حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ركوب البدن لقوله تعالى والبدن جعلناها لكم من شعائر الله

حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسوق بدنة فقال : اركبها فقال : إنها بدنة فقال : اركبها قال : إنها بدنة قال : اركبها ويلك ، في الثالثة أو في الثانية . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد تكرر ذكرهم ، وأبو الزناد بكسر الزاي والنون ، واسمه عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز ، ولم تختلف الرواة عن مالك ، عن أبي الزناد فيه ، ورواه ابن عيينة عن أبي الزناد فقال : عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أو عن أبي الزناد ، عن موسى بن أبي عثمان ، عن أبيه ، عن أبي هريرة . أخرجه سعيد بن منصور عنه ، وقد رواه الثوري عن أبي الزناد بالإسنادين مفرقا .

وأخرجه البخاري أيضا في الوصايا ، عن إسماعيل بن أبي أويس ، وفي الأدب عن قتيبة ، وأخرجه مسلم في الحج أيضا ، عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي ، وأخرجه النسائي فيه عن قتيبة ، خمستهم عن مالك به . ( ذكر معناه ) : قوله : رأى رجلا لم يدر اسمه ، قوله : يسوق بدنة كذا وقع في أكثر الروايات ، وفي رواية لمسلم ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج بهذا الإسناد ، قال : بينما رجل يسوق بدقة مقلدة ، وفي رواية له عن همام بن منبه قال : هذا ما حدثنا أبو هريرة ، عن محمد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - فذكر أحاديث منها ، وقال : بينما رجل يسوق بدنة مقلدة ، قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ويلك اركبها ، فقال : بدنة يا رسول الله ، قال : ويلك اركبها ويلك اركبها . وفي رواية لأحمد من حديث عبد الرحمن بن إسحاق والثوري ، كلاهما عن أبي الزناد ، ومن طريق عجلان عن أبي هريرة قال : اركبها ويحك ، قال : إنها بدنة ، قال : اركبها ويحك وزاد أبو يعلى من رواية الحسن فركبها وللبخاري من طريق عكرمة ، عن أبي هريرة فلقد رأيته راكبا يساير النبي - صلى الله عليه وسلم - والنعل في عنقها ، قوله : ويلك قال القرطبي : قالها له تأديبا لأجل مراجعته له مع عدم خفاء الحال عليه ، ولهذا قال ابن عبد البر وابن العربي : وبالغ حتى قال : الويل لمن راجع في ذلك بعد هذا ، قال : ولولا أنه - - صلى الله عليه وسلم - اشترط على ربه ما اشترط لهلك ذلك الرجل لا محالة .

قال القرطبي : ويحتمل أن يكون فهم عنه أنه يترك ركوبها على عادة الجاهلية في السائبة وغيرها ، فزجره عن ذلك ، فعلى الحالتين هي إنشاء ورجحه عياض وغيره وقالوا : والأمر هاهنا وإن قلنا : إنه للإرشاد ، لكنه استحق الذم بتوقفه عن امتثال الأمر ، والذي يظهر أنه ما ترك عنادا ، ويحتمل أن يكون ظن أنه يلزمه غرم بركوبها أو إثم ، وأن الإذن الصادر له بركوبها إنما هو للشفقة عليه فتوقف ، فلما أغلظ له بادر إلى الامتثال ، وقيل : لأنه كان أشرف على هلكة من الجهد ، وويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة ، فالمعنى أشرفت على الهلكة فاركب ، فعلى هذا هي إخبار ، وقيل : هي كلمة تدعم بها العرب كلامها ولا تقصد معناها كقولهم : لا أم لك ، ويقويه ما تقدم في رواية أحمد : ويحك بدل ويلك ، وقال الهروي : ويل كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها ، وويح لمن وقع في هلكة لا يستحقها ، وفي التوضيح : ويلك مخرجة مخرج الدعاء عليه من غير قصد ، إذ أبى من ركوبها أول مرة ، وقال له : إنها بدنة ، وكان - - صلى الله عليه وسلم - يعلم ذلك ، فخاف أن لا يكون علمه ، فكأنه قال له : الويل لك في مراجعتك إياي فيما لا تعرف وأعرف . وكان الأصمعي يقول : ويل كلمة عذاب ، وويح كلمة رحمة ، وقال سيبويه : ويح زجر لمن أشرف على هلكة ، وفي الحديث : ويل واد في جهنم ، قوله : في الثالثة ، أي : في المرة الثالثة ، قوله : أو في الثانية ، أي : أو قال ذلك في المرة الثانية ، وهذا شك من الراوي . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه جواز ركوب البدنة المهداة سواء كانت واجبة أو متطوعا بها ؛ لأنه - - صلى الله عليه وسلم - لم يفصل في قوله ولا استفصل صاحبها عن ذلك ، فدل على أن الحكم لا يختلف بذلك ، ويوضح هذا ما رواه أحمد من حديث علي - رضي الله تعالى عنه - أنه سئل : هل يركب الرجل هديه ؟ فقال : لا بأس ، قد كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يمر بالرجال يمشون فيأمرهم بركوب هديهم .

وقد اختلفوا في هذا على أقوال : الأول : الجواز مطلقا وبه قال عروة بن الزبير ، ونسبه ابن المنذر إلى أحمد وإسحاق وبه قالت الظاهرية ، وهو الذي جزم به النووي في الروضة تبعا لأصله في الضحايا ، ونقله في شرح المهذب عن القفال والماوردي . الثاني : ما قاله النووي ونقل عنه عن أبي حامد والبندنيجي وغيرهما مقيدة بالحاجة ، وقال الروياني : تجويزه بغير الحاجة مخالفة النص ، وهو الذي نقله الترمذي عن الشافعي حيث قال : وقد رخص قوم من أهل العلم من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيرهم ركوب البدنة إذا احتاج إلى ظهرها ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وهذا هو المنقول عن جماعة من التابعين أنها لا تركب إلا عند الاضطرار إلى ذلك ، وهو المنقول عن الشعبي والحسن البصري وعطاء بن أبي رباح ، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه ، فلذلك قيده صاحب الهداية من أصحابنا بالاضطرار إلى ذلك . الثالث : ما ذكره ابن عبد البر من كراهة الركوب من غير حاجة ، ونقله عن الشافعي ومالك .

الرابع : ما قاله ابن العربي : يركب للضرورة فإذا استراح نزل ، يدل عليه ما رواه مسلم من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه سئل عن ركوب الهدي ، فقال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : اركبها بالمعروف إذا لجئت إليها حتى تجد ظهرا ، فإن مفهومه أنه إذا وجد غيرها تركها ، وروى سعيد بن منصور من طريق إبراهيم النخعي قال : يركبها إذا أعيى قدر ما يستريح على ظهرها . الخامس : المنع مطلقا ، نقله ابن العربي عن أبي حنيفة ، وشنع عليه بغير وجه ، قال بعضهم : لأن مذهبه هو الذي ذكره الطحاوي ، وغيره الجواز بغير الحاجة إلا أنه قال : إن وقع ذلك يضمن ما نقص منها بركوبه ، وقيل : ضمان النقص وافق عليه الشافعية في الهدي الواجب كالنذر . ( قلت ) : الذي نقله الطحاوي وغيره أن مذهب أبي حنيفة ما ذكره صاحب الهداية ، وقد ذكرناه .

السادس : وجوب الركوب ، نقله ابن عبد البر عن بعض أهل الظاهر تمسكا بظاهر الأمر ولمخالفة ما كانوا عليه في الجاهلية من البحيرة والسائبة ، وفي الاستذكار كره مالك وأبو حنيفة والشافعي وأكثر الفقهاء شرب لبن الناقة بعد ري فصيلها ، وقال أبو حنيفة والشافعي : إن نقصها الركوب والشرب فعليه قيمة ذلك ، وقال مالك : لا يشرب من لبنها ، فإن شرب لم يغرم ، وكذا إن ركب للحاجة لا يغرم شيئا . واختلف المجيزون هل يحمل عليها متاعه ؟ فمنعه مالك - رضي الله تعالى عنه - وأجازه الجمهور ، وكذا إن حمل عليها غيره أجازه الجمهور على التفصيل المذكور . ويجوز في الهدي الأنثى والذكر ، وإليه ذهب مالك ، وقال ابن التين : إنه لا يهدي إلا الإناث ، نقله عن الشافعي ، وفي التوضيح يجوز إهداء الذكر والأنثى من الإبل ، وهو مذهبنا وقول جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم ؛ لأن الهدي جهة من جهات القرب ، فلم يختص بالذكور ولا الإناث كالضحايا ، وفيه من العلم تكرير العالم الفتوى وتوبيخ من لا يأتم بها وزجره .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث