باب إثم من باع حرا
( باب إثم من باع حرا ) 170 - حدثني بشر بن مرحوم قال : حدثنا يحيى بن سليم ، عن إسماعيل بن أمية ، عن سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : قال الله : ثلاثة ج١٢ / ص٤٢أنا خصمهم يوم القيامة : رجل أعطى بي ثم غدر ، ورجل باع حرا فأكل ثمنه ، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره .
مطابقته للترجمة في قوله :« ورجل باع حرا فأكل ثمنه» . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول بشر ، بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، ابن مرحوم ضد المعذب ، وهو بشر بن عبيس بن مرحوم بن عبد العزيز بن مهران ، مولى آل معاوية بن أبي سفيان القرشي العطار ، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين ، وعبيس بضم العين المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة . الثاني يحيى بن سليم ، بضم السين المهملة ، القرشي الخراز الحذاء ، يكنى أبا زكريا ويقال أبو محمد ، مات سنة خمس وتسعين ومائة .
الثالث إسماعيل بن عمرو بن سعيد بن العاص الأموي ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة . الرابع سعيد المقبري ، وقد تكرر ذكره . الخامس أبو هريرة .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الإفراد في موضع ، وبصيغة الجمع في موضع ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه طائفي نزل مكة مختلف في توثيقه ، وليس له في البخاري موصولا سوى هذا الحديث ، وذكره في الإجارة من وجه آخر عنه ، وفيه أن يحيى وإسماعيل مكيان وسعيد مدني ، روى الحديث المذكور عن أبي هريرة ، وقال البيهقي : رواه أبو جعفر النفيلي عن يحيى بن سليم ، فقال : عن سعيد بن أبي سعيد عن أبيه عن أبي هريرة ، والمحفوظ قول الجماعة ، وهذا الحديث من أفراد البخاري . ( ذكر معناه ) قوله : « ثلاثة » ، أي : ثلاثة أنفس ، وذكر الثلاثة ليس للتخصيص ؛ لأن الله تعالى خصم لجميع الظالمين ، ولكن لما أراد التشديد على هؤلاء الثلاثة صرح بها . قوله : « خصمهم » الخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة والمذكر والمؤنث بلفظ واحد ، وزعم الهروي أن الخصم بالفتح الجماعة من الخصوم ، والخصم بكسر الخاء الواحد ، وقال الخطابي : الخصم هو المولع بالخصومة الماهر فيها ، وعن يعقوب : يقال للخصم خصيم ، وفي ( الواعي ) : خصيم للمخاصم والمخاصم ، وعن الفراء كلام العرب الفصحاء أن الاسم إذا كان مصدرا في الأصل لا يثنونه ولا يجمعونه ، ومنهم من يثنيه ويجمعه ، فالفصحاء يقولون : هذا خصم في جميع الأحوال ، والآخرون يقولون : هذان خصمان وهم خصوم وخصماء ، وكذا ما أشبهه .
قوله : « أعطى بي » حذف فيه المفعول ، تقديره : أعطى العهد باسمي واليمين به ، ثم نقض العهد ولم يف به ، وقال ابن الجوزي : معناه حلف في قوله ثم غدر ، يعني نقض العهد الذي عهد عليه واجترأ على الله تعالى . قوله : « باع حرا » ، أي : عالما متعمدا ، فإن كان جاهلا فلا يدخل في هذا القول . قوله : « فأكل ثمنه » خص الأكل بالذكر ؛ لأنه أعظم مقصود .
قوله : « فاستوفى منه » ، أي : استوفى العمل منه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه أن العذاب الشديد على الثلاثة المذكورين : أما الأول فلأنه هتك حرمة اسم الله تعالى ، وأما الثاني فلأن المسلمين أكفاء في الحرية والذمة ، وللمسلم على المسلم أن ينصره ولا يظلمه ، وأن ينصحه ولا يغشه ، وليس في الظلم أعظم ممن يستعبده أو يعرضه على ذلك ، ومن باع حرا فقد منعه التصرف فيما أباح الله له وألزمه حال الذلة والصغار ، فهو ذنب عظيم ينازع الله به في عباده ، وأما الثالث فهو داخل في بيع حر ؛ لأنه استخدمه بغير عوض ، وهذا عين الظلم . وقال ابن المنذر : وكل من لقيت من أهل العلم على أن من باع حرا لا قطع عليه ويعاقب ، ويروى عن ابن عباس يرد البيع ويعاقبان ، وروى حلاس عن علي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال : تقطع يده ، والصواب قول الجماعة ؛ لأنه ليس بسارق ، ولا يجوز قطع غير السارق .
وذكر ابن حزم عن عبد الله بن بريدة أن رجلا باع نفسه ، فقضى عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - بأنه عبد كما أقر ، وجعل ثمنه في سبيل الله تعالى ، وروى ابن أبي شيبة عن شريك عن الشعبي عن علي - رضي الله عنه - قال : « إذا أقر على نفسه بالعبودية فهو عبد » ، وروى سعيد بن منصور ، فقال : حدثنا هشيم ، أنبأنا مغيرة بن مقسم ، عن النخعي ج١٢ / ص٤٣فيمن ساق إلى امرأة رجلا ، فقال إبراهيم : هو رهن بما جعل فيه حتى يفتك نفسه ، وعن زرارة بن أوفى قاضي البصرة التابعي أنه باع حرا في دين عليه ، قال ابن حزم : وروينا هذا القول عن الشافعي ، وهي قولة غريبة لا يعرفها من أصحابه إلا من تبحر في الآثار ، قال : وهذا قضاء عمر وعلي بحضرة الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ، ولم يعترضهما معترض ، قال : وقد جاء أثر بأن الحر يباع في دينه في صدر الإسلام إلى أن أنزل الله : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ ، وروي عن أبي سعيد الخدري « أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باع حرا أفلس » ، ورواه الدارقطني من حديث حجاج ، عن ابن جريج ، فقال : عن أبي سعيد أو سعد على الشك ،
ورواه البزار من حديث مسلم بن خالد الزنجي ، عن زيد بن أسلم ، عن عبد الرحمن بن البيلماني ، عن سرق ، أنه اشترى من أعرابي بعيرين فباعهما ، فقال - صلى الله عليه وسلم - :« يا أعرابي ، اذهب فبعه حتى تستوفي حقك » فأعتقه الأعرابي . ورواه ابن سعد عن أبي الوليد الأزرقي ، عن مسلم ، وهو سند صحيح وضعفه عبد الحق ، بأن قال : مسلم وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم ضعيفان وليس بجيد ؛ لأن مسلما وثقه غير واحد وصحح حديثه ، وعبد الرحمن لا مدخل له في هذا لا جرم ، وأخرجه الحاكم من حديث بندار : حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث ، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن دينار ، حدثنا زيد بن أسلم ، ثم قال : على شرط البخاري، وفي ( التوضيح ) ويعارضه في ( مراسيل ) أبي داود عن الزهري : كان يكون على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ديون على رجال ، ما علمنا حرا بيع في دين .