باب الصوم آخر الشهر
حَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مُحَمَّدٍ قال : حَدَّثَنَا مَهْدِيٌّ ، عَنْ غَيْلَانَ وَحَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قال : حَدَّثَنَا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ قال : حَدَّثَنَا غَيْلَانُ بْنُ جَرِيرٍ ، عَنْ مُطَرِّفٍ ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَأَلَهُ ، أَوْ سَأَلَ رَجُلًا ، وَعِمْرَانُ يَسْمَعُ ، فَقَالَ : يَا أَبَا فُلَانٍ ، أَمَا صُمْتَ سَرَرَ هَذَا الشَّهْرِ ، قَالَ : أَظُنُّهُ قَالَ : يَعْنِي رَمَضَانَ ، قَالَ الرَّجُلُ : لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ : فَإِذَا أَفْطَرْتَ فَصُمْ يَوْمَيْنِ لَمْ يَقُلْ الصَّلْتُ : أَظُنُّهُ يَعْنِي رَمَضَانَ . مطابقته للترجمة تؤخذ مما ذكرنا الآن في أول الباب . ذكر رجاله ، وهم ستة : الأول : الصلت بفتح الصاد المهملة ، وسكون اللام ، وفي آخره تاء مثناة من فوق ، ابن محمد بن عبد الرحمن أبو همام الخاركي .
الثاني : مهدي بفتح الميم وكسر الدال المهملة ، ابن ميمون المعولي الأزدي . الثالث : غيلان بفتح الغين المعجمة ، وسكون الياء آخر الحروف ، ابن جرير المعولي الأزدي . الرابع : أبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي .
الخامس : مطرف بلفظ اسم الفاعل من التطريف بإهمال الطاء ، ابن عبد الله بن الشخير الحرشي العامري . السادس : عمران بن حصين رضي الله تعالى عنه . ذكر لطائف إسناده : فيه التحديث بصيغة الجمع في خمسة مواضع .
وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه أن رواته كلهم بصريون . وفيه إضافة رواية أبي النعمان إلى الصلت لما وقع فيها من تصريح مهدي بالتحديث من غيلان .
ذكر من أخرجه غيره : أخرجه مسلم في الصوم أيضا عن هدبة بن خالد ، وأخرجه أبو داود فيه عن موسى بن إسماعيل ، وأخرجه النسائي فيه عن زكريا بن يحيى ، عن عبد الأعلى بن حماد . ذكر معناه : قوله ( أنه سأل ) أي : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل عمران أو سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا . قوله ( أو سأل رجلا ) شك من مطرف ، وثابت رواه عنه بنحوه على الشك أيضا ، وأخرجه مسلم كذلك ، وأخرجه مسلم أيضا من وجهين آخرين عن مطرف بدون شك على الإبهام أنه قال لرجل ، وزاد أبو عوانة في ( مستخرجه ) : من أصحابه ، ورواه أحمد من طريق سليمان التيمي به ، قال لعمران بغير شك .
قوله ( وعمران يسمع ) جملة اسمية وقعت حالا . قوله ( فقال : يا أبا فلان ) بالكنية في رواية أبي ذر ، وفي رواية الأكثرين : يا فلان . قوله ( سرر هذا الشهر ) بالسين المهملة ، وفتحها وفتح الراء ، وقال النووي : ضبطوه بفتح السين وكسرها ، وحكي ضمها ، ويقال أيضا سرار بكسر السين وفتحها ، وكله من الاستسرار ، وقال الجمهور : المراد به آخر الشهر لاستسرار القمر فيه ، وقال بعضهم : هو وسط الشهر ، وسرر كل شيء وسطه ، والسرة الوسط ، وهي الأيام البيض .
وروى أبو داود ، عن الأوزاعي : أن سرره أوله ، وقال ابن قرقول : سرر بفتح السين عند الكافة ، وعند العذري : سرر بضم السين ، وقال أبو عبيد : سرار الشهر آخره حيث يستتر الهلال ، وسرره أيضا ، وأنكره غيره ، وقال : لم يأت في صوم آخر الشهر حض ، وسرار كل شيء وسطه وأفضله ، فكأنه يريد الأيام الغر من وسط الشهر ، وقال عبد الملك ابن حبيب : السرر آخر الشهر حين يستسر الهلال لثمان وعشرين ولتسع وعشرين ، وإن كان تاما فليلة ثلاثين ، وتبويب البخاري يدل على أنه عنده آخر الشهر ، وقال الخطابي : يتأول أمره إياه بصوم السرر على أن الرجل كان أوجبه على نفسه نذرا ، فأمره بالوفاء أو أنه كان اعتاده ، فأمره بالمحافظة عليه ، وإنما تأولناه للنهي عن تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين . فائدة : أسماء ليالي الشهر عشرة ، لكل ثلاث منها اسم ، فالثلاث الأولى غرر ؛ لأن غرة كل شيء أوله ، والثانية نفل على وزن صرد ونغر لزيادتها على الغرر ، والنفل الزيادة ، وثلاث تسع إذ آخرها تاسع ، وثلاث عشر لأن أولها عاشر ، وزنهما وزن زحل ، وثلاث تبع ، وثلاث درع ، ووزنهما كزحل أيضا لاسوداد أوائلها وابيضاض أواخرها ، وثلاث ظلم لإظلامها ، وثلاث حنادس لشدة سوادها ، وثلاث دآدئ كسلالم لأنها بقايا ، وثلاث محاق بضم الميم لانمحاق القمر أول الشهر ، والمحق المحو ، ويقال لهما سرر أيضا عند الجمهور كما ذكرنا . قوله ( أظنه ) يعني هذه اللفظة غير محفوظة ، وهذا الظن من أبي النعمان لتصريح البخاري في آخره بأن ذلك لم يقع في رواية الصلت ، وكان ذلك وقع من أبي النعمان لما حدث به البخاري ، وإلا فقد رواه الجوزقي من طريق أحمد بن يوسف السلمي ، عن أبي النعمان بدون ذلك ، وهو الصواب ، ونقل الحميدي ، عن البخاري أنه قال : شعبان أصح ، وقيل : إن ذلك ثابت في بعض الروايات في ( الصحيح ) ، وقال الخطابي : ذكر رمضان هنا وهم ؛ لأن رمضان يتعين صوم جميعه ، وكذا قال الداودي ، وابن الجوزي .
فإن قلت : روى مسلم : حدثنا أبو بكر بن أبي شعبة قال : حدثنا يزيد بن هارون ، عن الجريري ، عن العلاء ، عن مطرف ، عن عمران بن حصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل : هل صمت من سرر هذا الشهر شيئا ؟ قال : لا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين مكانه . قلت : روى مسلم أيضا من حديث هداب بن خالد ، عن عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال له أو لآخر : أصمت من سرر شعبان ؟ قال : لا ، قال : فإذا أفطرت فصم يومين . فهذا يدل على أن المراد من قوله في رواية البخاري : أما صمت سرر هذا الشهر ؟ - أنه شعبان ، وقول أبي النعمان : أظنه يعني رمضان - وهم كما ذكرنا ، وقيل : يحتمل أن يكون قوله رمضان في قوله رمضان ظرفا للقول الصادر منه صلى الله تعالى عليه وسلم لا لصيام المخاطب بذلك ، فيوافق رواية الجريري عن العلاء ، عن مطرف ، وقد ذكرناه الآن .
قلت : التحقيق فيه أن المراد من قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : أصمت سرر هذا الشهر ؟ في رواية البخاري - أنه شعبان ، يؤيده ويوضحه رواية مسلم من حديث هداب عن عمران ، وكذلك يوضح حديث هداب رواية مسلم من حديث مطرف ، فإنه ليس فيها ذكر شعبان ، والأحاديث يفسر بعضها بعضا ، وبقي الكلام في قوله : فإذا أفطرت من رمضان فصم يومين . فنقول : هذا ابتداء كلام معناه أنك إذا تركت السرر من رمضان الذي هو فرض ، فصم يومين عوضه ؛ لأن السرر يومان من آخر الشهر ، كما ذكرناه بخلاف سرر شعبان فإنه ليس بمتعين عليه ، فلذلك لم يأمره بالقضاء بعد قول الرجل : يا رسول الله ، يعني ما صمت سرر هذا الشهر الذي هو شعبان . فإن قلت : كيف قال : فصم يومين ، في رواية مسلم بعد قوله ( فإذا فطرت رمضان ) ، والذي يفطر رمضان هل يكتفي في قضائه بيومين ؟ قلت : تقديره من رمضان ، وحذفت لفظة من ، وهي مرادة كما في الرواية الأخرى ، وهو من قبيل قوله تعالى : وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ أي : من قومه ، وهذا هو تحرير هذا الموضع الذي لم أر أحدا من شراح البخاري ، ومن شراح مسلم حرر هذا الموضع كما ينبغي ، ولا سيما من يدعي في هذا الفن بدعاوى عريضة بمقدمات ليس لها نتيجة .