باب رمي الجمار بسبع حصيات
حدثنا حفص بن عمر قال : حدثنا شعبة ، عن الحكم ، عن إبراهيم ، عن عبد الرحمن بن يزيد ، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى جعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، ورمى بسبع ، وقال : هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة صلى الله عليه وسلم . مطابقته للترجمة ظاهرة . ورجاله قد ذكروا غير مرة ، والحكم بفتحتين هو ابن عيينة بضم العين وفتح التاء المثناة من فوق وسكون الياء آخر الحروف وفتح الباء الموحدة ، ووقع في بعض النسخ مذكورا عن الحكم بن عتيبة ، وإبراهيم هو النخعي .
قوله : إلى الجمرة الكبرى هي جمرة العقبة آخر الجمرات الثلاث بالنسبة إلى المتوجه من منى إلى مكة . قوله : ومنى عن يمينه أي وجعل منى عن يمينه . قوله : ورمى بسبع أي بسبع حصيات .
ويستفاد منه أن رمي الجمرة لا بد أن يكون بسبع حصيات ، وهو قول أكثر العلماء ، وذهب عطاء إلى أنه إن رمى بخمس أجزأه ، وقال مجاهد : إن رمى بست فلا شيء عليه ، وبه قال أحمد ، وإسحاق ، واحتج من قال بذلك بما رواه النسائي من حديث سعد بن مالك رضي الله عنه قال : رجعنا في الحجة مع النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم ، وبعضنا يقول : رميت بست حصيات ، وبعضنا يقول : رميت بسبع ، فلم يعب بعضنا على بعض . وروى أبو داود ، والنسائي أيضا من رواية أبي مجلز قال : سألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن شيء من أمر الجمار ، فقال : ما أدري رماها رسول الله صلى الله عليه وسلم بست أو سبع ، والصحيح الذي عليه الجمهور أن الواجب سبع كما صحح من حديث ابن مسعود ، وجابر ، وابن عباس ، وابن عمر ، وغيرهم ، وأجيب عن حديث سعد بأنه ليس بمسند ، وعن حديث ابن عباس أنه ورد على الشك من ابن عباس ، وشك الشاك لا يقدح في جزم الجازم فإنه رماها بأقل من سبع حصيات ، فذهب الجمهور فيما حكاه القاضي عياض إلى أن عليه دما ، وهو قول مالك ، والأوزاعي ، وذهب الشافعي ، وأبو ثور إلى أن على تارك حصاة مدا من طعام ، وفي اثنتين مدين ، وفي ثلاث فأكثر دما ، وللشافعي قول آخر أن في الحصاة ثلث دم ، وله قول آخر أن في الحصاة درهما . وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه إن ترك أكثر من نصف الجمرات الثلاث فعليه دم ، وإن ترك أقل من نصفها ففي كل حصاة نصف صاع ، وعن طاوس إن رمى ستا يطعم تمرة أو لقمة ، وذكر الطبري عن بعضهم أنه لو ترك رمي جميعهن بعد أن يكبر عند كل جمرة سبع تكبيرات أجزأه ذلك ، وقال : إنما جعل الرمي في ذلك بالحصى سببا لحفظ التكبيرات السبع كما جعل عقد الأصابع بالتسبيح سببا لحفظ العدد ، وذكر عن يحيى بن سعيد أنه سئل عن الخرز والنوى يسبح به ، قال : حسن قد كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول : إنما الحصى للجمار ليحفظ به التكبيرات ، وقال الحكم ، وحماد : من نسي جمرة أو جمرتين أو حصاتين يهريق دما ، وقال عطاء : من نسي شيئا من رمي الجمار فذكر ليلا أو نهارا فيلزم ما نسي ، ولا شيء عليه ، وإن مضت أيام التشريق فعليه دم ، وهو قول الأوزاعي ، وقال مالك : إن نسي حصاة من الجمرة حتى ذهبت أيام الرمي ذبح شاة ، وإن نسي جمرة تامة ذبح بقرة .
واختلفوا فيمن رمى سبع حصيات في كل مرة واحدة ، فقال مالك ، والشافعي : لا يجزيه إلا عن حصاة واحدة ، ويرمي بعدها ستا ، وقال عطاء : تجزيه عن السبع ، وهو قول أبي حنيفة كما في سياط الحد سوطا سوطا ومجتمعة إذا علم وصول الكل إلى بدنه ، هذا الذي ذكر عن أبي حنيفة ذكره صاحب التوضيح ، وذكر في المحيط : ولو رمى إحدى الجمار بسبع حصيات رمية واحدة فهي بمنزلة حصاة ، وكان عليه أن يرمي ست مرات . ( قلت ) : العمدة في النقل عن صاحب مذهب من المذاهب على نقل صاحب من أصحاب ذلك المذهب . ومن فوائده أنه يرمي الجمرة وهو يجعل البيت عن يساره ، ومنى عن يمينه ، وهو أحد الوجوه للشافعية ، وقال النووي : هو الصحيح من مذهبنا ، قال : وبه قال جمهور العلماء ، وفي وجه أنه يستدبر القبلة ، ويستقبل الجمرة مما يلي مكة ، وتكون منى أيضا أمامه ، وبه قطع الشيخ أبو حامد ، وفي وجه يستقبل القبلة ، ويجعل الجمرة على يمينه ، ومنى خلف ظهره ، ومنها أنه لا بد من مسمى الرمي ، وأنه لا يكفي الوضع ، وهو كذلك عند الجمهور ، وحكى القاضي عياض عن المالكية أن الطرح والوضع لا يجزئ ، قال : وقال أصحاب الرأي : يجزئ الطرح ، ولا يجزء الوضع ، قال : ووافقنا أبو ثور إلا أنه قال : إن كان يسمي الطرح رميا أجزأه ، وحكى إمام الحرمين أيضا عن بعض أصحاب الشافعي أنه يكفي الوضع .
( قلت ) : قال صاحب المحيط : وضع الحصاة لا يجزيه عن الرمي ، ويجزيه طرحها لأنه رمى حقيقة . ومنها أن المراد بسبع جمرات ، وهي الحصيات ، وقال أصحابنا : يجوز الرمي بكل ما كان من جنس الأرض كالحجر ، والمدر ، والمراد السبج ، وكسر الآجر ، ولا يجوز بما ليس من جنس الأرض كالذهب ، والفضة ، واللؤلؤ ، والعنبر ، وذهب داود إلى جوازه بكل شيء حتى بالبعرة ، والعصفور الميت ، وقال ابن المبارك : لا يجوز إلا بالحصى ، وقال أحمد : لا يجوز بالحجر الكبير .