باب ذكر الخياط
( باب ذكر الخياط ) 44 - حدثنا عبد الله بن يوسف قال : أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول : إن خياطا دعا رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لطعام صنعه ، قال أنس بن مالك : فذهبت مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ذلك الطعام ، فقرب إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خبزا ومرقا فيه دباء وقديد ، فرأيت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يتتبع الدباء من حوالى القصعة . قال : فلم أزل أحب الدباء من يومئذ .
مطابقته للترجمة في قوله : " إن خياطا " وإسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة اسمه زيد بن سهل الأنصاري ، ابن أخي أنس بن مالك . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأطعمة عن قتيبة بن سعيد ، والقعنبي وأبي نعيم ، وإسماعيل بن أبي أويس . وأخرجه مسلم في الأطعمة عن قتيبة .
وأخرجه النسائي في الوليمة عن قتيبة . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي . وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن ميمون الخياط .
وفي الشمائل عن قتيبة ، وقال الترمذي : حسن صحيح . والدباء بضم الدال المهملة ج١١ / ص٢١١وتشديد الباء الموحدة ممدودا ، وهو القرع ، قال ابن ولاد : واحدته دباءة ، وفي ( الجامع ) للقزاز : الدبا بالقصر لغة في القرع ، وذكره ابن سيده في الممدود الذي ليس بمقصور من لفظه ، وفي ( شرح المهذب ) هو القرع اليابس . ( قلت ) : فيه نظر ؛ لأن القرع اليابس لا يطبخ بدليل حديث الباب ، وقال أبو حنيفة في ( كتاب النبات ) : الدباء من اليقطين ينقرش ، ولا ينهض كجنس البطيخ والقثاء ، وقد روي عن ابن عباس " كل ورقة اتسعت ورقت فهي يقطين " .
قوله : " خبزا " قال الإسماعيلي : الخبز الذي جاء به الخياط كان من شعير . قوله : " ومرقا فيه دباء وقديدا " قال الداودي : فيه دليل على أنه صنع بذلك الخبز والمرق ثريدا ؛ لقوله : " من حوالي القصعة " ، وقال القرطبي : أما تتبعه من حوالي القصعة ؛ لأن الطعام كان مختلطا ، فكان يأكل ما يعجبه منه وهو الدباء ، ويترك ما لا يعجبه وهو القديد . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه الإجابة إلى الدعوة ، وقد اختلف فيها ، فمنهم من أوجبها ، ومنهم من قال : هي سنة ، ومنهم من قال : هي مندوب إليها .
وفيه دلالة على تواضع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذ أجاب دعوة الخياط وشبهه . وفيه فضيلة أنس رضي الله تعالى عنه حيث بلغت محبته لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى أنه كان يحب ما أحبه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - من الأطعمة . وفيه دليل على فضيلة القرع على غيره ، وذكر أصحابنا أن من قال : كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يحب القرع ، فقال آخر : لا أحب القرع - يخشى عليه من الكفر .
وفيه ما قاله الكرماني : إن الصحفة التي قربت إليه كانت له وحده ، فإذا كانت له ولغيره فالمستحب أن يأكل مما يليه . وفيه جواز أكل الشريف طعام الخياط والصائغ ، وإجابته إلى دعوته . وفيه إتيانه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - منازل أصحابه ، والائتمار بأمرهم ، وقد قال شعيب عليه الصلاة والسلام : وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ فتأسى به في الإجابة .
وفيه الإجابة إلى الثريد ، وهو خير الطعام . قال الخطابي : وفيه جواز الإجارة على الخياطة ردا على من أبطلها بعلة أنها ليست بأعيان مرئية ، ولا صفات معلومة ، وفي صنعة الخياطة معنى ليس في سائر ما ذكره البخاري من ذكر القين والصائغ والنجار ؛ لأن هؤلاء الصناع إنما تكون منهم الصنعة المحضة فيما يستصنعه صاحب الحديد ، والخشب ، والفضة ، والذهب ، وهي أمور من صنعة يوقف على حدها ، ولا يختلط بها غيرها ، والخياط إنما يخيط الثوب في الأغلب بخيوط من عنده ، فيجمع إلى الصنعة الآلة وإحداهما معناها التجارة ، والأخرى الإجارة ، وحصة إحداهما لا تتميز من الأخرى ، وكذلك هذا في الخراز والصباغ ، إذا كان يخرز بخيوطه ، ويصبغ هذا بصبغة على العادة المعتادة فيما بين الصناع ، وجميع ذلك فاسد في القياس ، إلا أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وجدهم على هذه العادة أول زمن الشريعة فلم يغيرها ؛ إذ لو طولبوا بغيرها لشق عليهم ، فصار بمعزل من موضع القياس ، والعمل به ماض صحيح ؛ لما فيه من الإرفاق .