باب صاع من زبيب
( باب صاع من زبيب ) ج٩ / ص١١٧107 - حدثنا عبد الله بن منير ، سمع يزيد العدني قال : حدثنا سفيان ، عن زيد بن أسلم قال : حدثني عياض بن عبد الله بن أبي سرح ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : كنا نعطيها في زمان النبي صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام ، أو صاعا من تمر ، أو صاعا من شعير ، أو صاعا من زبيب ، فلما جاء معاوية وجاءت السمراء قال : أرى مدا من هذا يعدل مدين . مطابقته للترجمة في قوله : " أو صاعا من زبيب " وعبد الله بن منير بضم الميم وكسر النون وبالراء مر في باب الوضوء ، ويزيد من الزيادة ابن أبي حكيم بفتح الحاء العدني بالمهملتين المفتوحتين وبالنون ، مات سنة ست وأربعين ومائة ، وسفيان هو الثوري .
قوله : " عن أبي سعيد " ، وقد تقدم من رواية مالك بلفظ إنه سمع أبا سعيد . قوله : " كنا نعطيها " أي : صدقة الفطر . قوله : " في زمان النبي صلى الله عليه وسلم " هذا حكمه حكم الرفع لإضافته إلى زمنه صلى الله عليه وسلم ، وفيه إشعار بأنه صلى الله تعالى عليه وسلم اطلع على ذلك وقرره له خصوصا في هذه الصورة التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وهو الآمر بقبضها وتفريقها .
قوله : " صاعا من طعام " قال الخطابي : المراد بالطعام هنا الحنطة وأنه اسم خاص له ويستعمل في الحنطة عند الإطلاق ، حتى إذا قيل : اذهب إلى سوق الطعام ، فهم منه سوق القمح ، وإذا غلب العرف نزل اللفظ عليه ، ورد عليه ابن المنذر بأن هذا غلط منه ، وذلك أن أبا سعيد أجمل الطعام ثم فسره ثم أكد كلامه بما رواه حفص بن ميسرة ، عن زيد ، عن عياض على ما يأتي في الباب الذي يلي هذا الباب ، وفيه " وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر " . ( قلت ) : ويؤيد هذا ما رواه ابن خزيمة من طريق فضيل بن غزوان ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهم قال : لم تكن الصدقة على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا التمر والزبيب والشعير ، ولم تكن خاصة ،
وقال ابن المنذر أيضا : لا نعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي صلى الله عليه وسلم يعتمد عليه ، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء اليسير منه ، فلما كثر في زمن الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع من شعير وهم الأئمة ، فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم ، ثم روي بإسناده عن عثمان وعلي وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهم بأسانيد صحيحة : أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح، وقال بعضهم : لكن حديث أبي سعيد دال على أنه لم يوافق على ذلك وكذلك ابن عمر ، فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي . ( قلت ) : روى الطحاوي أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن أصحابه من بعده ، وعن تابعيهم من بعدهم في أن صدقة الفطر من الحنطة نصف صاع ، ومما سوى الحنطة صاع ، ثم قال : ما علمنا أحدا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من التابعين روى عنه خلاف ذلك ، فلا ينبغي لأحد أن يخالف ذلك إذ كان قد صار إجماعا في زمن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم إلى زمن من ذكرنا من التابعين ، وكان قد ذكر النخعي ومجاهدا وسعيد بن المسيب والحكم ابن عينة وحماد بن أبي سليمان وعبد الرحمن بن القاسم ، ونهض هذا القائل فقال : فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي وسنده في هذا هو أن أبا سعيد وابن عمر لم يوافقا على ذلك .
( قلت ) : أما أبو سعيد فإنه لم يكن يعرف في الفطرة إلا التمر والشعير والأقط والزبيب ، والدليل عليه ما روي عنه في رواية " كنا نخرج على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر أو صاعا من شعير " الحديث " لا نخرج غيره " . ( فإن قلت ) : في روايته الأخرى " كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام " . ( قلت ) : قد بينت فيما مضى أن الطعام اسم لما يطعم مما يؤكل ويقتات فيتناول الأصناف التي ذكرها في حديثه .
وجواب آخر أن أبا سعيد إنما أنكر على معاوية على إخراجه المدين من القمح لأنه ما كان يعرف القمح في الفطرة ، وكذلك ما نقل عن ابن عمر . وجواب آخر أن أبا سعيد كان يخرج النصف الآخر تطوعا ، وقال هذا القائل أيضا : أما من جعل نصف صاع فيها بدل صاع من شعير فقد فعل ذلك بالاجتهاد ، وفي حديث أبي سعيد ما كان عليه من شدة الاتباع والتمسك بالآثار وترك العدول إلى الاجتهاد مع وجود النص . ( قلت ) : مع وجود الأحاديث الصحيحة الصريحة أن الصدقة من الحنطة نصف صاع كيف يكون الاجتهاد وأبو سعيد هو الذي اجتهد حتى جعل الطعام برا مع قوله : " كنا نخرج على عهد ج٩ / ص١١٨رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من تمر أو صاعا من شعير " الحديث ولا نخرج غيره ، ومع مخالفته الآثار التي فيها نصف صاع من بر كيف ترك العدول إلى الاجتهاد ، وقوله مع وجود النص غير مسلم لأنه لم يكن عنده نص غير صاع من طعام ، ولم يكن عنده نص صريح على أن الصدقة من البر صاع .
( فإن قلت ) : كيف تقول ولم يكن عنده نص صريح على أن الصدقة من البر صاع ، وقد روى الحاكم حديثه ، وفيه " أو صاعا من حنطة " . ( قلت ) : ذكر ابن خزيمة أن ذكر الحنطة في هذا الخبر غير محفوظ ولا أدري ممن الوهم ، وقول الرجل له " أو مدين من قمح دال على أن ذكر الحنطة في أول الخبر خطأ ووهم ، إذ لو كان صحيحا لم يكن لقوله " أو مدين من قمح " معنى ، وقد عرف تساهل الحاكم في تصحيح الأحاديث المدخولة ، وكذلك أشار أبو داود في ( سننه ) أن هذا ليس بمحفوظ، وقد ذكرنا هذا فيما مضى مفصلا .