باب إذا رمى بعد ما أمسى أو حلق قبل أن يذبح ناسيا أو جاهلا
حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا وهيب قال : حدثنا ابن طاوس ، عن أبيه ، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير فقال : لا حرج . مطابقته للترجمة ظاهرة لأنها في التقديم والتأخير والحديث كذلك فيهما . ( فإن قلت ) : قيد في الترجمة كونه ناسيا أو جاهلا وليس في الحديث ذلك .
( قلت ) : جاء في حديث عبد الله بن عمرو ذلك وهو الذي ذكره في الباب الذي يليه بقوله فقال رجل : لم أشعر فحلقت قبل أن أذبح ، قال : اذبح ولا حرج ، فجاء آخر فقال : لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي ، قال : ارم ولا حرج الحديث . فإن قوله لم أشعر يقتضي عدم الشعور وهو أعم من أن يكون بجهل أو بنسيان فكأنه أشار إلى ذلك لأن أصل الحديث واحد وإن كان المخرج متعددا . ورجال الحديث المذكور قد ذكروا غير مرة ، ووهيب بالتصغير هو ابن خالد البصري ، وابن طاوس هو عبد الله بن طاوس .
وأخرجه مسلم في الحج أيضا عن محمد بن حاتم عن بهز بن أسد ، وأخرجه النسائي فيه عن عمرو بن منصور عن المعلى بن أسد كلاهما عن وهيب به . قوله : والتقديم أي تقديم بعض هذه الأشياء الثلاثة على بعض وتأخيرها عنه . قوله : فقال أي قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا حرج أي لا إثم فيه ، وقال الطحاوي ما ملخصه إن هذا القول له احتمالان : أحدهما : أنه يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أباح ذلك له توسعة وترفيها في حقه فيكون للحاج أن يقدم ما شاء ويؤخر ما شاء .
والآخر : أنه يحتمل أن يكون قوله صلى الله عليه وسلم لا حرج معناه لا إثم عليكم فيما فعلتموه من هذا لأنكم فعلتموه على الجهل منكم لا على القصد منكم خلاف السنة ، وكانت السنة خلاف هذا ، والحكم على الاحتمال الثاني وهو أنه صلى الله عليه وسلم أسقط عنهم الحرج وأعذرهم لأجل النسيان وعدم العلم ، لا أنه أباح لهم ذاك حتى إن لهم أن يفعلوا ذلك في العمد ، والدليل على ذلك ما رواه أبو سعيد الخدري قال : سئل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وهو بين الجمرتين عن رجل حلق قبل أن يرمي ، قال : لا حرج ، وعن رجل ذبح قبل أن يرمي ، قال : لا حرج ثم قال : عباد الله وضع الله عز وجل الضيق والحرج ، وتعلموا مناسككم فإنها من دينكم . فدل ذلك على أن الحرج الذي رفعه الله عز وجل عنهم إنما كان لجهلهم بأمر المناسك لا لغير ذلك وذلك لأن السائلين كانوا أناسا أعرابا لا علم لهم بالمناسك ، فأجابهم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله : لا حرج يعني فيما فعلتم بالجهل ، لا أنه أباح لهم ذلك فيما بعد ، ونفي الحرج لا يستلزم نفي وجوب القضاء أو الفدية ، فإذا كان كذلك فمن فعل ذلك فعليه دم والله أعلم . وقال بعضهم وتعقب بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل ولو كان واجبا لبينه صلى الله عليه وسلم حينئذ لأنه وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره .
( قلت ) : الإثم دليل أقوى من قوله تعالى وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ وبه احتج النخعي فقال : فمن حلق قبل الذبح أهراق دما . رواه ابن أبي شيبة عنه بسند صحيح ، وقال هذا القائل أجيب بأن المراد ببلوغ محله وصوله إلى الموضع الذي يحل ذبحه فيه ، فقد حصل ، وإنما يتم المراد أن لو قال : ولا تحلقوا حتى تنحروا انتهى . ( قلت ) : ليس المراد الكلي مجرد البلوغ إلى المحل الذي يذبح فيه ، بل المقصد الكلي الذبح ، ولهذا لو بلغ ولم يذبح يجب عليه الفدية ، وقال هذا القائل أيضا واحتج الطحاوي أيضا بقول ابن عباس : من قدم شيئا من نسكه أو أخره فليهرق لذلك دما ، قال : وهو أحد من روى أن لا حرج ، فدل على أن المراد بنفي الحرج نفي الإثم فقط ، أجيب بأن الطريق بذلك إلى ابن عباس فيها ضعف ، فإن ابن أبي شيبة أخرجها وفيها إبراهيم بن مهاجر ، وفيه مقال انتهى .
( قلت ) : لا نسلم ذلك فإن إبراهيم بن مهاجر روى له مسلم ، وفي الكمال روى له الجماعة إلا البخاري ، وروى عنه مثل الثوري وشعبة بن الحجاج والأعمش وآخرون ، فلا اعتبار لذكر ابن الجوزي إياه في الضعفاء ، ولئن سلمنا ما ادعاه هذا القائل في هذا الطريق ، فقد رواه الطحاوي من طريق آخر ليس فيه كلام ، فقال : حدثنا نصر بن مرزوق قال : حدثنا الخصيب قال : حدثنا وهيب ، عن أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله ، وأخرجه ابن أبي شيبة عن جرير عن منصور عن سعيد بن جبير عن ابن عباس نحوه .