باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن
( باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن ) 291 - حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت : سمعت عائشة - رضي الله عنها - تقول : خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لخمس بقين من ذي القعدة ، لا نرى إلا الحج ، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من لم يكن معه هدي إذا ج١٠ / ص٤٧طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل ، قالت : فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر ، فقلت : ما هذا ؟ قال : نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه ، قال يحيى : فذكرته للقاسم فقال : أتتك بالحديث على وجهه . قيل : لا مطابقة بين الحديث والترجمة ؛ لأن الترجمة بالذبح ، والحديث بلفظ النحر ، وأجيب بأنه أشار بلفظ الذبح إلى ما ورد في بعض طرق الحديث بلفظ الذبح ، وسيأتي هذا بعد سبعة أبواب في باب ما يأكل من البدن وما يتصدق ، وللعلماء فيه خلاف سيأتي إن شاء الله تعالى .
( ذكر رجاله ) : وهم خمسة قد تكرر ذكرهم ، ويحيى بن سعيد الأنصاري وعمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية . ( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع واحد ، وفيه الإخبار كذلك ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضعين ، وفيه أن رجاله مدنيون ما خلا شيخ البخاري فإنه تنيسي ، وهو أيضا من أفراده ، وفيه رواية التابعي عن التابعية ، عن الصحابية ، وفيه عن عمرة ، وفي رواية سليمان بن بلال ، عن يحيى حدثتني عمرة ، وسيأتي إن شاء الله تعالى . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الجهاد ، عن القعنبي ، عن مالك ، وفي الحج أيضا ، عن خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، وأخرجه مسلم في الحج أيضا ، عن القعنبي ، عن سليمان بن بلال وعن محمد بن أبي المثنى وعن ابن أبي عمر ، وأخرجه النسائي فيه عن محمد بن سلمة والحارث بن مسكين وعن عمرو بن علي وعن هناد .
( ذكر معناه ) : قوله : " لخمس بقين " كذا قالته عائشة ؛ لأنها حدثت بذلك بعد أن انقضى الشهر ، فإن كان في الشهر فالصواب أن تقول لخمس إن بقين ؛ لأنه لا يدرى الشهر كامل أو ناقص ، قوله : " من ذي القعدة " بفتح القاف وكسرها سمي بذلك ؛ لأنهم كانوا يقعدون فيه عن القتال ، قوله : " لا نرى " بضم النون وفتح الراء ، أي : لا نظن إلا الحج ، وهذا يحتمل أن تريد حين خروجهم من المدينة قبل الإهلال ، ويحتمل أن تريد : إن إحرام من أحرم منهم بالعمرة لا يحل حتى يردف الحج ، فيكون العمل لهما جميعا والإهلال منهما ، ولا يصح إرادتها أن كلهم أحرم بالحج لحديثها الآخر من رواية عمرة عنها : فمنا من أهل بالحج ، ومنا من أهل بعمرة ، ومنا من أهل بهما ، وقيل : لا نرى إلا الحج ، أي : لم يقع في أنفسهم إلا ذلك ، وقال الداودي : وفيه دليل أنهم أهلوا منتظرين وترد عليه رواية : " لا نذكر إلا الحج " ، قوله : " أن يحل " بكسر الحاء ، أي : يصير حلالا بأن يتمتع ، وأما من معه الهدي ، فلا يتحلل حتى يبلغ الهدي ، قوله : " فدخل علينا " على صيغة المجهول بضم الدال ، قوله : " يوم النحر " بالنصب على الظرفية ، أي : في يوم النحر ، قوله : " نحر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أزواجه " مقتضاه نحر البقر ، قوله : " فقال أتتك " ، أي : قال القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم : أتتك عمرة - رضي الله تعالى عنها - بالحديث الذي حدثته على وجهه ، يعني ساقته لك سياقا تاما لم تختصر منه شيئا ولا غيرته بتأويل ولا غيره ، فذكرت ابتداء الإحرام وانتهاءه حتى وصلوا إلى مكة ، وفيه تصديق لعمرة وإخبار عن حفظها وضبطها . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه أن نحر البقر جائز عند العلماء إلا أن الذبح مستحب عندهم ، لقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً وخالف الحسن بن صالح فاستحب نحرها ، وقال مالك : إن ذبح الجزور من غير ضرورة أو نحر الشاة من غير ضرورة لم تؤكل ، وكان مجاهد يستحب نحر البقر . ( قلت ) : الحديث ورد بلفظ النحر كما هاهنا ، وورد أيضا بلفظ الذبح وعليه ترجم البخاري على ما يأتي إن شاء الله تعالى ، قيل : يجوز أن يكون الراوي لما استوى الأمران عنده عبر مرة بالنحر ومرة بالذبح ، وفي رواية : ضحى ، قال ابن التين : فإن يكن هدايا فهو أصل مذهب مالك ، وإن يكن ضحايا فيحتمل أن تكون واجبة كوجوب ضحايا غير الحاج ، وقال القدوري : المستحب في الإبل النحر ، فإن ذبحها جاز ويكره ، وإنما يكره فعله لا المذبوح ، والذبح هو قطع العروق التي في أعلى العنق تحت اللحيين ، والنحر يكون في اللبة كما أن الذبح يكون في الحلق .
وفيه احتجاج جماعة من العلماء في جواز الاشتراك في هدي التمتع والقران ، ومنعه مالك ، قال ابن بطال : ولا حجة لمن خالفه في هذا الحديث ج١٠ / ص٤٨لأن قوله : " نحر عن أزواجه البقر " يحتمل أن يكون نحر عن كل واحدة منهن بقرة ، قال : وهذا غير مدفوع في التأويل ، ورد بأنه يدفعه رواية عروة ، " عن عائشة : ذبح رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - عمن اعتمر من نسائه بقرة " ذكره ابن عبد البر من حديث الأوزاعي ، عن الزهري ، عن عروة ، وفي الصحيحين من حديث جابر " ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن نسائه بقرة يوم النحر " ، وفي رواية " بقرة " في حجته ، وفي رواية " ذبحها عن نسائه " ،
وفي صحيح الحاكم على شرط الشيخين من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة : " ذبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمن اعتمر من نسائه في حجة الوداع بقرة بينهن "، وقال ابن بطال : ( فإن قيل ) : إنما نحر البقرة عنهن على حسب ما أتى عنه في الحديبية أنه نحر البقرة عن سبعة ، والبدنة عن سبعة . قيل : هذه دعوى لا دليل عليها ؛ لأن نحره في الحديبية كان عندنا تطوعا ، والاشتراك في هدي التطوع جائز على رواية ابن عبد الحكم عن مالك ، والهدي في حديث عائشة واجب ، والاشتراك ممتنع في الهدي الواجب ، فالحديثان مستعملان عندنا على هذا التأويل ،
وقال القاضي إسماعيل : وأما رواية يونس ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم - نحر عن أزواجه بقرة واحدة ، فإن يونس انفرد به وحده وخالفه مالك فأرسله ، ورواه القاسم وعمرة عن عائشة - رضي الله تعالى عنها - أنه - صلى الله عليه وسلم - نحر عن أزواجه البقر ، وحدثنا بذلك أبو مصعب ، عن مالك ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، وحدثنا به القعنبي ، عن سليمان بن بلال ، عن يحيى ، عن عمرة عنها، انتهى . واعلم أن الشاة لا تجزئ إلا عن واحد ، وأنها أقل ما يجب ، وذكر بعض شراح الهداية أنه إجماع ، وقال السكاكي : وقال مالك وأحمد والليث والأوزاعي : تجوز الشاة عن أهل بيت واحد ، وكذا بقرة أو بدنة ، والبدنة تجزئ عن سبعة إذا كانوا يريدون بها وجه الله ، وكذا البقرة وإن كان أحدهم يريد الأكل لم يجز عن الكل ، وكذا لو كان نصيب أحدهم أقل من السبع ، ويستوي الجواب إذا كان الكل من جنس واحد أو من أجناس مختلفة ، أحدهم يريد جزاء الصيد والآخر هدي المتعة والآخر الأضحية بعد أن يكون الكل لوجه الله تعالى ، وهذا استحسان والقياس أن لا يجوز وبه قال زفر رحمه الله تعالى ، وفيه ما قاله الداودي ، وهو النحر عمن لم يأمر ، فإن الإنسان يدركه ما عمل عنه بغير أمره ، وأن معنى قوله تعالى : وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنْسَانِ إِلا مَا سَعَى أي : لا يكون له ما سعاه غيره لنفسه ، وقد قال تعالى : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ مع قوله : لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ فخرج هذا عموما يراد به الخصوص ، ثم بينه بقوله : وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ وبقوله : إِلا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا وبقوله : مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ فليس للإنسان إلا ما سعى أو سعى له .