حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب المدينة تنفي الخبث

حدثنا سليمان بن حرب قال : حدثنا شعبة ، عن عدي بن ثابت ، عن عبد الله بن يزيد قال : سمعت زيد بن ثابت - رضي الله عنه - يقول : لما خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أحد رجع ناس من أصحابه فقالت فرقة : نقتلهم ، وقالت فرقة : لا نقتلهم ، فنزلت : فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - إنها تنفي الرجال كما تنفي النار خبث الحديد . مطابقته للترجمة في قوله : كما تنفي النار خبث الحديد وهو ظاهر ، ورجاله قد تقدموا ، وعبد الله بن يزيد الخطمي الأنصاري الصحابي ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابي في نسق واحد ، وكلاهما أنصاريان ، والحديث أخرجه في المغازي عن أبي الوليد وفي التفسير عن محمد بن بشار ، وأخرجه في المناسك وفي ذكر المنافقين ، عن عبد الله بن معاذ ، عن أبيه ، وفي ذكر المنافقين عن زهير بن حرب ، وعن أبي بكر بن نافع ، عن غندر الكل عن شعبة ، وأخرجه الترمذي والنسائي جميعا في التفسير عن محمد بن بشار عن غندر به . قوله : إلى أحد كانت غزوة أحد يوم السبت في منتصف شوال عام ثلاث من الهجرة وقال البلادري لتسع خلون منه ، والأول أشهر ، وهو قول الزهري وقتادة وموسى بن عقبة ، قوله : رجع ناس من أصحابه : أي من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال موسى بن عقبة ، خرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون فسلكوا على البدائع ، وهم ألف رجل ، والمشركون ثلاثة آلاف ، فمضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى نزل بأحد ، ورجع عنه عبد الله بن أبي ابن سلول في ثلاثمائة ، فبقي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سبعمائة ، قال البيهقي : هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بقوا في سبعمائة قال : والمشهور عن الزهري أنهم بقوا في أربعمائة مقاتل ، وقال موسى بن عقبة : وكان على خيل المشركين خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - وكان معهم مائة فرس ، وكان لواؤهم مع عثمان بن طلحة بن أبي طلحة قال : ولم يكن مع المسلمين فرس واحد وقال الواقدي : وعدة أصحاب رسول الله سبعمائة ذراع ، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين : فرس لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفرس لأبي بردة ، قوله : قالت فرقة : نقتلهم : أي نقتل الراجعين ، وقالت فرقة : لا نقتلهم فلما اختلفوا أنزل الله تعالى : ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلا وهذه الآية الكريمة في النساء ، واختلفوا في سبب نزولها ، فقيل : في هؤلاء الذين رجعوا من غزوة أحد بعد أن خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل : في قوم استأذنوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخروج إلى البدو معتلين باجتواء المدينة ، فلما خرجوا لم يزالوا راحلين مرحلة حتى لحقوا بالمشركين فاختلف المسلمون فيهم ، فقال بعضهم : هم كفار ، وقال بعضهم : هم مسلمون ، وقيل : كانوا قوما هاجروا من مكة ، ثم بدا لهم ، فرجعوا وكتبوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنا على دينك وما أخرجنا إلا اجتواء المدينة والاشتياق إلى بلدنا ، وقيل : هم العرنيون الذين أغاروا على السرح ، وقتلوا يسارا ، وقيل : هم قوم أظهروا الإسلام وقعدوا عن الهجرة وقال زيد بن أسلم عن ابن سعد بن معاذ : إنها نزلت في تقاول الأوس والخزرج في شأن عبد الله بن أبي حين استعذر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر في قضية الإفك وهذا غريب ، قوله : فَمَا لَكُمْ يعني ما لكم اختلفتم في شأن قوم نافقوا نفاقا ظاهرا وتفرقتم فيه فرقتين ، وما لكم لم تثبتوا القول في كفرهم ، وقال الزمخشري : فئتين نصب على الحال ، كقولك : ما لك قائما ، قوله : وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ أي ردهم في حكم المشركين كما كانوا قال ابن عباس- رضي الله تعالى عنهما - : أي أوقفهم وأوقعهم في الخطأ ، وقال قتادة : أهلكهم ، وقال السدي : أضلهم ، قوله : بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أي بسبب عصيانهم ومخالفتهم الرسول ، واتباعهم الباطل أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ أي من جعله من جملة الضلال ، وقرئ : ركسهم ، قوله : فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أي لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه ، قوله : إنها : أي أن المدينة تنفي الرجال جمع رجل والألف واللام فيه للعهد عن شرارهم ، وكذا هو في رواية الأكثرين ، وفي رواية الكشميهني الدجال بالدال والجيم المشددة ، قيل : هو تصحيف ، والمقصود من النفي الإظهار والتمييز بقرينة المشبه به ، وفيه من الفقه أن من عقد على نفسه ، أو على غيره عهدا لله تعالى فلا ينبغي له حله لأن في حله خروجا عما عقد .

وفيه أن الارتداد عن الهجرة من أكبر الكبائر ، ولذلك دعا لهم - صلى الله عليه وسلم - فقال : اللهم امض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم ، وفيه جواز ضرب المثل ، وفيه أن النفي كالقتل .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث