باب وكالة الشاهد والغائب جائزة
( حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا سفيان ، عن سلمة ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : كان لرجل على النبي - صلى الله عليه وسلم - جمل سن من الإبل ، فجاءه يتقاضاه ، فقال : أعطوه ، فطلبوا سنه ، فلم يجدوا له إلا سنا ، فوقها ، فقال : أعطوه ، فقال : أوفيتني أوفى الله بك ، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن خياركم أحسنكم قضاء . مطابقته للترجمة ظاهرة في وكالة الحاضر في قوله : أعطوه ، وأما وكالة الغائب ، فقال بعضهم : وأما الغائب ، فيستفاد منه بطريق الأولى . ( قلت ) : ليس فيه شيء يدل على حكم الغائب ، فضلا عن الأولوية .
وقال الكرماني : الترجمة تستفاد من لفظ أعطوه ، وهو وإن كان خطابا للحاضرين لكونه بحسب العرف وقرائن الحال شامل لكل واحد من وكلاء رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - غيبا وحضورا . ( ذكر رجاله ) وهم خمسة : الأول : أبو نعيم بضم النون الفضل بن دكين . الثاني : سفيان الثوري .
الثالث : سلمة بن كهيل بضم الكاف وفتح الهاء . الرابع : أبو سلمة بن عبد الرحمن . الخامس : أبو هريرة .
( ذكر لطائف إسناده ) : فيه : التحديث بصيغة الجمع في موضعين . وفيه : العنعنة في ثلاثة مواضع . وفيه : أن شيخه وسفيان وسلمة كوفيون ، وأبو سلمة مدني .
وفيه : رواية التابعي عن التابعي عن الصحابي . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري أيضا في الاستقراض عن أبي نعيم أيضا ، وعن مسدد ، وعن أبي الوليد ومسدد أيضا ، وفي الوكالة أيضا عن سليمان بن حرب ، وفي الهبة عن عبدان ، وعن محمد بن مقاتل ، وأخرجه مسلم في البيوع عن محمد بن بشار ، وعن محمد بن عبد الله بن نمير ، وعن أبي كريب ، وأخرجه الترمذي فيه عن محمد بن بشار به ، وعن أبي كريب به مختصرا ، وعن محمد بن المثنى ، وأخرجه النسائي فيه ، عن عمرو بن منصور ، وعن إسحاق بن إبراهيم مختصرا ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام عن أبي بكر بن أبي شيبة ، وعن محمد بن بشار . ( ذكر معناه ) : قوله : سن بكسر السين المهملة ، وتشديد النون ، أي : ذات سن ، وهو أحد أسنان الإبل ، وأسنانها معروفة في كتب اللغة إلى عشر سنين ، ففي الفصل الأول حوار ، ثم الفصيل إذا فصل ، فإذا دخل في السنة الثانية ، فهو ابن مخاض أو ابنة مخاض ، فإذا دخل في الثالثة ، فهو ابن لبون أو بنت لبون ، فإذا دخل في الرابعة ، فهو حق أو حقة ، فإذا دخل في الخامسة ، فهو جذع أو جذعة ، فإذا دخل في السادسة ، فهو ثني أو ثنية ، فإذا دخل في السابعة ، فهو رباعي أو رباعية ، فإذا دخل في الثامنة ، فهو سديس أو سدس ، فإذا دخل في التاسعة ، فهو بازل ، فإذا دخل في العاشرة ، فهو مخلف ، ثم ليس له اسم بعد ذلك ، ولكن يقال : بازل عام وبازل عامين ومخلف عام ومخالف عامين ومخلف ثلاثة أعوام إلى خمس سنين ، حكاه أبو داود في سننه ، عن النضر بن شميل ، وأبي عبيد والرياشي .
قوله : يتقاضاه ، يعني : يطلب أن يقضيه . قوله : أوفيتني ، يقال : أوفاه حقه : إذا أعطاه وافيا ، وكان القياس أن يقول أوفاك الله في مقابلته ، ولكنه زاد الباء في المفعول توكيدا . قوله : خياركم يحتمل أن يكون مفردا بمعنى المختار ، وأن يكون جمعا .
قوله : أحسنكم خبر لقوله خياركم والأصل التطابق بين المبتدأ والخبر في الإفراد وغيره ، ولكنه إذا كان الخيار بمعنى المختار ، فالمطابقة حاصلة ، وإلا فأفعل التفضيل المضاف المقصود منه الزيادة يجوز فيه الإفراد والمطابقة لمن هو له . وروى أيضا أحاسنكم ، وهو جمع أحسن ، وورد محاسنكم بالميم ، قال عياض : جمع محسن بفتح الميم كمطلع ومطالع ، والأول أكثر ، وفي المطالع : ويحتمل أن يكون سماهم بالصفة ، أي : ذو المحاسن . قوله : قضاء بالنصب على التمييز .
( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه : توكيل الحاضر الصحيح على قول عامة الفقهاء ، وهو قول ابن أبي ليلى ومالك والشافعي ، وأبي يوسف ومحمد ، إلا أن مالكا قال : يجوز ذلك وإن لم يرض خصمه إذا لم يكن الوكيل عدوا للخصم ، وفي التوضيح : وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة في قوله : إنه لا يجوز توكيل الحاضر بالبلد الصحيح البدن إلا برضى خصمه ، أو عذر مرض ، أو سفر ثلاثة أيام ، وهذا الحديث خلاف قوله لأنه صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه أن يقضوا عنه السن التي كانت عليه وذلك توكيل منه لهم على ذلك ، ولم يكن لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم غائبا ولا مريضا ولا مسافرا . ( قلت ) : ليس الحديث بحجة عليه ؛ لأنه لا ينفي الجواز ، ولكن يقول : لا يلزم ، يعني : لا يسقط حق الخصم في طلب الحضور والدعوى والجواب بنفسه ، وهو قول ابن أبي ليلى في الأصح ، والمرأة كالرجل بكرا كانت أو ثيبا ، واستحسن بعض أصحابنا أنها توكل إذا كانت غير برزة . وفيه : جواز الأخذ بالدين ولا يختلف العلماء في جوازه عند الحاجة ولا يتعين طالبه .
وفيه : حجة من قال بجواز قرض الحيوان ، وهو قول الأوزاعي والليث ومالك والشافعي ، وأحمد وإسحاق . وقال القاضي : أجاز جمهور العلماء استسلاف سائر الأشياء من الحيوان والعروض ، واستثنيت من ذلك الحيوان ؛ لأنه قد يردها بنفسه ، فحينئذ يكون عارية الفروج ، وأجاز ذلك بعض أصحابنا بشرط أن يردها غيرها ، وأجاز استقراض الجواري الطبري والمزني ، وروي عن داود الأصبهاني . وقال أبو عمر : قال ابن حبيب ، وأصحابه والأوزاعي والليث والشافعي : يجوز استقراض الحيوان كله إلا الإماء .
وعند مالك : إن استقرض أمة ولم يطأها ردها بعينها ، وإن حملت ردها بعد الولادة وقيمة ولدها إن ولد حيا ، وما نقصتها الولادة ، وإن ماتت لزمه مثلها ، فإن لم يوجد مثلها ، فقيمتها . وقال ابن قدامة : أما بنو آدم ، فقال أحمد : أكره قرضهم ، فيحتمل كراهة تنزيه ويصح قرضهم ، وهو قول ابن جريج والمزني ، ويحتمل أنه كراهة تحريم ، فلا يصح قرضهم ، واختاره القاضي في شرح المهذب استقراض الحيوان فيه ثلاثة مذاهب : مذهب الشافعي ومالك ، وجماهير العلماء جوازه إلا الجارية لمن ملك وطأها ، فإنه لا يجوز ، ويجوز إقراضها لمن لا يجوز له وطؤهما كمحرمها وللمرأة والخنثى . الثاني : مذهب ابن جرير وداود : ويجوز قرض الجارية وسائر الحيوان لكل أحد .
الثالث : مذهب أبي حنيفة والكوفيين والثوري والحسن بن صالح ، وروي عن ابن مسعود وحذيفة وعبد الرحمن بن سمرة منعه ، وقد مر الجواب عما قالوا ؛ من جواز قرض الحيوان في كتاب البيوع في باب بيع العبيد والحيوان بالحيوان نسيئة . وفيه : ما يدل أن المقرض إذا أعطاه المستقرض أفضل مما اقترض جنسا أو كيلا أو وزنا أن ذلك معروف ، وأنه يطيب له أخذه منه ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - أثنى فيه على من أحسن القضاء ، وأطلق ذلك ولم يقيده . ( قلت ) : هذا عند جماعة العلماء إذا لم يكن بغير شرط منهما في حين السلف ، وقد أجمع المسلمون نقلا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن اشتراط الزيادة في السلف ربا .
وفيه : دليل على أن للإمام أن يستسلف للمساكين على الصدقات ولسائر المسلمين على بيت المال ؛ لأنه كالوصي لجميعهم والوكيل ومعلوم أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يستسلف ذلك لنفسه ؛ لأنه قضاه من إبل الصدقة ، ومعلوم أن الصدقة محرمة عليه لا يحل له أكلها ولا الانتفاع بها . ( فإن قلت ) : فلم أعطى من أموالهم أكثر مما استقرض لهم . ( قلت ) : هذا الحديث دليل على أنه جائز للإمام إذا استقرض للمساكين أن يرد من مالهم أكثر مما أخذ على وجه النظر والصلاح إذا كان على غير شرط .
( فإن قلت ) : إن المستقرض منه غني والصدقة لا تحل لغني . ( قلت ) : قد يحتمل أن يكون المستقرض منه قد ذهبت إبله بنوع من حوائج الدنيا ، فكان في وقت صرف ما أخذ منه إليه ، فقيرا تحل له الزكاة ، فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرا من بعيره بمقدار حاجته ، وجمع في ذلك وضع الصدقة في موضعها وحسن القضاء ، ويحتمل أن يكون غارما أو عاريا ممن يحل له الصدقة من الأغنياء . وقيل : ويحتمل أنه كان اقترض لنفسه ، فلما جاءت إبل للصدقة اشترى منها بعيرا ممن استحقه ، فملكه بثمنه ، وأوفاه متبرعا بالزيادة من ماله ، يدل عليه رواية مسلم اشتروا له بعيرا .
وقيل : إن المقترض كان بعض المحتاجين اقترض لنفسه ، فأعطاه - صلى الله تعالى عليه وآله وسلم - من الصدقة ، وهذا يرد قول من قال إنه كان يهوديا . وقيل : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان اقترضه لبعض نوائب المسلمين ؛ لأنه اقترضه لخاصة نفسه ، وعبر الراوي عن ذلك مجازا إذ كان هو الآمر صلى الله عليه وسلم ، وأما قول من قال : كان استسلافه ذلك قبل أن تحرم عليه الصدقة ، ففاسد ؛ لأنه لم يزل صلى الله عليه وسلم محرمة عليه الصدقة ، قال القرطبي : وذلك من خصائصه ومن علامات نبوته في الكتب القديمة بدليل قصة سلمان رضي الله تعالى عنه .