باب بيع الثمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة
حدثنا يحيى بن سليمان ، قال : حدثنا ابن وهب قال : أخبرنا ابن جريج ، عن عطاء وأبي الزبير ، عن جابر رضي الله عنه قال : نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى يطيب ، ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم ، إلا العرايا . مطابقته للترجمة في قوله : ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم وهما الذهب والفضة ( فإن قلت ) : ليس في الحديث ذكر رؤوس النخل ( قلت ) : المراد من قوله : بيع الثمر أي : الثمر الكائن على رؤوس الشجر ، يدل عليه قوله : حتى يطيب ، فإن الثمر الذي هو الرطب لا يطيب إلا على رؤوس الشجر . ويحيى بن سليمان أبو سعيد الجعفي الكوفي ولكنه سكن مصر ، سمع عبد الله بن وهب ، وهو من أفراده ، وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز ، وقد تكرر ذكره ، وأبو الزبير بضم الزاي وفتح الباء الموحدة واسمه محمد بن مسلم بن تدرس بلفظ مخاطب مضارع الدرس ، والحديث أخرجه أبو داود في البيوع أيضا ، عن إسحاق بن إسماعيل ، وأخرجه ابن ماجه في التجارات ، عن هشام بن عمار .
قوله : عن عطاء وأبي الزبير كذا جمع بينهما عبد الله بن وهب وتابعه أبو عاصم عند مسلم ويحيى بن أيوب عند الطحاوي ، كلاهما عن ابن جريج ، ورواه سفيان بن عيينة عند مسلم عن ابن جريج : أخبرني عطاء . قوله : عن جابر ، وفي رواية أبي عاصم المذكور أنهما سمعا جابر بن عبد الله . قوله : عن بيع الثمر بالثاء المثلثة أي : الرطب .
قوله : حتى يطيب أي : طعمه ، والغرض منه أن يبدو صلاحه . قوله : ولا يباع شيء منه أي : من الثمر . قوله : إلا بالدينار والدرهم ، وقد ذكرنا الآن وجه ذكرهما .
قوله : إلا العرايا أي : إلا العرايا بالابتياع بالدينار والدرهم ، ويفسر هذا رواية يحيى بن أيوب ، فإن في روايته أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - رخص فيها أي : في العرايا ، وهي بيع الرطب فيها بعد أن يخرص ويعرف قدره بقدر ذلك من التمر ، وقد مر أن قوما منهم الأئمة الثلاثة احتجوا بهذا الحديث وأمثاله على عدم جواز بيع الثمار على رؤوس النخل حتى تحمر أو تصفر ، وأجاز ذلك قوم بعد ظهورها ومنهم أبو حنيفة - رضي الله تعالى عنه - وأصحابه ، وقال ابن المنذر : ادعى الكوفيون أن بيع العرايا منسوخ بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الثمر بالتمر ، وهذا مردود ؛ لأن الذي روى النهي عن بيع الثمر بالتمر هو الذي روى الرخصة في العرايا ، وقال بعضهم : ورواية سالم الماضية في الباب الذي قبله تدل على أن الرخصة في بيع العرايا وقع بعد النهي عن بيع التمر بالثمر ، ولفظه عن ابن عمر مرفوعا : ولا تبيعوا الثمر بالتمر ، قال : وعن زيد بن ثابت أنه - صلى الله عليه وسلم - رخص بعد ذلك في بيع العرية ، وهذا هو الذي يقتضيه لفظ الرخصة فإنها تكون بعد منع . انتهى . قلت : أما قول ابن المنذر فإنه مردود ؛ لأن رواية من روى النهي عن بيع الثمر بالتمر وروى الرخصة في العرايا لا يستلزم منع النسخ ، على أنا قد ذكرنا فيما مضى أن هذا النقل عن الكوفيين الحنفية غير صحيح ، وأما قول هذا القائل الذي قال : ورواية مسلم إلى آخره فقد رويناه فيما مضى في الباب الذي قبله ، ولأن هذا الحديث مشتمل على حكمين مقرونين أحدهما النهي عن بيع الثمر بالتمر والآخر الترخيص في العرايا ، ولا يلزم من ذكرهما مقرونين أن يكون حكمهما واحدا ، ثم خرج أحدهما عن الآخر ؛ لأن كلا منهما كلام مستقل بذاته ، وقد يقرن الشيء بالشيء وحكمهما مختلف ، ونظائر هذا كثيرة ، وقد ذكر أهل التحقيق من الأصوليين أن من العمل بالوجوه الفاسدة ما قال بعضهم : إن القران في النظم يوجب القران في الحكم ، وقول زيد بن ثابت أنه - صلى الله عليه وسلم - رخص في بيع العرية كلام تام لا يفتقر إلى ما يتم به .
( فإن قلت ) : الاستثناء في الحديث يقتضي أن العرايا قد خرجت من صدر الكلام ، فيقتضي أن تكون الرخصة بعد المنع ( قلت ) : الاستثناء من قوله : ولا يباع شيء منه إلا بالدينار والدرهم ، ولم تكن العرية داخلة في صدر الكلام الذي هو النهي عن بيع التمر بالثمر ؛ لأنها عطية وهبة فلا تدخل تحت البيع حتى يستثنى منه ، ولما لم يكن بيعا بين بالاستثناء أنه لا يجعل فيها الدينار والدرهم كما في البيع ، والدليل على كونها هبة ما رواه الطحاوي فقال : حدثنا أحمد بن داود ، قال : حدثنا محمد بن عون ، قال : حدثنا حماد بن سلمة ، عن أيوب وعبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى البائع والمبتاع عن المزابنة ، قال : وقال زيد بن ثابت : رخص في العرايا في النخلة والنخلتين توهبان للرجل فيبيعهما بخرصهما تمرا ، ورواه الطبراني أيضا في الكبير ، ثم قال الطحاوي : فهذا زيد بن ثابت ، وهو أحد من روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الرخصة في العرية ، فقد أخبر أنها الهبة ، وقال الطحاوي أيضا : وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : خففوا في الصدقات فإن في المال العرية والوصية حدثنا بذلك أبو بكرة ، قال : حدثنا أبو عمر الضرير قال : أخبرنا جرير بن خازم قال : سمعت قيس بن سعد يحدث عن مكحول الشامي ، عن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بذلك ، فدل على أن العرية إنما هي شيء يملكه أرباب الأموال قوما في حياتهم كما يملكون الوصايا بعد مماتهم . ( قلت ) : إسناده صحيح ، وهو مرسل ، والمرسل حجة عندنا . ( فإن قلت ) : زيد بن ثابت سمى العرية بيعا حيث قال : ورخص بعد ذلك في بيع العرية ( قلت ) : سماها بيعا لتصورها بصورة البيع لا أنها بيع حقيقة لانعدام القبض ، ولأنها لو جعلت بيعا حقيقة لكان بيع الثمر بالتمر إلى أجل ، وأنه لا يجوز بلا خلاف ، وقد ذكرنا هذا مرة فيما مضى .