باب قول الله تعالى والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم
( باب قول الله تعالى : والذين عاقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم ) . أي هذا باب في بيان معنى قول الله تعالى ( والذين عاقدت أيمانكم ) ، وكأنه أشار بهذه الترجمة إلى أن الكفالة التزام بغير عوض تطوعا ، فتلزم كما لزم استحقاق الميراث بالحلف الذي وجد على وجه التطوع ، وأول الآية وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا قال ابن عباس ، ومجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو صالح ، وقتادة ، وزيد بن أسلم ، والسدي ، والضحاك ، ومقاتل بن حيان : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ أي ورثة ، وعن ابن عباس في رواية : أي عصبة ، وقال ابن جرير : العرب تسمي ابن العم مولى ، وقال الزجاج : المولى كل من يليك وكل من والاك في محبة فهو مولى لك ، قلت : لفظ المولى مشترك يطلق على معان كثيرة ، يطلق على المنعم ، والمعتق ، والمعتق ، والجار ، والناصر ، والصهر ، والرب ، والتابع ، وزاد ابن الباقلاني في ( مناقب الأئمة ) : المكان والقرار ، وأما بمعنى الولي فكثير ، ولا يعرف في اللغة بمعنى الإمام . قوله : ( والذين عاقدت أيمانكم ) قال البخاري في التفسير : عاقدت هو مولى اليمين ، وهو الحلف ، وذكر ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب والحسن البصري وجماعة آخرين : أنهم الحلفاء ، وقال عبد الرزاق : أنبأنا الثوري عن منصور عن مجاهد في قوله ( والذين عاقدت أيمانكم ) قال : كان هذا حلفا في الجاهلية ، قوله : ( عاقدت ) من المعاقدة ، مفاعلة من عقد الحلف ، وقرئ عقدت ، هو حلف الجاهلية كانوا يتوارثون به ، ونسخ بآية المواريث ، وفي ( تفسير ) عبد بن حميد من حديث موسى بن عبيدة عن عبد الله بن عبيدة : العقد خمسة ، عقدة النكاح ، وعقدة الشريك لا يخونه ولا يظلمه ، وعقدة البيع ، وعقدة العهد ، قال الله - عز وجل - : أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وعقدة الحلف ، قال الله - عز وجل - : ( والذين عاقدت أيمانكم ) ، وفي ( تفسير ) مقاتل : كان الرجل يرغب في الرجل فيحالفه ويعاقده على أن يكون معه وله من ميراثه كبعض ولده ، فلما نزلت آية المواريث جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك ، فنزلت ( والذين عاقدت أيمانكم ) الآية ، يعني أعطوهم الذي سميتم له من المواريث ، وعن عكرمة ( والذين عاقدت أيمانكم ) الآية ، كان الرجل يحالف الرجل ليس بينهما نسب فيرث أحدهما ج١٢ / ص١١٨الآخر ، فنسخ ذلك في الأنفال وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ، وفي رواية أحمد أنها نزلت في أبي بكر وابنه عبد الرحمن - رضي الله تعالى عنهما - حين أبى الإسلام ، فحلف أبو بكر أن لا يورثه ، فلما أسلم أمره الله - عز وجل - أن يورثه نصيبه ، وقال أبو جعفر النحاس : الذي يجب أن يحمل عليه حديث ابن عباس المذكور في الباب أن يكون : ولكل جعلنا موالي ، ناسخا لما كانوا يفعلونه ، وأن يكون : والذين عاقدت أيمانكم ، غير ناسخ ولا منسوخ ، وقال الحسن وقتادة : أنها منسوخة ، ومثله يروى عن ابن عباس ، وممن قال أنها محكمة مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وبه قال أبو حنيفة ، وقال : هذا الحكم باق غير منسوخ ، وجمع بين الآيتين ، بأن جعل أولي الأرحام أولى من أولياء المعاقدة ، فإذا فقد ذوو الأرحام ورث المعاقدون ، وكانوا أحق به من بيت المال ، قوله : " إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا يعني أن الله شاهد بينكم في تلك العهود والمعاقدات ولا تنشؤا بعد نزول هذه الآية معاقدة .
1 - ( حدثنا الصلت بن محمد قال : حدثنا أبو أسامة عن إدريس عن طلحة بن مصرف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما - ولكل جعلنا موالي قال : ورثة والذين عاقدت أيمانكم قال : كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه ، للأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بينهم ، فلما نزلت : ولكل جعلنا موالي نسخت ، ثم قال : والذين عاقدت أيمانكم إلا النصر والرفادة والنصيحة ، وقد ذهب الميراث ويوصى له ) . وجه دخول هذا الحديث في الكفالة والحوالة ما قيل : إن الكفيل والغريم الذي وقعت الحوالة عليه ينتقل الحق عليه كما ينتقل هاهنا حق الوارث عنه إلى الحلف ، فشبه انتقال الحق على المكلف بانتقاله عنه أو باعتبار أن أحد المتعاقدين كفيل عن الآخر ؛ لأنه كان من جملة المعاقدة ؛ لأنهم كانوا يذكرون فيها : تطلب بي وأطلب بك ، وتعقل عني وأعقل عنك ، وأما وجه المطابقة بين الترجمة والحديث فظاهر . ( ذكر رجاله ) وهم ستة ، الأول : الصلت - بفتح الصاد المهملة وسكون اللام ، وفي آخره تاء مثناة من فوق - ابن عبد الرحمن ، أبو همام الخاركي ، مر في باب إذا لم يتم السجود ، الثاني : أبو أسامة ، حماد بن أسامة ، وقد تكرر ذكره ، الثالث : إدريس بن يزيد ، من الزيادة ، الأودي ، بفتح الهمزة وسكون الواو وبالدال المهملة ، الرابع : طلحة بن مصرف - بلفظ اسم الفاعل من التصريف بمعنى التغيير - ابن عمرو اليامي ، من بني يام ، مر في كتاب البيوع في باب ما يتنزه من الشبهات ، الخامس : سعيد بن جبير ، السادس : عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - .
( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن شيخه بصري والبقية كوفيون ، وفيه رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي ، وطلحة بن مصرف روى عن عبد الله بن أبي أوفى . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في التفسير عن الصلت بن محمد أيضا ، وفي الفرائض عن إسحاق بن إبراهيم ، وأخرجه أبو داود والنسائي جميعا في الفرائض عن هارون بن عبد الله . ( ذكر معناه ) قوله : " قال ورثة " أي فسر ابن عباس الموالي بالورثة ، وكذا فسرها جماعة من التابعين ، كما ذكرناه عن قريب ، قوله : " قال " أي ابن عباس : كان المهاجرون إلى آخره ، قوله : " دون ذوي رحمه " أي ذوي أقربائه ، قوله : " للأخوة " أي لأجل الأخوة التي آخى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمد الهمزة ، يقال : آخاه يؤاخيه مؤاخاة وإخاء بالكسر إذا جعل بينهما أخوة ، والأخوة مصدر ، يقال : آخوت تآخوا أخوة .
قوله : " بينهم " أي بين المهاجرين والأنصار ، قوله : " فلما نزلت " أي الآية التي هي قوله تعالى : وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ نسخت آية الموالي آية المعاقدة ، قوله : " إلا النصر " مستثنى من الأحكام المقدرة في الآية المنسوخة ، أي تلك الآية حكم نصيب الإرث لا النصر والرفادة - بكسر الراء - أي المعاونة والرفادة أيضا شيء كان تترافد به قريش في الجاهلية ، يخرج مالا يشترى به للحاج طعام ج١٢ / ص١١٩وزبيب للنبيذ ، ويجوز أن يكون هذا استثناء منقطعا ، أي لكن النصر ونحوه باق ثابت ، قوله : " وقد ذهب الميراث " أي من المتعاقدين ، قوله : " ويوصى له " على صيغة المعلوم والمجهول ، والضمير في له يرجع إلى الذي كان يرث الميت بالأخوة ، وعن ابن المسيب : نزلت هذه الآية ولكل جعلنا موالي في الذين كانوا يتبنون رجالا غير أبنائهم ويورثونهم ، فأنزل الله تعالى فيهم أن يجعل لهم نصيب في الوصية ، ورد الميراث إلى الموالي من ذوي الرحم والعصبة ، وأبى أن يجعل للمدعين ميراث من ادعاهم وتبناهم ، ولكن جعل لهم نصيبا في الوصية .