع حين يحصد ، قال : وهذا ليس بركاز وإنما الركاز دفن الجاهلية الذي يوجد من غير أن يطلب بمال ولا يتكلف له كثير عمل . انتهى .

قوله : " دفن الجاهلية " بكسر الدال بمعنى المدفون . قوله : " في قليله " هو الذي لا يبلغ نصابا ، وفي كثيره ما بلغ نصابا . قوله : " وليس المعدن بركاز " فيجب فيه ربع العشر لا الخمس لأنه يحتاج إلى عمل ومعالجة واستخراج بخلاف الركاز ، وقد جرت السنة أن ما غلظت مؤنته خفف عنه في مقدار الزكاة وما خفف زيد فيه ، وسمي المعدن لإقامة التبر فيه لأنه من العدن وهو الإقامة .

( وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : في المعدن جبار وفي الركاز الخمس )

( وأخذ عمر بن عبد العزيز من المعادن من كل مائتين خمسة ) ( وقال الحسن : ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس وما كان من أرض السلم ففيه الزكاة ) الحسن هو البصري .

قوله : " السلم " بكسر السين وسكون اللام وهو الصلح وهذه التفرقة لم تعرف عن غيره ، ووصل هذا التعليق ابن أبي شيبة من طريق عاصم الأحول عنه بلفظ " إذا وجد الكنز في أرض العدو ففيه الخمس ، وإذا وجد في أرض العرب ففيه الزكاة " . ( وإن وجدت اللقطة في أرض العدو فعرفها وإن كانت من العدو ففيها الخمس )

( وقال بعض الناس : المعدن ركاز مثل دفن الجاهلية لأنه يقال : أركز المعدن إذا خرج منه شيء ، قيل له : قد يقال لمن وهب له شيء أو ربح ربحا كثيرا أو كثر ثمره : أركزت ثم ناقض ، وقال : لا بأس أن يكتمه فلا يؤدي الخمس ) قال ابن التين : المراد ببعض الناس هو أبو حنيفة .

( قلت ) : جزم ابن التين بأن المراد به هو أبو حنيفة من أين أخذه فلم لا يجوز أن يكون مراده هو سفيان الثوري من أهل الكوفة والأوزاعي من أهل الشام ؟ فإنهما قالا مثل ما قال أبو حنيفة أن المعدن كالركاز ، وفيه الخمس في قليله وكثيره على ظاهر قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : " وفي الركاز الخمس " ولكن الظاهر أن ابن التين لما وقف على ما قاله البخاري في ( تاريخه ) في حق أبي حنيفة مما لا ينبغي أن يذكر في حق أحد من أطراف الناس فضلا أن يقال في حق إمام هو أحد أركان الدين صرح بأن المراد ببعض الناس أبو حنيفة ، ولكن لا يرمى إلا شجر فيه ثمر ، وهذا ابن بطال قال : ذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن كالركاز واحتج لهم بقول العرب : أركز الرجل إذا أصاب ركازا ، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن ، وهذا قول صاحب العين وأبي عبيد ، وفي ( مجمع الغرائب ) الركاز المعادن ، وفي ( النهاية ) لابن الأثير المعدن والركاز واحد ، فإذا علم ذلك بطل التشنيع على أبي حنيفة . قوله : " مثل دفن الجاهلية " بكسر الدال كما ذكرنا عن قريب بمعنى المدفون . قوله : " لأنه يقال : أركز المعدن إذا خرج منه شيء " والضمير في لأنه ضمير الشأن وأشار به إلى تعليل من يقول : إن المعدن هو الركاز وليس كذلك لأنه لم ينقل عنهم ولا عن العرب أنهم قالوا : أركز المعدن ، وإنما قالوا : أركز الرجل ، فإذا لم يكن هذا صحيحا فكيف يتوجه الإلزام بقول القائل : قد يقال لمن وهب له إلى آخره ، أراد أنه يلزم أن يقال كل واحد من الموهوب والربح والثمر ركاز فيجب فيه الخمس ، وليس كذلك بل الواجب فيه العشر ، ومعنى أركز الرجل صار له ركاز من قطع الذهب كما ذكرنا ولا يلزم منه أنه إذا وهب له شيء أن يقال له : أركزت بالخطاب ، وكذلك إذا ربح ربحا كثيرا أو كثر ثمره ، ولو علم المعترض أن معنى أفعل هاهنا ما هو لما اعترض ولا أفحش فيه ، ومعنى أفعل هنا للصيرورة يعني لصيرورة الشيء منسوبا إلى ما اشتق منه الفعل كأغد البعير أي : صار ذا غدة ، ومعنى أركز الرجل صار له ركاز من قطع الذهب كما ذكرناه ، ولا يقال إلا بهذا القيد أعني من قطع الذهب ولا يقال : أركز الرجل مطلقا .

قوله : " ثم ناقض " أي : ج٩ / ص١٠١ناقض هذا القائل قوله : وجه هذه المناقضة على زعمه أنه قال أولا المعدن يجب فيه الخمس لأنه ركاز ، وقال ثانيا : إنه لا يؤدى الخمس في الركاز وهو متناول للمعدن . قوله : " أن يكتمه " أي : عن الساعي حتى لا يطالب به . ( قلت ) : هذا ليس بمناقضة لأنه فهم من كلام هذا القائل غير ما أراده فصدر هذا عنه بلا تأمل ولا ترو .

بيان ذلك : أن الطحاوي حكى عن أبي حنيفة أنه قال : من وجد ركازا فلا بأس أن يعطي الخمس للمساكين ، وإن كان محتاجا جاز له أن يأخذه لنفسه ، قال : وإنما أراد أبو حنيفة أنه تأول أن له حقا في بيت المال ونصيبا في الفيء ، فلذلك له أن يأخذ الخمس لنفسه عوضا من ذلك ولقد صدق الشاعر :

وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
والكرماني أيضا مشى في مشيهم ولكنه اعترف أن النقض تعسف ، حكاه عن ابن بطال ورضي به ، وقال بعضهم : نقل الطحاوي عن أبي حنيفة أيضا أنه لو وجد في داره معدنا فليس عليه شيء ، ثم قال : وبهذا يتجه اعتراض الطحاوي . ( قلت ) : معناه لا يجب عليه شيء في الحال إلا إذا حال الحول وكان نصابا يجب فيه الزكاة ، وبه قال أحمد ، وعند أبي يوسف ومحمد : يجب الخمس في الحال ، وعند مالك والشافعي : الزكاة في الحال ، وهذا مخالف لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول " ، وقال هذا القائل أيضا والفرق بين المعدن والركاز أن المعدن يحتاج إلى عمل ومؤنة ومعالجة بخلاف الركاز . ( قلت ) : هذا شيء عجيب لأنه ليس بهذا يعرف حقيقة كل واحد منهما ما هي ، والفرق بين الأشياء ببيان ماهياتها وحقائقها والذي ذكره هذا من اللوازم الخارجية عن الماهية .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث