باب من ساق البدن معه
( باب من ساق البدن معه ) 274 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن عقيل ، عن ابن شهاب ، عن سالم ج١٠ / ص٣١ابن عبد الله أن ابن عمر رضي الله عنهما قال : تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج وأهدى ، فساق معه الهدي من ذي الحليفة ، وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج فتمتع الناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - بالعمرة إلى الحج ، فكان من الناس من أهدي فساق الهدي ، ومنهم من لم يهد ، فلما قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة قال للناس : من كان منكم أهدى فإنه لا يحل لشيء حرم منه حتى يقضي حجه ، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ، ثم ليهل بالحج ، فمن لم يجد هديا فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله ، فطاف حين قدم مكة واستلم الركن أول شيء ، ثم خب ثلاثة أطواف ومشى أربعا ، فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين ، ثم سلم فانصرف ، فأتى الصفا فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف ، ثم لم يحلل من شيء حرم منه حتى قضى ونحر هديه يوم النحر وأفاض ، فطاف بالبيت ثم حل من كل شيء حرم منه ، وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهدى وساق الهدي من الناس . مطابقته للترجمة في قوله : " فساق معه الهدي " .
( ذكر رجاله ) : وهم ستة كلهم قد ذكروا غير مرة ، والليث هو ابن سعد ، وعقيل بضم العين ابن خالد ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع واحد . قوله : " عن عقيل " ، وفي رواية مسلم من طريق شعيب بن الليث ، عن أبيه : حدثني عقيل ، وفيه أن شيخه يحيى بن بكير هو يحيى بن عبد الله بن بكير أبو زكرياء المخزومي المصري ، وفيه أن الليث أيضا مصري وعقيل أيلي وابن شهاب وسالم مدنيان .
( ذكر من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم وأبو داود جميعا في الحج أيضا ، عن عبد الملك بن شعيب بن الليث ، عن أبيه ، عن جده به ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن عبد الله بن المبارك المخزومي ، عن حجين بن المثنى ، عن الليث به . ( ذكر معناه ) : قوله : " تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج " قال المهلب : معناه أمر بذلك كما تقول : رجم ولم يرجم ؛ لأنه كان ينكر على أنس قوله : " إنه قرن " ويقول : بل كان مفردا ، وأما قوله : وبدأ بالعمرة فمعناه أمرهم بالتمتع ، وهو أن يهلوا بالعمرة أولا ويقدموها قبل الحج قال : ولا بد من هذا التأويل لدفع التناقض عن ابن عمر رضي الله عنهما ، قيل : هذا التأويل من أبعد التأويلات والاستشهاد عليه بقوله رجم ، وإنما أمر بالرجم من أوهن الاستشهادات ؛ لأن الرجم وظيفة الإمام ، فالذي يتولاه إنما يتولاه نيابة عنه ، وأما أعمال الحج من إفراد وقران وتمتع ، فإنه وظيفة كل أحد عن نفسه ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون معنى قوله : تمتع ، محمولا على مدلوله اللغوي ، وهو الانتفاع بإسقاط عمل العمرة والخروج إلى ميقاتها ، انتهى . ( قلت ) : كل هذا الذي ذكر لا يشفي العليل ولا يروي الغليل ، بل الأوجه هنا ما قاله النووي ، وهو أن معنى تمتع أنه - صلى الله عليه وسلم - أحرم بالحج مفردا ، ثم أحرم بالعمرة فصار قارنا في آخر عمرة ، والقارن هو متمتع من حيث اللغة ومن حيث المعنى ؛ لأنه ترفه باتحاد الميقات والإحرام والفعل جمعا بين الأحاديث ، وأما لفظ فأهل بالعمرة ، ثم أهل بالحج فهو محمول على التلبية في أثناء الإحرام ، وليس المراد أنه أحرم أول مرة بالعمرة ، ثم أحرم بالحج ؛ لأنه يؤدي إلى مخالفة الأحاديث الأخر ، ويؤيد هذا التأويل لفظ : وتمتع الناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعلوم أنهم أحرموا أولا بالحج مفردا ، وإنما فسخوا إلى العمرة آخرا وصاروا متمتعين .
وقوله : " فتمتع الناس " يعني في آخر أمرهم . ( قلت ) : هذا الحديث أخرجه البيهقي في سننه الكبرى من حديث الليث ، عن عقيل إلى آخره نحوه ، ثم قال : وقد روينا عن عائشة وابن عمر ما يعارض هذا ، وهو الإفراد وحيث لم يتحلل ج١٠ / ص٣٢من إحرامه إلى آخر شيء ، ففيه دلالة على أنه لم يكن متمتعا . ( قلت ) : هذا لا يرد على فقهاء الكوفة ؛ لأن عندهم المتمتع إذا أهدى لا يتحلل حتى يفرغ من حجه ، وهذا الحديث أيضا ينفي كونه مفردا ؛ لأن الهدي لا يمنع المفرد من الإحلال ، فهو حجة على البيهقي .
وفي الاستذكار : لا يصح عندنا أن يكون متمتعا إلا تمتع قران ؛ لأنه لا خلاف بين العلماء أنه - - صلى الله عليه وسلم - لم يتحلل من عمرته وأقام محرما من أجل هديه ، وهذا حكم القارن لا المتمتع ، وفي شرح الموطأ لأبي الحسن الإشبيلي : ولا يصح عندي أن يكون - صلى الله تعالى عليه وسلم - متمتعا إلا تمتع قران ؛ لأنه لا خلاف أنه لم يحل من عمرته حتى أمر أصحابه أن يحلوا ويفسخوا حجهم في عمرة ، وفسخ الحج في العمرة خص به أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يجوز اليوم أن يفعل ذلك عند أكثر الصحابة وغيرهم ؛ لقوله تعالى : وَأَتِمُّوا الْحَجَّ يعني لمن دخل فيه ، وما أعلم من الصحابة من يجيز ذلك إلا ابن عباس ، وتابعه أحمد وداود دون سائر الفقهاء ، وقد مر الكلام فيه مستقصى في باب التمتع والقران . قوله : " فساق معه الهدي من ذي الحليفة " ، وهو الميقات ، قوله : " وبدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأهل بالحج " قال ابن بطال : إنما يريد أنه بدأ حين أمرهم بالتمتع أن يهلوا بالعمرة أول ويقدموها قبل الحج ، وأن ينشئوا الحج بعدها إذا حلوا منها ، قوله : " وبالصفا والمروة " ظاهر في وجوب السعي ، قوله : " فتمتع الناس مع النبي - صلى الله عليه وسلم - " ، أي : بحضرته ، قوله : " وليقصر " على صورة أمر الغائب وكذا في رواية مسلم ، وفي رواية أبي ذر " ويقصر " على صورة المضارع ، وقال الكرماني بالرفع والجزم . ( قلت ) : وجه الرفع أن يكون المضارع على أصله لتجرده عن النواسخ ، والتقدير : وبعد الطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة يقصر من التقصير ، وهو أخذ بعض شعر رأسه ، ووجه الجزم أن يكون عطفا على المجزوم قبله ، ويكون في التقدير وليقصر .
وقال الكرماني : لم خصص التقصير ، والحلق جائز بل أفضل ؟ وأجاب بأنه أمره بذلك ليبقى له شعر يحلقه في الحج ، فإن الحلق في تحلل الحج أفضل منه في تحلل العمرة . قوله : " وليحلل " صورته أمر ومعناه الخبر ، يعني صار حلالا ، فله فعل كل ما كان محظورا عليه في الإحرام ، قوله : " ثم ليهل بالحج " ، أي : بعد تقصيره وتحلله يحرم بالحج ، وإنما أتى بلفظ ثم الدال على التراخي ؛ ليدل على أنه لا يلزم أن يهل بالحج عقيب إحلاله من العمرة ، قوله : " فمن لم يجد هديا " ، أي : لم يجده هناك إما لعدم الهدي ، وإما لعدم ثمنه ، وإما لكونه يباع بأكثر من ثمن المثل ، قوله : " فليصم ثلاثة أيام في الحج " ، وهو اليوم السابع من ذي الحجة والثامن والتاسع . قوله : " وسبعة " أي وليصم سبعة أيام إذا رجع إلى أهله ، وبظاهره أخذ الشافعي ؛ لأن المراد حقيقة الرجوع ، وقال أصحابنا في قوله تعالى : وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ معناه إذا فرغتم من أفعال الحج ، والفراغ سبب الرجوع ، فأطلق المسبب على السبب ، فلو صام هذه السبعة بمكة فإنه يجوز عندنا ، وقال الشافعي : لا يجوز إلا أن ينوي الإقامة بها ، فإن لم يصم الثلاثة في الحج إلى يوم النحر تعين الدم ، فلا يجوز أن يصوم الثلاثة ولا السبعة بعدها ، وقال الشافعي : يصوم الثلاثة بعد هذه الأيام ، يعني أيام التشريق .
وقال مالك : يصومها في هذه الأيام ، قلنا : النهي المعروف عن صوم هذه الأيام ، ولا يؤدى بعدها أيضا ؛ لأن الهدي أصل ، وقد نقل حكمه إلى بدل موصوف بصفة وقد فاتت ، فعاد الحكم إلى الأصل ، وهو الهدي ، وفي شرح الموطأ للإشبيلي : ووقت هذا الصوم من حين يحرم بالحج إلى آخر أيام التشريق ، والاختيار تقديمه في أول الإحرام ، رواه ابن الجلاب ، وإنما اختار تقديمه لتعجيل إبراء الذمة ، ولأنه وقت متفق على جواز الصوم فيه ، فإن فاته ذلك قبل يوم النحر صامه أيام منى ، فإن لم يصم أيام منى صام بعدها ، قاله علي وابن عمر وعائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم وبه قال الشافعي ، وروي عن عطاء بن أبي رباح أنه أجاز للمتمتع أن يصوم في العشر وهو حلال ، وقال مجاهد وطاوس : إذا صامهن في أشهر الحج أجزأه ، وهذان القولان شاذان . وقال أبو بكر الجصاص في أحكام القرآن : اختلف السلف فيمن لم يجد الهدي ولم يصم الأيام الثلاثة قبل يوم النحر ، فقال عمر بن الخطاب وابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم وطاوس رضي الله تعالى عنهم : لا يجزئه إلا الهدي ، وهو قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد ، وقال ابن عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهما : يصوم أيام منى ، وهو قول مالك ، وقال علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - : يصوم بعد أيام التشريق ، وهو قول الشافعي ، انتهى . ( فإن قلت ) : روى البخاري في كتاب الصوم من حديث الزهري ، عن عروة ، عن عائشة ، وعن سالم ، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا : لم ج١٠ / ص٣٣يرخص في أيام التشريق أن يضمن إلا لمن لم يجد الهدي ، وروى الطحاوي من حديث الزهري ، عن سالم ، عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في المتمتع إذا لم يجد الهدي ولم يصم في العشر : إنه يصوم أيام التشريق .
ورواه البيهقي أيضا في سننه . ( قلت ) : روي عن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنه - صلى الله عليه وسلم - قال : إن هذه الأيام أيام أكل وشرب ، وأراد بهذه الأيام أيام التشريق ،
منهم علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخرج حديثه الطحاوي بإسناد حسن عنه أنه قال : خرج منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أيام التشريق فقال : إن هذه الأيام أيام وأكل وشرب ،وقد أخرج الطحاوي أحاديث نهي الصوم في أيام التشريق عن ستة عشر نفسا من الصحابة ، ذكرناهم في شرحنا لمعاني الآثار للطحاوي ، وقال الطحاوي : لما ثبت بهذه الآثار عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - النهي عن صيام أيام التشريق ، وكان نهيه عن ذلك بمنى والحاج مقيمون بها وفيهم المتمتعون والقارنون ، ولم يستثن منهم متمتعا ولا قارنا ، دخل فيه المتمتعون والقارنون في ذلك النهي ،
وأما فهو ضعيف ، وفي سنده يحيى بن سلام نزيل مصر ، قال الدارقطني : ضعيف ، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ، فيه مقال ، وذكر الطحاوي عن شعبة أن حديث يحيى بن سلام حديث منكر لا يثبته أهل العلم بالرواية ؛ لضعف يحيى بن سلام وابن أبي ليلى وسوء حفظهما. قوله : " فطاف حين قدم مكة " ، أي : فطاف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصرح به هكذا في صحيح مسلم ، قوله : " واستلم الركن أول شيء " ، أي : استلم الحجر الأسود أول ما قدم قبل أن يبتدئ بشيء ، قوله : " ثم خب " بفتح الخاء المعجمة وتشديد الباء الموحدة ، أي : أسرع في الثلاثة ؛ الأول من الأطواف ورمل ، قوله : " ومشى أربعا " ، أي : أربع مرات أراد أنه لم يرمل في بقية الأطواف وهي الأربعة ، قوله : " فركع حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين " ، أي : لما فرغ من أطوافه السبعة صلى عند مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام ركعتين ، وقضى بمعنى أدى ، وركعتين منصوب بقوله فركع ، قوله : " ثم سلم " ، أي : عقيب الركعتين فانصرف وأتى الصفا .
فظاهر الكلام أنه حين فرغ من الركعتين توجه إلى الصفا ولم يشتغل بشيء آخر ، وحديث جابر الطويل عند مسلم " ثم رجع إلى الحجر فاستلمه ، ثم خرج من باب الصفا " ، قوله : " حين قضى حجه " ، أي : بالوقوف بعرفة ؛ لأنه من أركان الحج وبرمي الجمرات ونحره هديه يوم النحر ، قوله : " وأفاض " ، أي : بعد الإتيان بهذه الأفعال أفاض إلى البيت ، فطاف به طواف الإفاضة ، قوله : " وفعل مثل ما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " كلمة ما مصدرية ، أي : مثل فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفاعل فعل هو قوله : " من أهدى " يعني ممن كان مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وساق الهدي ، وكلمة من في من الناس للتبعيض ؛ لأن كل من كانوا لم يسوقوا الهدي ، وقائل هذا الكلام أعني قوله : وفعل إلى آخره ، هو عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وقال بعضهم : وأغرب الكرماني فشرحه على أن فاعل فعل هو ابن عمر راوي الخبر . ( قلت ) : لم يشرح الكرماني بهذا الشرح إلا بناء على النسخة التي فيها باب من أهدى وساق الهدي على ما نذكره الآن ، ولهذا قال : والصحيح هو الأول : يعني أن فاعل فعل هو قوله : " من أهدى " .