باب متى يحل المعتمر
( حدثنا أحمد بن عيسى قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرنا عمرو عن أبي الأسود أن عبد الله مولى أسماء بنت أبي بكر قال : حدثه أنه كان يسمع أسماء تقول : كلما مرت بالحجون صلى الله على محمد لقد نزلنا معه هاهنا ، ونحن يومئذ خفاف قليل ظهرنا قليلة أزوادنا ، فاعتمرت أنا وأختي عائشة والزبير وفلان وفلان ، فلما مسحنا البيت أحللنا ثم أهللنا من العشي بالحج ) . مطابقته للترجمة في قوله ( فلما مسحنا البيت أحللنا ) لأن معناه لما طفنا بالبيت أحللنا ، أي صرنا حلالا ، والطواف ملزوم للمسح عرفا . فإن قلت : المعتمر إنما يحل بعد الطواف وبعد السعي بين الصفا والمروة والحلق أيضا ، فكيف يكون هذا ؟ قلت : حذف ذلك منه للعلم به كما يقال : لما زنى فلان رجم ، والتقدير لما أحصن وزنى رجم .
( ذكر رجاله ) ، وهم ستة : الأول : أحمد بن عيسى كذا وقع في رواية كريمة : أحمد بن عيسى منسوبا ، وهو أحمد بن عيسى بن حسان أبو عبد الله التستري ، مصري الأصل ، كان يتجر إلى تستر ، مات سنة ثلاث وأربعين ومائتين ، قال ابن قانع : مات بسر من رأى ، تكلم فيه يحيى بن معين ، وروى عنه مسلم أيضا ، وفي رواية الأكثرين : حدثنا أحمد ، غير منسوب ، يحدث عنه البخاري في غير موضع كذا من غير نسبة ، واختلفوا فيه فقال قوم : إنه أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي عبد الله بن وهب ، وقال آخرون : إنه أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى ، وقال أبو أحمد الحافظ النيسابوري : أحمد بن وهب هو ابن أخي ابن وهب ، وقال أبو عبد الله ابن منده : كل ما قال البخاري في الجامع : حدثنا أحمد عن ابن وهب هو أحمد بن صالح المصري ، ولم يخرج البخاري عن أحمد بن عبد الرحمن في الصحيح شيئا ، وإذا حدث عن أحمد بن عيسى نسبه ، ووقع في رواية أبي ذر : حدثنا أحمد بن صالح ، وقد أخرجه مسلم عن أحمد بن عيسى عن ابن وهب . الثاني : عبد الله بن وهب . الثالث : عمرو بفتح العين ابن الحارث .
الرابع : أبو الأسود ، هو محمد بن عبد الرحمن المشهور بيتيم عروة بن الزبير . الخامس : عبد الله بن كيسان أبو عمرو مولى أسماء بنت أبي بكر . السادس : أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وبصيغة الإفراد في موضع ، وفيه الإخبار بصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في موضع ، وفيه السماع ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن رجال هذا الإسناد نصفهم مصريون ونصفهم مدنيون ، وفيه أن عبد الله المذكور ليس له عند البخاري غير حديثين أحدهما هذا ، والآخر مضى في باب من قدم ضعفة أهله ، فافهم . والحديث أخرجه مسلم في الحج أيضا عن هارون بن سعيد الأيلي ، وأحمد بن عيسى كلاهما عن ابن وهب . ( ذكر معناه ) : قوله ( بالحجون ) بفتح الحاء المهملة وضم الجيم المخففة وفي آخره نون ، قال البكري : الحجون على وزن فعول موضع بمكة عند المحصب ، وهو الجبل المشرف بحذاء المسجد الذي على شعب الجزارين إلى ما بين الحوضين اللذين في حائط عوف ، وعلى الحجون سقيفة زياد بن عبد الله أحد بني الحارث بن كعب ، وكان على مكة ، ويقال الحجون مقبرة أهل مكة تجاه دار أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه ، وهو على ميل ونصف من مكة ، وأغرب السهيلي فقال : الحجون على فرسخ وثلث من مكة ، وهو غلط ظاهر ، والصحيح ما ذكرناه ، وعند المقبرة المعروفة بالمعلاة على يسار الداخل إلى مكة ويمين الخارج منها ، وروى الواقدي عن أشياخه أن قصي بن كلاب لما مات دفن بالحجون فتدافن الناس بعده به ؛ قوله ( صلى الله على محمد ) مقول قوله ( تقول كلما مرت ) ، وفي رواية مسلم : كلما مرت بالحجون تقول : صلى الله تعالى على رسوله وسلم ؛ قوله ( خفاف ) بكسر الخاء جمع خفيف ، وزاد مسلم في رواية : خفاف الحقائب ، وهو جمع حقيبة بفتح الحاء المهملة وبالقاف والباء الموحدة ، وهي ما احتقبه الراكب خلفه من حوائحه في موضع الرديف ؛ قوله ( قليل طهرنا ) أي مراكبنا ؛ قوله ( فاعتمرت أنا وأختي ) أي بعد أن فسخوا الحج إلى العمرة ؛ قوله ( والزبير ) أي الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه .
فإن قلت : روى مسلم من حديث صفية بنت شيبة : عن أسماء بنت أبي بكر قالت : خرجنا محرمين فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : من كان معه هدي فليقم على إحرامه ، ومن لم يكن معه هدي فليحلل ، فلم يكن معي هدي فحللت ، وكان مع الزبير هدي فلم يحل . . الحديث ، فهذا يخالف رواية عبد الله مولى أسماء لأنه ذكر الزبير مع من أحل . قلت : أجاب النووي بأن إحرام الزبير بالعمرة وتحلله منها كان في غير حجة الوداع ، واستبعده بعضهم ، وقال : المرجح عند البخاري رواية عبد الله مولى أسماء ، فلذلك اقتصر على إخراجها دون رواية صفية بنت شيبة .
قلت : هذا مسلم قد أخرج كليهما مع ما فيهما من الاختلاف ولا وجه في الجمع بينهما إلا بما قاله النووي . فإن قلت : فيه إشكال آخر وهو أن أسماء ذكرت عائشة فيمن طاف والحال أنها كانت حينئذ حائضا . قلت : قيل : يحتمل أنها أشارت إلى عمرة عائشة التي فعلتها بعد الحج مع أخيها عبد الرحمن من التنعيم ، قال القاضي : هذا خطأ لأن في الحديث التصريح بأن ذلك كان في حجة الوداع ، قيل : لا وجه في ذلك إلا أن يقال : إنما لم تستثن أسماء عائشة لشهرة قصتها ، وفيه بعد أيضا ، نعم إنما هذا يتأتى إذا قلنا كانت عائشة طاهرة حين ذكرت أسماء إياها ، وعطفتها على نفسها في قولها : اعتمرت أنا وأختي عائشة ثم طرأ عليها الحيض ، ثم إنها لم تستثنها في قولها ( فلما مسحنا البيت ) لشهرتها أنها كانت حائضا في ذلك الوقت أو نسيت أن تستثنيها ، فافهم .
قوله ( وفلان وفلان ) كأنها سمت جماعة عرفتهم ممن لم يسق الهدي ، ولم توقف على تعيينهم ؛ قوله ( فلما مسحنا البيت ) أي طفنا بالبيت ، وقد ذكرنا أن من لازم الطواف المسح عادة فيكون من قبيل ذكر اللازم وإرادة الملزوم ، وقد ذكرنا وجه طي ذكر السعي عن قريب . فإن قلت : لم تذكر أسماء الحلق مع أنه نسك . قلت : لا يلزم من عدم ذكرها إياه ترك فعله فإن القصة واحدة ، وقد ثبت الأمر بالتقصير في عدة أحاديث ، والله أعلم .