باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال
( باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال ) 399 - ( حدثنا موسى بن إسماعيل قال : حدثنا أبو عوانة قال : حدثنا عثمان هو ابن موهب قال : أخبرني عبد الله بن أبي قتادة أن أباه أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج حاجا فخرجوا معه ، فصرف طائفة منهم فيهم أبو قتادة فقال : خذوا ساحل البحر حتى نلتقي ، فأخذوا ساحل البحر ، فلما انصرفوا أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم ، فبينما هم يسيرون إذ رأوا حمر ج١٠ / ص١٧٣وحش ، فحمل أبو قتادة على الحمر فعقر منها أتانا ، فنزلوا فأكلوا من لحمها ، وقالوا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ؟ فحملنا ما بقي من لحم الأتان ، فلما أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : يا رسول الله ، إنا كنا أحرمنا وقد كان أبو قتادة لم يحرم ، فرأينا حمر وحش فحمل عليها أبو قتادة ، فعقر منها أتانا ، فنزلنا فأكلنا من لحمها ، ثم قلنا : أنأكل لحم صيد ونحن محرمون ؟ فحملنا ما بقي من لحمها ، قال : أمنكم أحد أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها ؟ قالوا : لا ، قال : فكلوا ما بقي من لحمها ) . مطابقته للترجمة في قوله ( أو أشار إليها ) ، والمفهوم منه أن إشارة المحرم للحلال إلى الصيد ليصطاده لا تجوز فلو أشار له ، وقتل صيدا لا يجوز للمحرم أن يأكل منه ، وقد ذكرنا ما فيه من الخلاف ، وموسى بن إسماعيل هو المنقري التبوذكي ، وأبو عوانة بالفتح هو الوضاح بن عبد الله اليشكري ، وعثمان هو ابن عبد الله بن وهب بفتح الميم والهاء الأعرج الطلحي ، وقد مر في أول الزكاة ، وقال الكرماني : وفي بعض الرواية بدل عثمان غسان ، وهو خطأ قطعا .
قلت : هو من الكاتب فإنه طمس الميم فصار عثمان غسانا ، وعثمان هذا تابعي ثقة روى هنا عن تابعي . قوله ( خرج حاجا ) قال الإسماعيلي : هذا غلط ، فإن القصة كانت في عمرة ، وأما الخروج إلى الحج فكان في خلق كثير ، وكانوا كلهم على الجادة لا على ساحل البحر ، ولعل الراوي أراد خرج محرما فعبر عن الإحرام بالحج غلطا ، وقال بعضهم : لا غلط في ذلك بل هو من المجاز السائغ ، وأيضا فالحج في الأصل قصد البيت ، فكأنه قال : خرج قاصدا للبيت ، ولهذا يقال للعمرة الحج الأصغر . قلت : لا نسلم أنه من المجاز ، فإن المجاز لا بد له من علاقة ، وما العلاقة هاهنا ، وكون معنى الحج في الأصل قصدا لا يكون علاقة لجواز ذكر الحج ، وإرادة العمرة فإن كل فعل مطلقا لا بد فيه من معنى القصد ، ثم أيد هذا القائل كلامه بما رواه البيهقي من رواية محمد بن أبي بكر المقدمي عن أبي عوانة بلفظ : " خرج حاجا أو معتمرا " ، انتهى ، وأبو عوانة شك ، وبالشك لا يثبت ما ادعاه من المجاز على أن يحيى بن أبي كثير الذي هو أحد رواة حديث أبي قتادة قد جزم بأن ذلك كان في عمرة الحديبية .
قوله ( فيهم أبو قتادة ) من باب التجريد ، وكذا قوله ( إلا أبو قتادة ) ؛ لأن مقتضى الكلام أن يقال : وأنا فيهم ، وإلا أنا ، ولا ينبغي أن يجعل هذا من قول ابن أبي قتادة لأنه يستلزم أن يكون الحديث مرسلا ؛ قوله ( إلا أبو قتادة ) هكذا هو بالرفع عند الأكثرين ، وعند الكشميهني " إلا أبا قتادة " بالنصب ، وكذا وقع عند مسلم بالنصب ، وقال ابن مالك حق المستثنى بإلا من كلام تام موجب أن ينصب مفردا كان أو مكملا معناه بما بعده ، فالمفرد نحو قوله تعالى : الأَخِلاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلا الْمُتَّقِينَ والمكمل نحو : إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إِلا إِلا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ ولا يعرف أكثر المتأخرين من البصريين في هذا النوع إلا النصب ، وقد أغفلوا وروده مرفوعا مع ثبوت الخبر ومع حذفه ، فمن أمثلة الثابت الخبر قول ابن أبي قتادة : " أحرموا كلهم إلا أبو قتادة لم يحرم " فـ "إلا" بمعنى لكن ، وأبو قتادة مبتدأ ، ولم يحرم خبره ، ونظيره من كتاب الله تعالى : وَلا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ فإنه لا يصح أن يجعل "امرأتك" بدلا من "أحد" ؛ لأنها لم تسر معهم فيتضمنها ضمير المخاطبين ، وتكلف بعضهم بأنه وإن لم يسر بها لكنها شعرت بالعذاب فتبعتهم ثم التفتت فهلكت ، قال : وهذا على تقدير صحته لا يوجب دخولها في المخاطبين ، ومن أمثلة المحذوف الخبر قوله صلى الله عليه وسلم : " كل أمتي معافى إلا المجاهرون " أي لكن المجاهرون بالمعاصي لا يعافون ، ومنه من كتاب الله تعالى : مَا فَعَلُوهُ إِلا قَلِيلٌ مِنْهُمْ أي لكن قليل منهم لم يشربوا قال : وللكوفيين في هذا الثاني مذهب آخر ، وهو أن يجعلوا "إلا" حرف عطف ، وما بعدها معطوفا على ما قبلها ، انتهى ، وقال الكرماني : أو هو ، أي الرفع ، على مذهب من جوز أن يقال : علي بن أبو طالب . قوله ( حمر وحش ) الحمر بضمتين جمع حمار ؛ قوله ( أتانا ) هذا بين أن المراد بالحمار في سائر الروايات الأنثى منه ؛ قوله ( فحملنا ما بقي من لحم الأتان ) ، وفي رواية أبي حازم في باب الهبة سيأتي : " فرحنا وخبأت العضد معي " ، وفيه : " معكم منه شيء ؟ فناولته العضد فأكلها حتى تعرقها " ، وللبخاري أيضا في الجهاد سيأتي : " معنا رجله ، فأخذ فأكلها " ، وفي رواية المطلب : " قد رفعنا لك الذراع ، فأكل منها " ؛ قوله ( منكم أحد أمره ) ، أي : أمنكم أحد أمره ؟ أي أمر ج١٠ / ص١٧٤أبا قتادة ، ويروى " أمنكم " بإظهار همزة الاستفهام ، وفي رواية مسلم : " هل منكم أحد أمره أو أشار إليه بشيء " ، ولمسلم في روايته من طريق شعبة عن عثمان : " هل أشرتم أو أعنتم أو اضطررتم " ، وفي رواية أبي عوانة من هذا الوجه : " هل أشرتم أو اصطدتم أو قتلتم " ؛ قوله ( فكلوا ) قد ذكرنا أن الأمر للإباحة لا للوجوب ، ولم يذكر في هذه الرواية أنه صلى الله تعالى عليه وآله وسلم أكل من لحمها ، وذكره في روايتي أبي حازم عن عبد الله بن أبي قتادة كما تراه ، ولم يذكر ذلك من الرواة عن عبد الله بن أبي قتادة غيره ، ووافقه صالح بن حسان عند أحمد ، وأبي داود الطيالسي ، وأبي عوانة ، ولفظه : " فقال : كلوا وأطعموا " . فإن قلت : روى إسحاق ، وابن خزيمة ، والدارقطني من رواية معمر عن يحيى بن أبي كثير هذا الحديث ، وقال في آخره : " فذكرت شأنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم وقلت : إنما اصطدته لك فأمر أصحابه فأكلوه ، ولم يأكل منه حين أخبرته أني اصطدت له " ، فهذه الرواية تضاد روايتي أبي حازم .
قلت : قال ابن خزيمة ، وأبو بكر النيسابوري ، والدارقطني ، والجوزقي تفرد بهذه الزيادة معمر ، فإن كانت هذه الزيادة محفوظة تحمل على أنه صلى الله عليه وسلم أكل من لحم ذلك الحمار قبل أن يعلمه أبو قتادة أنه اصطاده لأجله ، فلما أعلمه بذلك امتنع . فإن قلت : الروايات متظاهرة بأن الذي تأخر من الحمار هو العضد ، وأنه صلى الله عليه وسلم أكلها حتى تعرقها أي لم يبق منها إلا العظم ، ووقع للبخاري أيضا في الهبة ستأتي " حتى نفدها " أي فرغها ، فأي شيء بقي منها حينئذ حتى يأمر أصحابه بالأكل . قلت : في رواية أبي محمد في الصيد ستأتي : " أبقي معكم شيء ؟ قلت : نعم ، فقال : كلوا ، فهو طعمة أطعمكموها الله " ، وهذا يشعر بأنه بقي منها شيء غير العضد .
وفيه من الفوائد تفريق الإمام أصحابه للمصلحة ، واستعمال الطليعة في الغزو ، وفيه جواز صيد الحمار الوحشي وجواز أكله . وفيه جواز أكل المحرم من لحم الصيد الذي اصطاده الحلال إذا لم يدل عليه ، ولم يشر إليه ولم يعن صائده . وفيه أن عقر الصيد ذكاته .
وفيه جواز الاجتهاد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال ابن العربي : هو اجتهاد بالقرب من النبي صلى الله عليه وسلم لا في حضرته . وفيه العمل بما أدى إليه الاجتهاد ولو تضاد المجتهدان ، ولا يعاب واحد منهما على ذلك .