باب طواف القارن
حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عروة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع فأهللنا بعمرة ، ثم قال : من كان معه هدي فليهل بالحج والعمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما ، فقدمت مكة وأنا حائض ، فلما قضينا حجنا أرسلني مع عبد الرحمن إلى التنعيم ، فاعتمرت فقال صلى الله عليه وسلم : هذه مكان عمرتك ، فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ، وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا . مطابقته للترجمة في قوله : وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة لأنه هو القارن ، وفيه بيان طوافه أنه واحد ، والحديث قد مضى في باب كيف تهل الحائض والنفساء ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن مسلمة ، عن مالك ، وهنا عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وقد مر الكلام فيه مستقصى ؛ ولكن نتكلم فيه للرد على بعضهم في رده على الإمام أبي جعفر الطحاوي من غير وجه لأريحية العصبية فيه . فنقول أولا ما ذكره الطحاوي ، فقال : باب القارن كم عليه من الطواف لعمرته ولحجته ، حدثنا صالح بن عبد الرحمن الأنصاري ومحمد بن إدريس المكي قالا : حدثنا سعيد بن منصور قال : حدثنا عبد العزيز ابن محمد ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : من أحرم بالحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد ، ثم لا يحل حتى لا يحل منهما جميعا ثم قال : فذهب قوم إلى هذا الحديث فقالوا : على القارن بين الحج والعمرة طواف واحد لا يجب عليه من الطواف غيره ، وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا : بل يطوف لكل واحد منهما طوافا واحدا ويسعى سعيا واحدا ، وكان من الحجة لهم في ذلك أن هذا الحديث خطأ أخطأ فيه الدراوردي فرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما أصله عن ابن عمر نفسه ، هكذا رواه الحفاظ ، وهم مع هذا لا يحتجون بالدراوردي عن عبيد الله أصلا ، فلم يحتجون له في هذا ، فأما ما رواه الحفاظ من ذلك عن عبيد الله فما حدثنا صالح بن عبد الرحمن قال : حدثنا سعيد بن منصور قال : حدثنا هشيم قال : حدثنا عبد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أنه كان يقول : إذا قرن طاف لهما طوافا واحدا ، فإذا فرق طاف لكل منهما طوافا وسعى سعيا انتهى ، ثم قال هذا القائل بعد أن نقل كلام الطحاوي : وهو تعليل مردود ، فالدراوردي صدق ، وليس ما رواه مخالفا لما رواه غيره ، فلا مانع أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين انتهى ، قلت : المردود ما قاله وذهب إليه من غير تحقيق النظر فيه ، فهل يحل رد ما لا يرد لأجل ما قصر فيه فهمه وكثر تعنته ومصادمته للحق الأبلج ، أفلا وقف هذا على ما قاله الترمذي بعد أن ذكر الحديث المذكور ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله ولم يرفعوه وهو أصح ، وقال أبو عمر في الاستذكار : لم يرفعه أحد عن عبيد الله غير الدراوردي ، وكل من رواه عنه غيره أوقفه على ابن عمر ، وكذا رواه مالك عن نافع موقوفا ، وقال أبو زرعة : الدراوردي سيئ الحفظ ، ذكره عنه الذهبي في الكاشف ، وقال النسائي : ليس بالقوي ، وحديثه عن عبيد الله منكر ، وقال ابن سعد : كان كثير الحديث يغلط .
ثم قال هذا القائل : واحتجت الحنفية بما روي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه جمع بين الحج والعمرة ، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ، ثم قال : هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ، وطريقه عن علي عند عبد الرزاق والدارقطني وغيرهما ضعيفة ، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسناد ضعيف نحوه ، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك ، وفيه الحسن بن عمارة وهو متروك انتهى ، قلت : حديث علي رضي الله تعالى عنه رواه النسائي في سننه الكبرى ، عن حماد بن عبد الرحمن الأنصاري عن إبراهيم بن محمد قال : طفت مع أبي وقد جمع بين الحج والعمرة ، فطاف لهما طوافين وسعى لهما سعيين ، وحدثني أن عليا رضي الله تعالى عنه فعل ذلك ، وحدثه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل ذلك . فإن قلت : قال صاحب التنقيح : وحماد هذا ضعفه الأزدي ، قلت : ذكره ابن حبان في الثقات ، وأخرجه الدارقطني من وجوه عن الحسن بن عمارة ، ثم قال : وهو متروك ، وعن حفص بن أبي داود ، عن ابن أبي ليلى ، وقال حفص : ضعيف ، وعن عيسى بن عبد الله بن علي ، ثم قال : وهو متروك ، قلت : إذا كثرت طرق الحديث ولو كان فيها ضعفاء تتعاضد وتتقوى . وروى الطحاوي أيضا عن أبي النضر قال : أهللت بالحج فأدركت عليا فقلت له : إني أهللت بالحج أفأستطيع أن أضيف إليه عمرة ؟ قال : لا ، لو كنت أهللت بالعمرة ثم أردت أن تضيف إليها الحج ضممته ، قال : قلت : كيف أصنع إذا أردت ذلك ؟ قال : تصب عليك إداوة ماء ثم تحرم بهما جميعا ، وتطوف لكل واحد منهما طوافا وعنه عن علي وعبد الله قالا : القارن يطوف طوافين ويسعى سعيين ، ثم اعترض هذا القائل أيضا على الطحاوي حيث قال في قول عائشة : وأما الذين جمعوا بين الحج والعمرة فإنما طافوا طوافا واحدا ، أن مرادها جمعوا بين الحج والعمرة جمع متعة لا جمع قران ، بقوله : وإني لكثير التعجب منه في هذا الموضع كيف ساغ له هذا التأويل وحديث عائشة مفصل للحالتين ، فإنها صرحت بفعل من تمتع ثم بمن قرن حيث قالت : فطاف الذين أهلوا بالعمرة ثم حلوا ثم طافوا طوافا آخر بعد أن رجعوا من منى ، فهؤلاء أهل التمتع ، ثم قالت : وأما الذين جمعوا ، إلى آخره ، فهؤلاء أهل القران ، وهذا أبين من أن يحتاج إلى بيان انتهى ، قلت : هذا الذي ذكره متعجبا أخذه من كلام البيهقي ، فإنه شنع على الطحاوي في كتابه المعرفة بغير معرفة ، حيث قال : وزعم بعض من يدعي في هذا تصحيح الأخبار على مذهبه ؛ إنما أرادت بهذا الجمع جمع متعة لا جمع قران ، قالت : فإنما طافوا طوافا واحدا في حجتهم لأن حجتهم كانت مكية ، والحجة المكية لا يطاف لها قبل عرفة ، وكيف استجاز لدينه أن يقول مثل هذا وفي حديثها أنها أفردت من جمع بينهما جمع متعة أولا بالذكر ، فذكرت كيف طافوا في عمرتهم ثم كيف طافوا في حجتهم ، ثم لم يبق إلا المفردون والقارنون فجمعت بينهم في الذكر ، وأخبرت أنهم إنما طافوا طوافا واحدا ، وأنها أرادت بين الصفا والمروة لما ذكرنا من الدلالة مع كونه معقولا ، ولو اقتصرت على اللفظة الأخيرة لم يجز حملها أيضا لأنها تقتضي اقتصارا على طواف واحد لكل ما حصل به الجمع ، والجمع إنما حصل بالعمرة والحج جميعا فيقتضي اقتصارا على طواف واحد لهما جميعا لا لأحدهما ، والمتمتع لا يقتصر على طواف واحد بالإجماع ، فدل على أنها أرادت بهذا الجمع جمع قران انتهى .
قلت : لم يتأمل البيهقي كلام الطحاوي لغشيان التعصب على فكره ، ألا ترى كيف يؤول قولها : فإنما طافوا طوافا واحدا ؛ إنها أرادت بهذا : السعي بين الصفا والمروة ، فما الضرورة إلى تأويل الطواف بالسعي ، بل المراد الطواف بالبيت ، وقوله : تقتضي اقتصارا على طواف واحد إلى آخره ، ليس كذلك ؛ لأنه قال : إن حجتهم تلك صارت مكية ، والحجة المكية يطاف لها بعد عرفة ، فإذا كان كذلك يقتصر المتمتع على طواف واحد ، على أنا نقول أحاديث عائشة رضي الله تعالى عنها في هذا الباب مضطربة جدا لا يتم بها الاستدلال لأحد من الخصوم ، وقد قالت في رواية : أهللنا بعمرة ، وفي أخرى : فمنا من أهل بعمرة ومنا من أهل بحج ، قالت : ولم أهل إلا بحج ، وفي أخرى : خرجنا لا نريد إلا الحج ، وفي أخرى : لبينا بالحج ، وفي أخرى : مهلين بالحج ، والكل صحيح ، وفي رواية : وكنت ممن تمتع ولم يسق الهدي حتى قال مالك : ليس العمل على حديث عروة عن عائشة قديما وحديثا . وسأل الكرماني عن وجه الجمع بين هذه الروايات ، ثم قال : قالوا : وجهه أنهم أحرموا بالحج ثم لما أمرهم بالفسخ إلى العمرة أحرم أكثرهم متمتعين ، وبعضهم بسبب الهدي بقوا على ما كانوا عليه ، وبعضهم صاروا قارنين ، ثم قال هذا القائل المعترض : قال عبد الرزاق : عن سفيان الثوري ، عن سلمة بن كهيل قال : حلف طاوس ما طاف أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحجه وعمرته إلا طوافا واحدا ، وهذا إسناد صحيح ، وفيه بيان ضعف ما روي عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما من ذلك انتهى . قلت : ليت شعري ! ما وجه هذا البيان ، وعجبي كيف يلهج هذا القائل بهذا القول الذي لا يجديه شيئا ، ونقل هذا اليمين عن طاوس كاد أن يكون محالا لعدم القدرة على الإحاطة على أطوفة الصحابة أجمعين ، والكلام أيضا في الرواة من دون عبد الرزاق .
قوله فلما قضينا حجنا وذلك بعد أن طهرت وطافت بالبيت أرسلها رسول الله صلى الله عليه وسلم مع أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما إلى التنعيم ، بفتح التاء المثناة من فوق وسكون النون وبالعين المهملة المكسورة ، وهو على ثلاثة أميال من مكة ، قوله : مكان عمرتك نصب على الظرف أي بدل عمرتك ، وقيل : إنما قال ذلك تطييبا لقلبها ، ويقال : معناه مكان عمرتك التي تركتها لأجل حيضك ، قوله : فإنما طافوا وفي كثير من النسخ طافوا بدون لفظ فإنما وبدون الفاء في طافوا ، وهذا دليل جواز حذف الفاء في جواب أما ، مع أن النحاة صرحوا بلزوم ذكره إلا في ضرورة الشعر ، وقال بعضهم : لا يجوز حذف الفاء مستقلا لكن يجوز حذفها مع القول كما في قوله تعالى : فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إذ تقديره : فالقول لهم هذا الكلام ، وقال ابن مالك : هذا الحديث وأخواته كقوله صلى الله تعالى عليه وسلم : أما موسى كأني أنظر إليه وأما بعد ما بال رجال يشترطون شروطا فمخالف لهذه القاعدة ، فعلم أن من خصه بما إذا حذف القول معه فهو مقصر في فتواه عاجز عن نصرة دعواه .