حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة قبل أن يرجع إلى بيته ثم صلى ركعتين ثم خرج إلى الصفا

حدثنا أصبغ ، عن ابن وهب قال : أخبرني عمرو ، عن محمد بن عبد الرحمن ، ذكرت لعروة قال : فأخبرتني عائشة رضي الله عنها أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ، ثم طاف ، ثم لم تكن عمرة ، ثم حج أبو بكر وعمر رضي الله عنهما مثله ، ثم حججت مع أبي الزبير رضي الله عنه ، فأول شيء بدأ به الطواف ، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلونه ، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة ، فلما مسحوا الركن حلوا . مطابقته للترجمة في قوله : إن أول شيء بدأ به حين قدم النبي صلى الله عليه وسلم أنه توضأ ثم طاف . ( ذكر رجاله ) : وهم ستة : الأول : أصبغ بن الفرج وقد مر عن قريب ، الثاني : عبد الله بن وهب ، وقد تكرر ذكره ، الثالث : عمرو بفتح العين ابن الحارث ، الرابع : محمد بن عبد الرحمن أبو الأسود النوفلي المعروف بيتيم عروة ، الخامس : عروة بن الزبير بن العوام ، السادس : أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها .

( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع والإخبار بصيغة الإخبار في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه الذكر ، وفيه أن الثلاثة الأول من الرواة مصريون والاثنان الآخران مدنيان . وأخرجه مسلم في الحج عن هارون بن سعيد الأيلي على ما نذكره الآن . ( ذكر معناه ) : قوله : ذكرت لعروة أي ذكرت لعروة ما قيل في حكم القادم إلى مكة ، وحذف البخاري صورة السؤال وجوابه ، واقتصر على المرفوع منه ، وقد ذكره مسلم مكملا فقال : حدثني هارون بن سعيد الأيلي قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرني عمرو هو ابن الحارث عن محمد بن عبد الرحمن أن رجلا من أهل العراق قال له : سل لي عروة بن الزبير عن رجل يهل بالحج فإذا طاف بالبيت أيحل أو لا ، فإن قال لك : لا يحل ، فقل له : إن رجلا يقول في ذلك ، فسألته فقال : لا يحل من أهل بالحج إلا بالحج ، قلت : فإن رجلا كان يقول ذلك ، قال : بئس ما قال ، فتصداني الرجل فسألني ، فحدثته فقال : قل له : فإن رجلا كان يخبر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد فعل ذلك ، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك ، قال : فجئته فذكرت له ذلك ، فقال : من هذا ؟ فقلت : لا أدري ، قال : فما باله لا يأتيني نفسه يسألني ، أظنه عراقيا ، قلت : لا أدري ، قال : فإنه قد كذب ، قد حج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرتني عائشة أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ، ثم طاف بالبيت ، ثم حج أبو بكر رضي الله تعالى عنه وكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم يكن غيره ، ثم عمر رضي الله تعالى عنه مثل ذلك ، ثم حج عثمان رضي الله تعالى عنه فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم يكن غيره ، ثم معاوية وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم ، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ، ثم لم يكن غيره ، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك ، ثم لم يكن غيره ، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ، ثم لم ينقضها بعمرة ، وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ! ولا أحد ممن مضى كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون ، وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدآن بشيء أول من البيت تطوفان به ثم لا تحلان ، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط فلما مسحوا الركن حلوا ، وقد كذب فيما ذكر من ذلك وإنما سقت هذا بتمامه لأنه كالشرح لحديث البخاري ، ونشرح حديث مسلم ليظهر لك المراد من حديث البخاري الذي اقتصر منه على المرفوع .

قوله : إن رجلا مبهم لم يدر ، قوله : أيحل الهمزة للاستفهام على سبيل الاستخبار ، قوله : فتصداني أي تعرض لي ، هكذا هو في جميع النسخ بالنون والأشهر في اللغة تصدى لي باللام ، قوله : ثم لم يكن غيره هكذا هو في جميع النسخ بالغين المعجمة والياء آخر الحروف ، قال عياض : هو تصحيف ، وصوابه : ثم لم تكن عمرة ، بضم العين المهملة وبالميم ، وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة على مذهب من يرى ، واحتج بأمر النبي صلى الله عليه وسلم لهم بذلك في حجة الوداع ، فأعلمه عروة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يفعل ذلك بنفسه ولا من جاء بعده ، وقال النووي : ليس هو كما قال ؛ بل هو صحيح في الرواية صحيح المعنى ؛ لأن قوله : غيره يتناول العمرة وغيرها ، ويكون تقدير الكلام : ثم حج أبو بكر رضي الله تعالى عنه فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم يكن غيره ، أي غير الحج ، ولم يفسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران ، قوله : ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام أي مع والدي وهو الزبير ، وقوله الزبير بدل من أبي ، قاله النووي ، والأظهر أنه عطف بيان ، قوله : فلما مسحوا الركن أي الحجر الأسود حلوا أي صاروا حلالا ، قال النووي : المراد بالماسحين من سوى عائشة وإلا فعائشة رضي الله تعالى عنها لم تمسح الركن قبل الوقوف بعرفات في حجة الوداع ، بل كانت قارنة ومنعها الحيض من الطواف قبل يوم النحر . ثم جئنا إلى شرح حديث البخاري ، فقوله بدأ وقوله قدم تنازعا في العمل ، قوله : ثم لم تكن عمرة قال عياض : كان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة على مذهب من رأى ذلك ، فأعلمه عروة أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لم يفعل ذلك بنفسه ولا من جاء بعده ، وفي إعراب عمرة وجهان : الرفع على أن كان تامة ، ويكون معناه : ثم لم تحصل عمرة ، والنصب على أن كان ناقصة ، ويكون معناه : ثم لم تكن تلك الفعلة عمرة ، وقد ذكرنا أنه وقع في رواية مسلم غيره بدل عمرة وقد مضى الكلام فيه آنفا ، قوله : مثله أي مثل حج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، قوله : ثم حججت مع أبي الزبير أي حجة مصاحبة مع أبي أي مع والدي وهو الزبير بن العوام ، وقوله الزبير بدل من أبي أو عطف بيان ، وهكذا وقع في رواية مسلم وقد ذكرناها آنفا ، ووقع في رواية الكشميهني ثم حججت مع ابن الزبير يعني أخاه عبد الله بن الزبير ، قال عياض : وهو تصحيف ، وجه ذلك أنه وقع في طريق آخر في الحديث على ما يأتي مع أبي الزبير بن العوام ، وفيه بعد ذكر أبي بكر وعمر ذكر عثمان ثم معاوية وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم ، قال : ثم حججت مع أبي الزبير فذكره ، وقد عرف أن قتل الزبير كان قبل موت معاوية وابن عمر ، وكان قتل الزبير بن العوام يوم الجمل في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين وقبره بوادي السباع ناحية البصرة ، وكان موت معاوية بن أبي سفيان في رجب سنة تسع وخمسين ، وموت عبد الله بن عمر رضي الله عنهما كان سنة ثلاث وسبعين ، وقال الواقدي : سنة أربع وسبعين ، وكانت وفاته بمكة المشرفة ، قوله : وأخبرتني أمي وهي أسماء بنت أبي بكر الصديق وأختها عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم ، فإن قلت : لم تطف عائشة في تلك الحجة لأجل حيضها ، فما وجه ذكرها هنا ؟ قلت : يحمل على أنه أراد حجة أخرى غير حجة الوداع ، وقد حجت عائشة رضي الله عنها بعد النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا ، قوله : فلما مسحوا الركن أي الحجر الأسود ، ومسحه يكون في أول الطواف ، ولكن لا يحصل التحلل بمجرد المسح في أول الطواف فلا بد من التقدير ، وتقديره : فلما مسحوا الركن وأتموا طوافهم وسعيهم وحلقوا حلوا ، وحذفت هذه المقدرات للعلم بها لظهورها ، وقد أجمعوا على أنه لا يتحلل قبل تمام الطواف . تم مذهب الجمهور أنه لا بد أيضا من السعي بعده ثم الحلق أو التقصير ، وقال الكرماني : لا حاجة إلى التأويل إذ مسح الركن كناية عن الطواف سيما والمسح يكون أيضا في الأطواف السبعة ، فالمراد لما فرغوا من الطواف حلوا ، وأما السعي والحلق فهما عند بعض العلماء ليسا بركنين انتهى ، قلت : لا بد من التأويل لأن الكلام على مذهب الجمهور كما ذكرناه ، وأراد بقوله : عند بعض العلماء ، ما ذهب إليه ابن عباس وابن راهويه من أن المعتمر يتحلل بعد الطواف فلا حاجة إلى السعي ، وقد ردوا عليهما ذلك ، وقال ابن التين قوله : فلما مسحوا حلوا يريد ركن المروة ، وأما ركن البيت فلا يحل بمسحه حتى يسعى بين الصفا والمروة ، وقال بعضهم : وهو متعقب برواية أبي الأسود ، عن عبد الله مولى أسماء عن أسماء قالت : اعتمرت أنا وعائشة والزبير وفلان وفلان ، فلما مسحنا البيت أحللنا ، وسيأتي هذا في أبواب العمرة انتهى ، قلت : يقدر هنا أيضا ما قدر في قوله : فلما مسحوا الركن حلوا فلا اعتراض حينئذ .

( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه مطلوبية الوضوء للطواف ، واختلفوا هل هو واجب أو شرط ، فقال أبو حنيفة : ليس بشرط ، فلو طاف على غير وضوء صح طوافه ، فإن كان ذلك للقدوم فعليه صدقة ، وإن كان طواف الزيارة فعليه شاة ، وقال مالك والشافعي وأحمد : هو شرط . وفيه أن أول شيء يفعله داخل الحرم الابتداء بالطواف للقدوم ، واستثنى الشافعي من هذا المرأة الجميلة والشريفة التي لا تبرز للرجال فيستحب لها تأخير الطواف ودخول المسجد إلى الليل ؛ لأنه أستر لها وأسلم من الفتنة ، وقال ابن المنذر : سن الشارع للقادمين المحرمين بالحج تعجيل الطواف والسعي بين الصفا والمروة عند دخولهم ، وفعل هو ذلك على ما روته عائشة ، وأمر من حل من أصحابه أن يحرموا إذا انطلقوا إلى منى ، وأما من أحرم من مكة من أهلها أو غيرهم فهم يؤخرون طوافهم وسعيهم إلى يوم النحر بخلاف القادمين لتفريق السنة بين الفريقين ، وكان ابن عباس يقول : يا أهل مكة إنما طوافكم بالبيت وبين الصفا والمروة يوم النحر .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث