باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها
( باب هل يسافر بالجارية قبل أن يستبرئها ) ولم ير الحسن بأسا أن يقبلها أو يباشرها . الحسن هو البصري ، هذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن ابن علية قال : سئل يونس عن الرجل يشتري الأمة فيستبرئها يصيب منها القبلة والمباشرة ، فقال ابن سيرين : يكره ذلك .
ويذكر عن الحسن أنه كان لا يرى بالقبلة بأسا . قوله : « أو يباشرها » يعني فيما دون الفرج ، ويروى : « ويباشرها » بالواو ، ويؤيد هذا ما رواه عبد الرزاق بإسناده عن الحسن قال : يصيب ما دون الفرج ، ولفظ المباشرة أعم من التقبيل وغيره ، ولكن الفرج مستثنى لأجل المعرفة ببراءة الرحم . وقال ابن عمر - رضي الله عنهما - : إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت أو عتقت فليستبرأ رحمها بحيضة ، ولا تستبرأ العذراء .
ابن عمر هو عبد الله بن عمر . قوله : « إذا وهبت » إلى قوله : « بحيضة » تعليق وصله أبو بكر بن أبي شيبة من طريق عبيد الله عن نافع عن ابن عمر والوليدة الجارية . قوله : « التي توطأ » على صيغة المجهول .
قوله : « أو بيعت » بكسر الباء على صيغة المجهول أيضا . قوله : « أو عتقت » بفتح العين ، وقيل بضمها وليس بشيء . قوله : « فليستبرأ » على صيغة المجهول أو المعلوم ، أي : ليستبرئ المتهب والمشتري والمتزوج بها الغير المعتق .
قوله : « ولا تستبرأ العذراء » ، وهي البكر إذ لا شك في براءة رحمها من الولد ، وهذا التعليق وصله ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب ، عن سعيد ، عن أيوب ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : إن اشترى أمة عذراء فلا يستبرئها ، وقال ابن التين : هذا خلاف ما يقوله مالك ، قيل : والشافعي أيضا ، وقيل : يستبرئ استحبابا ، وعن ابن سيرين في الرجل يشتري الأمة العذراء قال : لا يقربن رحمها حتى يستبرئها ، وعن الحسن يستبرئها وإن كانت بكرا ، وكذا قاله عكرمة ، وقال عطاء في رجل اشترى جارية من أبويها عذراء قال : يستبرئها بحيضتين . ومذهب جماعة منهم ابن القاسم ، وسالم ، والليث ، وأبو يوسف : لا استبراء إلا على البالغة ، وكان أبو يوسف لا يرى استبراء العذراء وإن كانت بالغة ، ذكره ابن الجوزي عنه . وقال إياس بن معاوية في رجل اشترى جارية صغيرة لا يجامع مثلها قال : لا بأس أن يطأها ، ولا يستبرئها .
وكره قتادة تقبيلها حتى يستبرئها ، وقال أيوب اللخمي : وقعت في سهم ابن عمر جارية يوم جلولاء ، فما ملك نفسه حتى قبلها ، قال ابن بطال : ثبت هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما . وقال عطاء : لا بأس أن يصيب من جاريته الحامل ما دون الفرج ، وقال الله تعالى : ( إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ) . عطاء هو ابن أبي رباح المكي ، والمراد بقوله : « الحامل من غير سيدها » لأنها إذا كانت حاملا من سيدها ، فلا يرتاب في حله ، ثم وجه الاستدلال بالآية هو أن الله تعالى مدح الحافظين فروجهم إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم ، فإنها دلت على جواز الاستمتاع بجميع وجوهه، لكن خرج الوطء بدليل فبقي الباقي على أصله .
ج١٢ / ص٥٢177 - حدثنا عبد الغفار بن داود قال : حدثنا يعقوب بن عبد الرحمن ، عن عمرو بن أبي عمرو ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - خيبر ، فلما فتح الله عليه الحصن ذكر له جمال صفية بنت حيي بن أخطب ، وقد قتل زوجها وكانت عروسا ، فاصطفاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنفسه ، فخرج بها حتى بلغنا سد الروحاء حلت فبنى بها ، ثم صنع حيسا في نطع صغير ، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : "آذن من حولك" ، فكانت تلك وليمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على صفية ، ثم خرجنا إلى المدينة ، قال : فرأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يحوي لها وراءه بعباءة ، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته ، فتضع صفية رجلها على ركبتيه حتى تركب . مطابقته للترجمة من حيث إنه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - لما اصطفى صفية استبرأها بحيضة ، ثم بنى بها ، وهذا يفهم من قوله : « حتى بلغنا سد الروحاء حلت » ، فإن المراد بقوله « حلت » أي : طهرت من حيضها ، وقد روى البيهقي أنه - صلى الله عليه وسلم - استبرأ صفية بحيضة . ( ذكر رجاله ) وهم أربعة : الأول عبد الغفار بن داود بن مهران ، مات سنة أربع وعشرين ومائتين .
الثاني يعقوب بن عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله بن عبد القاري من القارة حليف بني زهرة ، وقد مر في باب الخطبة على المنبر . الثالث عمرو بن أبي عمرو واسمه ميسرة يكنى أبا عثمان . الرابع أنس بن مالك .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وأنه حراني سكن مصر ، وأن يعقوب مدني سكن إسكندرية ، وأن عمرو بن أبي عمرو مدني ، مات في أول خلافة أبي جعفر المنصور سنة ثنتين وثلاثين ومائة . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في المغازي عن عبد الغفار ، وفي الجهاد عن قتيبة ، وفي المغازي أيضا عن أحمد عن ابن وهب ، وفي الأطعمة ، وفي الدعوات عن قتيبة أيضا ، وأخرجه أبو داود في الخراج عن سعيد بن منصور . ( ذكر معناه ) قوله : « خيبر » كانت غزوة خيبر سنة ست ، وقيل : سبع .
قوله : « الحصن » اسمه القموص ، وكان - صلى الله تعالى عليه وسلم - سبى صفية وابنة عم لها من هذا الحصن . قوله : « صفية » بفتح الصاد المهملة وكسر الفاء وتشديد الياء آخر الحروف ، الصحيح أن هذا كان اسمها قبل السبي ، وقيل : كان اسمها زينب فسميت صفية بعد السبي . قوله : « بنت حيي » بضم الحاء المهملة وفتح الياء آخر الحروف الأولى وتشديد الثانية ، قال الدارقطني : المحدثون يقولونه بكسر الحاء وأهل اللغة بضمها .
قوله : « ابن أخطب » بالخاء المعجمة . قوله : « وقد قتل زوجها » ، وهو كنانة بن أبي الحقيق وكان زوجها ، أو لأسلام بن مشكم ، وكان خمارا في الجاهلية ، ثم خلف عليها كنانة وكانت صفية رأت في المنام قمرا أقبل من يثرب ووقع في حجرها ، فقصت ذلك على زوجها فلطم وجهها وقال : أنت تزعمين أن ملك يثرب يتزوجك ، وفي لفظ : تحبين أن يكون هذا الملك الذي يأتي من المدينة زوجك ، وفي لفظ : رأيت كأني وهذا الذي يزعم أن الله أرسله وملك يسترنا بجناحه . وكان - صلى الله تعالى عليه وسلم - رأى بوجهها أثر خضرة قريبا من عينها ، فقال : ما هذا ؟ قالت : يا رسول الله ، رأيت في المنام .. .
فذكرت ما مضى إلى آخره ، وهذه الخضرة من لطمة على وجهي ، وفي الإكليل للحاكم : وجويرية رأت في المنام كرؤية صفية قبل تزوجها برسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، وذكر ابن سعد أن أم حبيبة قالت : رأيت في النوم كأن آتيا يقول لي : "يا أم المؤمنين" ، ففزعت وأولت أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - يتزوجني ، وعن ابن عباس رأت سودة في المنام كأن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - أقبل يمشي حتى وطئ على عنقها ، فقال زوجها : إن صدقت رؤياك لتتزوجي به ، ثم رأيت ليلة ج١٢ / ص٥٣أخرى أن قمرا أبيض انقض عليها من السماء وهي مضطجعة ، فأخبرت زوجها السكران ، فقال : إن صدقت رؤياك لم ألبث إلا يسيرا حتى أموت وتتزوجيه من بعدي ، فاشتكى من يومه ذلك ولم يلبث إلا قليلا حتى مات . قوله : « وكانت عروسا » العروس نعت يستوي فيه المذكر والمؤنث ، وعن الخليل : رجل عروس وامرأة عروس ونساء عرائس ، وقال ابن الأثير : يقال للرجل عروس كما يقال للمرأة ، وهو اسم لها عند دخول أحدهما بالآخر ، ويقال : أعرس الرجل فهو معرس إذا دخل بامرأته عند بنائها . قوله : « فاصطفاها » ، أي : أخذها صفيا ، والصفي سهم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - من المغنم ، كان يأخذه من الأصل قبل القسمة جارية أو سلاحا ، وقيل : إنما سميت صفية بذلك لأنها كانت صفية من غنيمة خيبر .
قوله : « سد الروحاء » السد بفتح السين المهملة وتشديد الدال ، والروحاء بفتح الراء وسكون الواو ، وبالحاء المهملة وبالمد موضع قريب من المدينة ، وفي ( المطالع ) الروحاء من عمل الفرع على نحو من أربعين ميلا من المدينة ، وفي مسلم على ستة وثلاثين ، وفي كتاب ابن أبي شيبة على ثلاثين ، وقال الكرماني : وقيل : الصواب الصهباء بدل سد الروحاء ، وفي ( المطالع ) الصهباء من خيبر على روحة . قوله : « حلت » قد فسرناه عن قريب في أول الباب . قوله : « فبنى بها » ، أي : دخل بها ، قال ابن الأثير : الابتناء والبناء الدخول بالزوجة ، والأصل فيه أن الرجل كان إذا تزوج بامرأة بنى عليها قبة ليدخل بها فيها ، فيقال : بنى الرجل على أهله .
قال الجوهري : لا يقال بنى بأهله . قوله : « حيسا » بفتح الحاء وسكون الياء آخر الحروف ، وفي آخره سين مهملة ، وهو أخلاط من التمر والأقط والسمن ، ويقال : من الثمر والسويق ، ويقال : من التمر والسمن ، وعن أبي الوليد : وليمة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - السمن والأقط والتمر ، وفي لفظ : التمر والسويق . قوله : « في نطع » بكسر النون وفتح الطاء على الأفصح ، وقال ابن التين : يقال : نطع بسكون الطاء وفتحها جلود تدبغ ويجمع بعضها على بعض وتفرش .
قوله : « آذن من حولك » ، أي : أعلمه لإشهاد النكاح ، وهو أمر من آذن يؤذن إيذانا ، والخطاب لأنس رضي الله تعالى عنه . قوله : « وليمة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم » الوليمة هي الطعام الذي يصنع عند العرس . قوله : « يحوِّي » بضم الياء آخر الحروف وفتح الحاء المهملة وتشديد الواو المكسورة ، وهو رواية أبي ذر وقول أهل اللغة ، وفي رواية أبي الحسين « يحوِي » بالتخفيف ثلاثي ، وهو أن يدير كساء فوق سنام البعير ثم يركبه ، والعباءة ممدود ضرب من الأكيسة ، وكذلك العباء .
قوله : « فيضع ركبته .. . » إلى آخره ، قال الواقدي : كانت تعظم أن تجعل رجلها على ركبته - صلى الله تعالى عليه وسلم - ، فكانت تضع ركبتها على ركبته ، ولما أركبها على البعير وحجبها علم الناس أنها زوجته ، وكانوا قبل ذلك لا يدرون أنه تزوجها أم اتخذها أم ولد ، وقال الجاحظ في كتاب الموالي : ولد صفية مائة نبي ومائة ملك ، ثم صيرها الله تعالى أمة لسيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكانت من سبط هارون - عليه الصلاة والسلام - ، وقال القاضي أبو عمر محمد بن أحمد بن محمد بن سليمان النوقائي في كتاب المحنة : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أراد البناء بصفية استأذنته عائشة أن تكون في المنتقبات ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : يا عائشة إنك لو رأيتها اقشعر جلدك من حسنها ، فلما رأتها حصل لها ذلك ، وقيل : حديث اصطفائه - صلى الله عليه وسلم - بصفية يعارضه حديث أنس أنها صارت لدحية فأخذها منه وأعطاه سبعة أرؤس ، ويروى أنه أعطاه بنتي عمها عوضا منها ، ويروى أنه قال له : خذ رأسا آخر مكانها . وأجيب : لا معارضة ؛ لأن أخذها من دحية قبل القسم وما عوضه فيها ليس على جهة البيع ، ولكن على جهة النفل أو الهبة ، غير أن بعض رواة الحديث في الصحيح يقولون فيه : إنه اشترى صفية من دحية ، وبعضهم يزيد فيه بعد القسم ، والله أعلم أي ذلك كان .
وفي حواشي السنن : الإمام إذا نفل ما لم يعلم بمقداره ، له استرجاعه والتعويض عنه ، وليس له أن يأخذه بغير عوض ، وإعطاء دحية كان برضاه ، فيكون معاوضة جارية بجارية ، فإن قلت : الواهب منهي عن شراء هبته ، قلت : لم يهبه من مال نفسه ، وإنما أعطاه من مال الله - عز وجل - على جهة النظر كما يعطي الإمام النفل لأحد من أهل الجيش ، نظرا . ومما يستفاد من هذا الحديث أنه يدل على أن الاستبراء أمانة يؤتمن المبتاع عليها بأن لا يطأها حتى تحيض حيضة إن لم تكن حاملا ؛ لأن الحامل لا توطأ حتى تضع لئلا يسقي ماؤه زرع غيره ، وأجمع الفقهاء على أن حيضة واحدة براءة في الرحم ، إلا أن مالكا والليث قالا : إن اشتراها في أول حيضها اعتد بها ، وإن كانت في آخرها لم يعتد بها ، وقال ابن المسيب : ج١٢ / ص٥٤حيضتان ، وقال ابن سيرين : ثلاث حيض . واختلف إذا أمن فيها الحمل ، فقال مالك : يستبرئ ، وقال مطرف وابن الماجشون : لا .
واختلفوا في قبلة الجارية ومباشرتها قبل الاستبراء : فأجاز ذلك الحسن البصري ، وعكرمة ، وبه قال أبو ثور ، وكرهه ابن سيرين ، وهو قول مالك ، والليث ، وأبي حنيفة ، والشافعي ، ووجهه قطعا للذريعة وحفظا للأنساب . وحجة المجيزين قوله - صلى الله عليه وسلم - : « لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا حائض حتى تطهر » ، فيدل هذا على أن ما دون الوطء من المباشرة والقبلة في حيز المباح ، وسفره - صلى الله عليه وسلم - بصفية قبل أن يستبرئها حجة في ذلك ؛ لكونه لو لم يحل له من مباشرتها ما دون الجماع لم يسافر بها معه ؛ لأنه لا بد أن يرفعها أو يتركها ، وكان - صلى الله عليه وسلم - لا يمس بيده امرأة لا تحل له . ومن هذا اختلافهم في مباشرة المظاهرة وقبلتها فذهب الزهري والنخعي ومالك وأبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا يقبلها ولا يتلذذ منها بشيء ، وقال الحسن البصري : لا بأس أن ينال منها ما دون الجماع ، وهو قول الثوري والأوزاعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ، ولذلك فسر عطاء وقتادة والزهري قوله تعالى : مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا أنه عنى بالمسيس الجماع في هذه الآية .