باب أجر العمرة على قدر النصب
حدثنا مسدد قال : حدثنا يزيد بن زريع قال : حدثنا ابن عون ، عن القاسم بن محمد ، وعن ابن عون ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، قالا : قالت عائشة رضي الله عنها : يا رسول الله ، يصدر الناس بنسكين ، وأصدر بنسك ؟ فقيل لها : انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي ثم ائتينا بمكان كذا وكذا ، ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك . مطابقته للترجمة في آخر الحديث ، وأخرجه من طريقين ، أحدهما عن مسدد عن يزيد بن زريع العبسي البصري ، عن عبد الله بن عون بن أرطبان البصري ، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق ، عن عائشة ، والآخر عن مسدد عن يزيد بن زريع ، عن عبد الله بن عون عن إبراهيم النخعي ، عن الأسود النخعي ، عن عائشة ، وأخرجه مسلم ، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال : حدثنا ابن علية عن ابن عون ، عن إبراهيم عن الأسود ، عن أم المؤمنين ، وعن القاسم عن أم المؤمنين قالت : قلت : يا رسول الله ، يصدر الناس بنسكين ، وأصدر بنسك واحد ؟ قال : انتظري فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم فأهلي منه ثم القينا عند كذا وكذا - قال : أظنه قال غدا - ولكنها على قدر نصبك أو نفقتك . وحدثنا ابن المثنى قال : حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون ، عن القاسم ، وإبراهيم ، قال : لا أعرف حديث أحدهما من الآخر ، إن أم المؤمنين قالت : يا رسول الله ، يصدر الناس بنسكين ، فذكر الحديث ، وأخرجه النسائي في الحج أيضا عن أحمد بن منيع عن إسماعيل بن علية عنه بالإسنادين جميعا عن أم المؤمنين ، وقال : لا أحفظ حديث هذا من حديث هذا ، وعن الحسن بن محمد الزعفراني عن حسين بن حسن عن ابن عون ، عن القاسم ، وإبراهيم ، كلاهما عن أم المؤمنين ، ولم يذكر الأسود .
قوله : قالا أي القاسم والأسود . قوله : يصدر الناس أي يرجع الناس من الصدور ، وهو الرجوع ، وفعله من باب نصر ينصر . قوله : بنسكين أي بحجة وعمرة .
قوله : وأصدر بنسك أي وأرجع أنا بحجة . قوله : فقيل لها أي لعائشة ، ويروى فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : فإذا طهرت بضم الهاء وفتحها .
قوله : ثم ائتينا بصيغة المؤنث من الإتيان ، وفي رواية مسلم ثم القينا كما مر . قوله : بمكان كذا وكذا وأراد به الأبطح ، وفي رواية الإسماعيلي بحبل كذا بالحاء والباء الموحدة ، ورواية غيره بالجيم . قوله : ولكنها أي ولكن عمرتك على قدر نفقتك أو نصبك ، أي أو على قدر نصبك أي تعبك ، وكلمة أو إما للتنويع في كلام الرسول صلى الله عليه وسلم ، أو شك من الراوي ، وقد روي فيه ما يدل على كل واحد من النوعين ، فيدل على أنها للشك ما رواه الإسماعيلي أيضا من طريق أحمد بن منيع عن إسماعيل على قدر نصبك أو على قدر تعبك ، وفي رواية له من طريق حسين بن حسن على قدر نفقتك أو نصبك أو كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ، ويدل على أنها للتنويع ما رواه الدارقطني والحاكم من طريق هشيم عن ابن عون بلفظ إن لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك بواو العطف ، ثم معنى هذا الكلام أن الثواب في العبادة يكثر بكثرة النصب والنفقة .
وقال ابن عبد السلام : هذا ليس بمطرد فقد تكون بعض العبادة أخف من بعض ، وهي أكثر فضلا بالنسبة إلى الزمان ، كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام ليالي من رمضان غيرها ، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره ، وبالنسبة إلى شرف العبادة المالية والبدنية كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها أو من قراءتها ونحو ذلك من صلاة النافلة ، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر منه من التطوع . انتهى . ( قلت ) : هذا الذي ذكره لا يمنع الاطراد لأن الكثرة الحاصلة في الأشياء المذكورة ليست من ذاتها ، وإنما هي بحسب ما يعرض لها من الأمور المذكورة ، فافهم فإنه دقيق .
وقال النووي : المراد بالنصب الذي لا يذمه الشرع ، وكذا النفقة ، وفي التوضيح : أفعال البر كلها على قدر المشقة والنفقة ، ولهذا استحب الشافعي ومالك الحج راكبا ، ومصداق ذلك في كتاب الله عز وجل في قوله تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وفي هذا فضل الغنى ، وإنفاق المال في الطاعات ، ولما في قمع النفس عن شهواتها من المشقة على النفس ، ووعد الله عز وجل الصابرين فقال : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ وبظاهر الحديث المذكور استدل على أن الاعتمار لمن كان بمكة من جهة الحل القريبة أقل أجرا من الاعتمار من جهته البعيدة ، وقال الشافعي في الإملاء : أفضل بقاع الحل للاعتمار الجعرانة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم منها ، ثم التنعيم لأنه أذن لعائشة منها انتهى . ( قلت ) : اعتماره صلى الله عليه وسلم من الجعرانة لم يكن بالقصد منها ، وإنما كان حين رجع من الطائف مجتازا إلى المدينة ، وإذنه لعائشة من التنيعم لكونها أقرب وأسهل عليها من غيرها .