حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب اعتكاف النساء

حدثنا أبو النعمان قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا يحيى ، عن عمرة ، عن عائشة رضي الله عنها قالت : كان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فكنت أضرب له خباء فيصلي الصبح ثم يدخله فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فأذنت لها فضربت خباء ، فلما رأته زينب ابنة جحش ضربت خباء آخر ، فلما أصبح النبي صلى الله عليه وسلم رأى الأخبية فقال : ما هذا ؟ فأخبر فقال النبي صلى الله عليه وسلم آلبر ترون بهن ؟ فترك الاعتكاف ذلك الشهر ثم اعتكف عشرا من شوال . مطابقته للترجمة في ضرب حفصة وزينب خباء في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم للاعتكاف . وأبو النعمان محمد بن الفضل السدوسي ، ويحيى هو ابن سعيد الأنصاري ، وعمرة بنت عبد الرحمن الأنصارية وقد مرت غير مرة .

والحديث أخرجه البخاري أيضا في الصوم عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وعن محمد بن سلام ، عن محمد بن فضيل ، وعن محمد بن مقاتل ، عن عبد الله ، عن الأوزاعي على ما سيأتي كله ، وأخرجه مسلم فيه عن يحيى بن يحيى ، وعن ابن أبي عمر ، وعن سلمة بن شبيب ، وعن عمرو بن سواد ، وعن محمد بن رافع ، وعن زهير بن حرب ، وأخرجه أبو داود فيه عن عثمان بن أبي شيبة ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد ، وأخرجه النسائي في الصلاة عن أبي داود الحراني ، وفي الاعتكاف عن محمد بن منصور ، وعن أحمد بن سليمان ، وأخرجه ابن ماجه في الصوم عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وفي ألفاظهم اختلاف والمعنى متقارب . ذكر معناه قوله : عن عمرة وفي رواية الأوزاعي التي تأتي في أواخر الاعتكاف عن يحيى بن سعيد ، حدثتني عمرة بنت عبد الرحمن قوله : عن عائشة وفي رواية أبي عوانة من طريق عمرو بن الحارث ، عن يحيى بن سعيد ، عن عمرة حدثتني عائشة قوله : خباء بكسر الخاء المعجمة وبالمد هو الخيمة من وبر أو صوف ولا يكون من الشعر ، وهو على عمودين أو ثلاثة ويجمع على الأخبية نحو الخمار والأخمرة . قوله : فيصلي الصبح ثم يدخله أي الخباء ، وفي رواية ابن فضيل ، عن يحيى بن سعيد التي تأتي في باب الاعتكاف في شوال : كان يعتكف في كل رمضان فإذا صلى الغداة دخل واستدل به على أن مبدأ الاعتكاف من أول النهار ، وفيه خلاف يأتي .

قوله : فاستأذنت حفصة عائشة أن تضرب خباء فحفصة هو الفاعل وعائشة هو المفعول وكلمة أن مصدرية والأصل بأن تضرب أي : تضرب خباء ، وفي رواية الأوزاعي على ما يأتي فاستأذنته عائشة فأذن لها وسألت حفصة عائشة أن تستأذن لها ففعلت وفي رواية ابن فضيل على ما يأتي : فاستأذنته عائشة أن تعتكف فأذن لها فضربت قبة فسمعت بها حفصة فضربت قبة وزاد في رواية عمرو بن الحارث : لتعتكف معه . وهذا يشعر بأنها فعلت ذلك بغير إذن ولكن جاء في رواية ابن عيينة عند النسائي : ثم استأذنته حفصة فأذن لها . قوله : فلما رأته زينب بنت جحش ضربت خباء وفي رواية ابن فضيل : وسمعت بها زينب فضربت قبة أخرى ، وفي رواية عمرو بن الحارث : فلما رأته زينب ضربت معهن وكانت امرأة غيورا .

قوله : فلما أصبح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم رأى الأخبية ، وفي رواية مالك التي بعد هذه : فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف فيه إذا أخبية وفي رواية ابن فضيل : فلما انصرف من الغداة أبصر أربع قباب يعني قبه له ، وثلاثا للثلاث ، وفي رواية الأوزاعي : وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلى انصرف إلى بنائه أي : الذي بني له ليعتكف فيه ، ووقع في رواية أبي معاوية عند مسلم وأبي داود : فأمرت زينب بخبائها فضرب وأمر غيرها من أزواج النبي صلى تعالى الله عليه وسلم بخبائها فضرب قال بعضهم : وهذا يقتضي تعميم الأزواج بذلك وليس كذلك . وقد فسرت الأزواج في الروايات الأخرى بعائشة وحفصة وزينب فقط وبين ذلك قوله في هذه الروايات : أربع قباب ، وفي رواية ابن عيينة عند النسائي فلما صلى الصبح إذا هو أربعة أبنية قال : لمن هذه ؟ قالوا : لعائشة وحفصة وزينب انتهى ، قلت : هذا القائل كأنه نسي كلمة من هاهنا فإن من في قوله : من أزواج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للتبعيض فمن أين يأتي التعميم . ومعنى قوله : وأمر غيرها أي : غير زينب وهي حفصة ، قوله : آلبر ترون بهن الهمزة فيه للاستفهام على سبيل الإنكار ، والبر : هو الطاعة والخير ، وهو منصوب بلفظ ترون المعلوم من الرأي ، وبلفظ المجهول بمعنى تظنون ، ويجوز الرفع وإلغاء الفعل لأنه توسط بين المفعولين قاله الكرماني قلت : وجه النصب على أنه مفعول ترون مقدما ووجه الرفع ...... .

، وفي رواية مالك : آلبر تقولون بهن أي : تظنون ، والقول يطلق على الظن ، ووقع في رواية الأوزاعي : آلبر أردن بهذا وفي رواية ابن فضيل : ما حملهن على هذا آلبر ؟ انزعوها فلا أراها فنزعت وكلمة ما استفهامية ، وقوله : آلبر بهمزة الاستفهام مرفوع على الابتداء وخبره محذوف تقديره آلبر يردنه . قوله : فلا أراها الفاء يجوز أن تكون زائدة أي : لا أرى الأخبية المذكورة ، وقال ابن التين : الصواب حذف الألف من أراها لأنه مجزوم قلت : ليس كذلك ؛ لأنه نفي وليس بنهي . قوله : فترك الاعتكاف وفي رواية أبي معاوية : فأمر بخبائه فقوض بضم القاف وتشديد الواو المكسورة وفي آخره ضاد معجمة أي : نقض ، وقال القاضي عياض : إنما قال صلى الله عليه وسلم هذا الكلام إنكارا لفعلهن ؛ لأنه خاف أن يكن غير مخلصات في الاعتكاف بل أردن القرب منه والمباهاة به ؛ ولأن المسجد يجمع الناس ويحضره الأعراب والمنافقون وهن محتاجات إلى الدخول والخروج فيبتذلن بذلك ؛ ولأنه صلى الله عليه وسلم إذا رآهن عنده في المسجد فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه ، وذهب المقصود من الاعتكاف وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقات الدنيا ، أو لأنهن ضيقن المسجد بأخبيتهن ونحوها .

قوله : فترك الاعتكاف إلى آخره ، وفي رواية ابن فضيل : فلم يعتكف في رمضان حتى اعتكف في آخر العشر من شوال وفي رواية أبي معاوية : حتى اعتكف في العشر الأول من شوال والتوفيق بين الروايتين هو أن المراد بقوله : آخر العشر من شوال انتهاء اعتكافه ، وقال الإسماعيلي : فيه دليل على جواز الاعتكاف بغير صوم لأن أول شوال هو يوم الفطر وصومه حرام قلت : ليس فيه دليل لما قاله لأن المراد من قوله : اعتكف في العشر الأول أي : كان ابتداؤه في العشر الأول فإذا اعتكف من اليوم الثاني من شوال يصدق عليه أنه ابتدأ في العشر الأول واليوم الأول منه يوم أكل وشرب ، ويقال : كما ورد في الحديث ، والاعتكاف هو التخلي للعبادة فلا يكون اليوم الأول محلا له بالحديث . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه في قوله : فيصلي الصبح ثم يدخله احتجاج من يقول يبدأ بالاعتكاف من أول النهار وبه قال الأوزاعي ، والليث في أحد قوليه ، واختاره ابن المنذر وذهبت الأربعة والنخعي إلى جواز دخوله قبيل الغروب إذا أراد اعتكاف عشر أو شهر ، وأولوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه ، وتخلى بنفسه بعد صلاة الصبح ؛ لأن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف أول الليل ولم يدخل الخباء إلا بعد ذلك ، وقال أبو ثور : إن أراد الاعتكاف عشر ليالي دخل قبل الغروب ، وهل يبيت ليلة الفطر في معتكفه ولا يخرج منه إلا إذا خرج لصلاة العيد فيصلي وحينئذ يخرج إلى منزله ، أو يجوز له أن يخرج عند الغروب من آخر يوم من شهر رمضان ، قولان للعلماء : الأول : قول مالك ، وأحمد ، وغيرهما وسبقهم أبو قلابة وأبو مجلز واختلف أصحاب مالك إذا لم يفصل هل يبطل اعتكافه أم لا يبطل ؟ قولان ، وذهب الشافعي ، والليث ، والزهري والأوزاعي في آخرين إلى أنه يجوز خروجه ليلة الفطر ، ولا يلزمه شيء ، وفيه أن المسجد شرط للاعتكاف لأن النساء شرع لهن الاحتجاب في البيوت ، فلو لم يكن المسجد شرطا ما وقع ما ذكر من الإذن والمنع ، وقال إبراهيم بن عبلة في قوله : آلبر يردن دلالة على أنه ليس لهن الاعتكاف في المسجد إذ مفهومه ليس ببر لهن ، وقال بعضهم : وليس ما قاله بواضح ، قلت : بلى هو واضح لأنه إذا لم يكن برا لهن يكون فعله غير بر ، أي غير طاعة وارتكاب غير الطاعة حرام ، ويلزم من ذلك عدم الجواز . وفيه جواز ضرب الأخبية في المسجد ، وفيه شؤم الغيرة لأنها ناشئة عن الحسد المفضي إلى ترك الأفضل لأجله ، وفيه ترك الأفضل إذا كان فيه مصلحة وأن من خشي على عمله الرياء جاز له تركه وقطعه .

وقال بعضهم : وفيه أن الاعتكاف لا يجب بالنية ، وأما قضاؤه صلى الله عليه وسلم له فعلى طريق الاستحباب ؛ لأنه كان إذا عمل عملا أثبته ؛ ولهذا لم ينقل أن نساءه اعتكفن معه في شوال انتهى . قلت : قوله : إن الاعتكاف لا يجب بالنية ليس بمقتصر على الاعتكاف بل كل عمل ينوي الشخص أن يعمله لا يلزمه بمجرد النية ، بل إنما يلزمه بالشروع . وقال الترمذي : اختلف أهل العلم في المعتكف إذا قطع اعتكافه قبل أن يتمه على ما نوى فقال بعض أهل العلم : إذا نقض اعتكافه وجب عليه القضاء واحتجوا بالحديث ، وهو الحديث الذي رواه عن أنس قال : كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يعتكف في العشر الأواخر من رمضان فلم يعتكف عاما ، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين ثم قال : هذا حديث حسن صحيح غريب وانفرد به ، وقال : إنه صلى الله تعالى عليه وسلم خرج من اعتكافه فاعتكف عشرا من شوال ، وهو قول مالك بن أنس .

قلت : ما وجه استدلالهم بهذا الحديث في وجوب القضاء ، وفي الحديث المذكور يقول صريحا : فلم يعتكف عاما ، فلما كان في العام المقبل اعتكف عشرين فإذا لم يعتكف كيف يستدل به على وجوب القضاء ، والظاهر أن اعتكافه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يكن في العام المقبل إلا لأنه قد عزم عليه ، ولكنه لم يعتكف ثم وفى لله عز وجل بما نواه من فعل الخير واعتكف في شوال ، وهو اللائق في حقه ، وقال ابن عبد البر : غير نكير أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قضى الاعتكاف من أجل أنه نوى أن يعمله ، وإن لم يدخل فيه لأنه كان أوفى الناس لربه فيما عاهده عليه ، وقال شيخنا رحمه الله : وعلى تقدير شروعه ففيه دليل على جواز خروج المعتكف المتطوع من اعتكافه . وقد اختلف العلماء في ذلك فقال مالك في الموطأ : المتطوع في الاعتكاف والذي عليه الاعتكاف أمرهما سواء فيما يحل لهم ، ويحرم عليهما قال : ولم يبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان اعتكافه إلا تطوعا ، وقال ابن عبد البر : قوله هذا قول جماهير العلماء ؛ لأن الاعتكاف وإن لم يكن واجبا إلا على من نذره فإنه يجب بالدخول فيه كالصلاة النافلة والحج والعمرة . وقال ابن المنذر : وفي الحديث أن المرأة لا تعتكف حتى تستأذن زوجها ، وأنها إذا اعتكفت بغير إذنه كان له أن يخرجها ، وإن كان بإذنه فله أن يرجع فيمنعها ، وعن أهل الرأي إذا أذن لها الزوج ثم منعها أثم بذلك وامتنعت ، وعن مالك : ليس له ذلك ، وهذا الحديث حجة عليهم .

قلت : كيف يكون الحديث حجة عليهم ، وليس فيه ما ذكره من ذلك صريحا ، وليس فيه إلا ما ذكر من استئذان حفصة من عائشة في ضرب الخباء وإذن عائشة لها بذلك ، وضربت زينب خباء آخر من غير استئذان من أحد . وفيه إنكاره صلى الله عليه وسلم عليهن بذلك ، ووجه إنكاره ما ذكرناه عن القاضي عياض عن قريب ، وليس فيه ما يدل على ما ذكره ابن المنذر على ما لا يخفى على المتأمل . وقال بعضهم : وفيه جواز الخروج من الاعتكاف بعد الدخول فيه ، وأنه لا يلزم بالنية ولا بالشروع فيه أي : لا يلزم الاعتكاف بالشروع فيه ، ويستنبط منه سائر التطوعات خلافا لمن قال باللزوم ، انتهى .

قلت : ليس في الحديث ما يدل على ما ذكره ؛ لأن الحديث لا يدل على أنه صلى الله عليه وسلم دخل في الاعتكاف ثم خرج منه غاية ما في الباب أنه بطل الاعتكاف في ذلك الشهر يدل عليه قوله : فترك الاعتكاف ذلك الشهر ، وقوله : ولا بالشروع فيه ، أي : لا يلزم الاعتكاف بالشروع فيه دعوى من الخارج ، والحديث لا يدل عليه وكيف لا يلزم بالشروع في عبادة ، والقول بذلك يؤدي إلى إبطال العمل ، وقد قال الله تعالى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ وقوله : ويستنبط منه غير مسلم لأن الذي ذكره لا يدل عليه الحديث ، وكيف يستنبط منه عدم لزوم سائر التطوعات ؛ لأن الاستنباط لا يكون إلا من دليل صحيح فافهم .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث