حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الإحصار في الحج

( باب الإحصار في الحج )

386 - ( حدثنا أحمد بن محمد قال : أخبرنا عبد الله قال : أخبرنا يونس عن الزهري قال : أخبرني سالم قال : كان ابن عمر رضي الله عنهما يقول : أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت وبالصفا والمروة ثم حل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا ) .

مطابقته للترجمة في قوله : ( إن حبس أحدكم عن الحج ) ، والحبس عن الحج هو الإحصار فيه ، وأحمد بن محمد بن موسى أبو العباس يقال له مردويه السمسار المروزي ، وهو من أفراد البخاري ، وعبد الله هو ابن المبارك المروزي ، ويونس هو ابن يزيد ، والزهري محمد بن مسلم ، وسالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب . والحديث أخرجه النسائي عن أحمد عن عمرو ج١٠ / ص١٤٦ابن السرح ، والحارث بن مسكين ، كلاهما عن ابن وهب ؛ قوله ( أليس حسبكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) أي أليس يكفيكم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأن معنى الحسب الكفاية ، ومنه حسبنا الله أي كافينا ، وحسبكم مرفوع لأنه اسم ليس ، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كلام إضافي منصوب على أنه خبر ليس ، وقال عياض : ضبطنا سنة بالنصب على الاختصاص أو على إضمار فعل ، أي : تمسكوا ، وشبهه ، وقال السهيلي : من نصب سنة فهو بإضمار الأمر كأنه قال : الزموا سنة نبيكم ، وقال بعضهم : خبر حسبكم في قوله ( طاف بالبيت ) . قلت : ليس كذلك بل خبر ليس على وجه نصب سنة على قول عياض والسهيلي .

قوله ( طاف بالبيت ) ، وهو أيضا سد مسد جواب الشرط ، وقال الكرماني : فإن قلت : إذا كان محصرا فكيف يطوف بالبيت ؟ قلت : المراد من قوله ( إن حبس ) الحبس عن الوقوف بعرفة ، قلت: لا حاجة إلى هذا التقدير لأن معنى ( طاف بالبيت ) أي إذا أمكنه ذلك ، ويدل عليه ما رواه عبد الرزاق : " إن حبس أحدا منكم حابس عن البيت فإذا وصل إليه طاف به " . قوله ( وبالصفا والمروة ) أي : طاف بهما ، أي سعى بين الصفا والمروة ؛ قوله ( فيهدي ) أي يذبح شاة إذ التحلل لا يحصل إلا بنية التحلل والذبح والحلق ، وإن لم يجد الهدي يصوم بدله بعدد أمداد الطعام الذي يحصل من قيمته . قلت : هكذا ذكره الكرماني ، وهو مذهب الشافعي ومن تابعه ، فإن عنده حكم المكي والغريب سواء في الإحصار ، فيطوف ويسعى ويحل ، ولا عمرة عليه على ظاهر حديث ابن عمر ، وأوجبها مالك على المحصر المكي ، وعلى من أنشأ من مكة ، وعند أبي حنيفة لا يكون محصرا من بلغ مكة ؛ لأن المحصر عنده من منع الوصول إلى مكة وحيل بينه وبين الطواف والسعي ، فيفعل ما فعل الشارع من الإحلال من موضعه ، وأما من بلغها فحكمه عنده كمن فاته الحج يحل بعمرة وعليه الحج من قابل ، ولا هدي عليه لأن الهدي لجبر ما أدخله على نفسه ، ومن حبس عن الحج فلم يدخل على نفسه نقصا ، وقال الزهري : إذا أحصر المكي فلا بد له من الوقوف بعرفة وإن تعسر بعشي ، وفي حديث ابن عمر رد عليه لأن المحصر لو وقف بعرفة لم يكن محصرا ، ألا يرى قول ابن عمر : " طاف بالبيت وبين الصفا والمروة " ، ولم يذكر الوقوف بعرفة .

( وعن عبد الله قال : أخبرنا معمر عن الزهري قال : حدثني سالم عن ابن عمر نحوه ) . عبد الله هو ابن المبارك ، وأشار به إلى أن عبد الله بن المبارك حدث به تارة عن يونس عن الزهري ، وتارة عن معمر عنه ، فإن قلت : قوله ( وعن عبد الله ) معطوف على ماذا ؟ قلت : قيل : إنه معطوف على الإسناد الأول ، وليس هو بمعلق كما ادعاه بعضهم . قلت : كأنه أراد بالبعض المحب الطبري .

وقد أخرج الترمذي فقال : حدثنا أحمد بن منيع ، حدثنا عبد الله بن المبارك ، أخبرني معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أليس حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : يريد به عدم الاشتراط كما هو مبين عند النسائي من رواية معمر عن الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان ينكر الاشتراط في الحج ، ويقول : أما حسبكم سنة نبيكم ، إنه لم يشترط ، وهكذا رواه الدارقطني من هذا الوجه بلفظ : " أما حسبكم سنة نبيكم صلى الله عليه وسلم أنه لم يشترط " . فإن قلت : روى مسلم من رواية رباح بن أبي معروف عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس " أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال لضباعة : حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني " ، ورواه الأربعة أيضا ، فرواه أبو داود عن أحمد بن حنبل عن عباد بن العوام ، وأخرجه النسائي من رواية ثبت بن يزيد الأحول عن هلال بن خباب ، ورواه الترمذي عن زياد بن أيوب البغدادي : حدثنا عباد بن العوام عن هلال بن خباب عن عكرمة عن ابن عباس " أن ضباعة بنت الزبير أتت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ، إني أريد الحج أفأشترط ؟ قال : نعم ، قالت : كيف أقول ؟ قال : قولي : لبيك اللهم لبيك ، محلي من الأرض حيث تحبسني " . وأخرجه أيضا مسلم ، والنسائي ، وابن ماجه من رواية ابن جريج عن أبي الزبير عن طاوس وعكرمة ، كلاهما عن ابن عباس " أن ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب أتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : إني امرأة ثقيلة ، فإني أريد الحج فما تأمرني؟ قال : أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني " ، ولما رواه الترمذي قال : وفي الباب عن جابر وأسماء بنت أبي بكر وعائشة رضي الله تعالى عنهم .

قلت : أما حديث جابر فرواه البيهقي من رواية هشام الدستوائي عن جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لضباعة بنت الزبير : " حجي واشترطي أن محلي حيث حبستني " ، وأما ج١٠ / ص١٤٧حديث أسماء ، فرواه ابن ماجه على الشك من رواية عثمان بن حكيم عن أبي بكر بن عبد الله بن الزبير عن جدته قال : لا أدري أسماء بنت أبي بكر أو سعدى بنت عوف " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على ضباعة بنت عبد المطلب فقال : ما يمنعك يا عمتاه من الحج ؟ فقالت : أنا امرأة سقيمة ، وأنا أخاف الحبس ، قال : فأحرمي واشترطي أن محلك حيث حبست " ، وهكذا أخرجه أحمد في مسنده ، والطبراني عن جدته لم يسمها . وأما حديث عائشة فمتفق عليه على ما يجيء إن شاء الله تعالى . وحديث ضباعة له طرق ، منها : ما رواه ابن خزيمة من طريق البيهقي من رواية يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب عن ضباعة بنت الزبير قالت : " قلت : يا رسول الله إني أريد الحج فكيف أهل بالحج ؟ قال : قولي : اللهم إني أهل بالحج إن أذنت لي به وأعنتني عليه ويسرته لي ، وإن حبستني فعمرة ، وإن حبستني عنهما فمحلي حيث حبستني " ، وضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب ، وهي ابنة عم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، ووقع عند ابن ماجه ضباعة بنت عبد المطلب ، وذلك نسبة إلى جدها ، ووقع في الوسيط للغزالي عند ذكر هذا الحديث أنها ضباعة الأسلمية ، وهو غلط ، وإنما هي هاشمية .

وقد ضعف بعض لمالكية أحاديث الاشتراط في الحج ، فحكى القاضي عياض عن الأصيلي قال : لا يثبت عندي في الاشتراط إسناد صحيح قال : قال النسائي : لا أعلم أسنده عن الزهري غير معمر ، وقال شيخنا زين الدين رحمه الله : وما قاله الأصيلي غلط فاحش ، فقد ثبت وصح من وغيرهما على ما مر
. واختلفوا في مشروعية الاشتراط فقيل : واجب لظاهر الأمر ، وهو قول الظاهرية ، وقيل : مستحب ، وهو قول أحمد ، وغلط من حكى الإنكار عنه ، وقيل : جائز ، وهو المشهور عند الشافعية ، وقطع به الشيخ أبو حامد ، ولما روى الترمذي حديث ضباعة بنت الزبير قال : والعمل على هذا عند بعض أهل العلم يرون الاشتراط في الحج ، ويقولون : إن اشترط لغرض له كمرض أو عذر فله أن يحل ويخرج من إحرامه ، وهو قول الشافعي وأحمد وإسحاق ، وقيل : هو قول جمهور الصحابة والتابعين ومن بعدهم ، قال به عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ، وعبد الله بن مسعود ، وعمار بن ياسر ، وعائشة ، وأم سلمة ، وجماعة من التابعين ، وذهب بعض التابعين ، ومالك ، وأبو حنيفة إلى أنه لا يصح الاشتراط ، وحملوا الحديث على أنه قضية عين ، وأن ذلك مخصوص بضباعة ، وقال الترمذي : ولم ير بعض أهل العلم الاشتراط في الحج ، وقالوا : إن اشترط فليس له أن يخرج من إحرامه فيرونه كمن لم يشترط . قلت : حكى الخطابي ثم الروياني من الشافعية الخصوص بضباعة ، وحكى إمام الحرمين أن معناه : محلي حيث حبسني الموت ، أي : إذا أدركتني الوفاة انقطع إحرامي ؛ وقال النووي : إنه ظاهر الفساد ، ولم يبين وجهه ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث