باب حجة الصبيان
حدثنا عبد الرحمن بن يونس قال : حدثنا حاتم بن إسماعيل ، عن محمد بن يوسف ، عن السائب بن يزيد قال : حج بي مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن سبع سنين . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول : عبد الرحمن بن يونس بن هاشم أبو مسلم المستملي الرقي ، مات سنة خمس وعشرين ومائتين .
الثاني : حاتم بن إسماعيل أبو إسماعيل الكوفي ، سكن المدينة . الثالث : محمد بن يوسف بن عبد الله بن يزيد ابن أخت نمر ، وأمه ابنة السائب بن يزيد . الرابع : السائب بن يزيد بن سعد الكندي ، ويقال : الأسدي ، ويقال : الليثي ، ويقال : الهذلي ، مات بالمدينة سنة إحدى وتسعين ، وهو ابن ست وتسعين .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه عن محمد بن يوسف ، وفي رواية الإسماعيلي : حدثنا محمد بن يوسف ، وفيه رواية الراوي عن جده لأمه ؛ لأن محمد بن يوسف حفيد السائب ، وقيل : سبطه ، وقيل : ابن أخيه عبد الله بن يزيد . والحديث أخرجه الترمذي أيضا في الحج ، عن قتيبة ، عن حاتم به ، وزاد في حجة الوداع ، وقال : حسن صحيح . قوله : حج بي بضم الحاء على البناء للمجهول ، وقال ابن سعد ، عن الواقدي ، عن حاتم : حجت بي أمي ، وروى الفاكهي من وجه آخر ، عن محمد بن يوسف ، عن السائب : حج بي أبي ، قيل : ويجمع بينهما بأنه كان مع أبويه .
( قلت ) : رواية البخاري تحتمل الوجهين ؛ لأنه لم يذكر فيه الفاعل صريحا ، وقيل : فيه صحة حج الصبي وإن لم يكن مميزا ، وقد بسطنا الكلام فيه ، واستدل به بعض الشافعية على أن أم الصبي تجزئ في الإحرام عنه . ( قلت ) : هذا لم يفهم من حديث الباب ، وإنما يمكن الاستدلال بذلك من حديث جابر ، رواه الترمذي ، وقال : حدثنا محمد بن طريف الكوفي ، حدثنا أبو معاوية ، عن محمد بن سوقة ، عن محمد بن المنكدر ، عن جابر بن عبد الله قال : رفعت امرأة صبيا لها إلى رسول الله - عليه الصلاة والسلام - فقالت : يا رسول الله ، ألهذا حج ؟ قال : نعم ، ولك أجر . وروى ابن ماجه أيضا نحوه ، وقال الترمذي : حديث جابر حديث غريب ، وقد ذكرنا حديث ابن عباس لمسلم نحوه في أول الباب ، قال شيخنا زين الدين - رحمه الله تعالى - : والصحيح عند أصحاب الشافعي - رضي الله تعالى عنه - أنه يحرم عنه الولي الذي يليه ماله ، وهو أبوه أو جده أو الوصي ، أو القيم من جهة القاضي ، أو القاضي ، قالوا : وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية ، أو قيمة من جهة القاضي .
وأجابوا عن قوله : ولك أجر أن المراد أن ذلك بسبب حملها له ، وتجنيبها إياه ما يفعله المحرم ، وأيضا فلعل المرأة كانت وصية عليه ، أو قيمة عليه ، وأيضا فليس في الحديث أنها أمه ، ويجوز أن يكون في حجرها بنوع ولاية ، واستدل به بعضهم على أن الصبي يثاب على طاعته ، ويكتب له حسناته ، وهو قول أكثر أهل العلم ، وروي ذلك عن عمر بن الخطاب فيما حكاه المحب الطبري ، وحكاه النووي في شرح مسلم ، عن مالك ، والشافعي ، وأحمد والجمهور ، وفي حديث السائب المذكور صحة سماع الصبي المميز ، وهو كذلك ، وخالف في ذلك فرقة يسيرة ، وأنكر أحمد على القائل بذلك ، وقال : قبح الله من يقول ذلك والمسألة مقررة في علوم الحديث . ( فإن قلت ) : في حديث السائب ذكر سن التمييز ، فما دليل من يصحح حج الصبي إذا لم يبلغ سن التمييز ؟ . ( قلت ) : حديث جابر المذكور ، فإن فيه : فرفعت امرأة صبيا ، وهذا أعم من أن يكون في سن التمييز أو أقل أو أكثر إلى حد البلوغ ، وعن المالكية قولان في الحج بالرضيع ، وفي التوضيح : وروي أن الصديق حج بابن الزبير في خرقة ، وقال عمر - رضي الله تعالى عنه - : أحجوا هذه الذرية ، وكان ابن عمر يجرد صبيانه عند الإحرام ، ويقف بهم المواقف ، وكانت عائشة - رضي الله تعالى عنها - تفعل ذلك ، وفعله عروة بن الزبير ، وقال عطاء : يجرد الصغير ، ويلبى عنه ، ويجنب ما يجتنب الكبير ، ويقضى عنه كل شيء إلا الصلاة ، فإن عقل الصلاة صلاها ، فإذا بلغ وجب عليه الحج .
واختلفوا في الصبي والعبد يحرمان بالحج ، ثم يحتلم الصبي ، ويعتق العبد قبل الوقوف بعرفة ، فقال مالك : لا سبيل إلى رفض الإحرام ، ويتماديان عليه ، ولا يجزيهما عن حجه الإسلام وهو قول أبي حنيفة - رضي الله تعالى عنه - ، وقال الشافعي : إذا نويا بإحرامهما المتقدم حجة الإسلام أجزأهما ، وقال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أيما غلام حج به أهله ، فمات فقد قضى حجة الإسلام ، فإن أدرك فعليه الحج ، وأيما عبد حج به أهله ، فمات فقد قضى حجة الإسلام ، فإن عتق فعليه الحج .