حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه

حدثنا قتيبة بن سعيد قال : حدثنا أبو عوانة ، ح وحدثني عبد الرحمن بن المبارك قال : حدثنا أبو عوانة عن قتادة عن أنس رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا ، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأخرجه بطريقين عن شيخين أحدهما عن قتيبة عن أبي عوانة بفتح العين المهملة الوضاح ابن عبد الله اليشكري عن قتادة ، والآخر عن عبد الرحمن بن المبارك بن عبد الله العبسي ، وهو من أفراده ، يروي عن قتادة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الأدب عن أبي الوليد ، وأخرجه مسلم في البيوع عن يحيى بن يحيى ، وأخرجه الترمذي في الأحكام عن قتيبة .

وقال : وفي الباب عن أبي أيوب ، وأم مبشر وجابر وزيد بن خالد . ( قلت ) : أما حديث أبي أيوب ، فأخرجه أحمد في مسنده من رواية الزهري ، عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب الأنصاري ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ما من رجل يغرس غرسا إلا كتب الله له من الأجر قدر ما يخرج من ثمر ذلك الغرس ، وأما حديث أم مبشر ، فأخرجه مسلم في أفراده من رواية أبي معاوية عن الأعمش ، عن أبي سفيان ، عن جابر ، عن أم مبشر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بنحو حديث عطاء ، وأبي الزبير وعمرو بن دينار عن جابر ، ولم يسق لفظه . وأما حديث جابر ، فأخرجه مسلم أيضا في أفراده من رواية عبد الملك بن سليمان العزرمي ، عن عطاء ، عن جابر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما من مسلم يغرس غرسا إلا كان ما أكل منه له صدقة ، وما سرق منه له صدقة ، وما أكل السبع ، فهو له صدقة ، وما أكلت الطير ، فهو له صدقة ، ولا يزراه أحدا إلا كان له صدقة ، وأخرجه أيضا من رواية الليث ، عن أبي الزبير ، عن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل على أم معبد أو أم مبشر الأنصارية في نخل لها ، فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - : من غرس هذا النخل ، أمسلم أم كافر ؟ فقالت : بل مسلم ، فقال : لا يغرس مسلم غرسا ولا يزرع زرعا فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء ، إلا كانت له صدقة ، وأخرجه أيضا من رواية زكريا بن إسحاق ، أخبرني عمرو بن دينار أنه سمع جابر بن عبد الله يقول : دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على أم معبد ، ولم يشك ، فذكر نحوه .

( قلت ) : أم مبشر هذه هي امرأة زيد بن حارثة كما ورد في الصحيح في بعض طرق الحديث . وقال أبو عمرو : يقال : إنها أم بشر بنت البرار بن معرور . وقال النووي : ويقال : إن فيها أيضا أم بشير ، قال : فحصل أنه يقال لها أم مبشر ، وأم معبد ، وأم بشير ، قيل اسمها خليدة بضم الخاء ، ولم يصح ، وأما حديث زيد بن خالد .... .

وقال شيخنا في شرح هذا الحديث : وفي الباب مما لم يذكره الترمذي عن أبي الدرداء والسائب بن خلاد ومعاذ بن أنس وصحابي لم يسم . أما حديث أبي الدرداء ، فرواه أحمد في مسنده عنه أن رجلا مر به ، وهو يغرس غرسا بدمشق ، فقال : أتفعل هذا ، وأنت صاحب رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : لا تعجل علي ، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول : من غرس غرسا لم يأكل منه آدمي ولا خلق من خلق الله إلا كان له به صدقة . وأما حديث السائب بن خلاد ، فأخرجه أحمد أيضا من رواية خلاد بن السائب عن أبيه قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من زرع زرعا فأكل منه الطير أو العافية كان له صدقة .

وأما حديث معاذ بن أنس ، فأخرجه أحمد أيضا عنه ، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : من بنى بيتا في غير ظلم ولا اعتداء ، أو غرس غرسا في غير ظلم ولا اعتداء كان له أجر جاريا ما انتفع من خلق الرحمن تبارك وتعالى أحد . ورواه ابن خزيمة في كتاب التوكل ، وأما حديث الصحابي الذي لم يسم ، فرواه أحمد أيضا من رواية فنج بفتح الفاء ، وتشديد النون وبالجيم ، قال : كنت أعمل في الدينباد ، وأعالج فيه ، فقدم يعلى بن أمية أميرا على اليمن وجاء معه رجال من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فجاءني رجل ممن قدم معه ، وأنا في الزرع ، وفي كمه جوز ، فذكر الحديث . وفيه : فقال رجل : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأذني هاتين يقول : من نصب شجرة ، فصبر على حفظها والقيام عليها حتى تثمر ، كان له في كل شيء يصاب من ثمرها صدقة ، عند الله عز وجل .

( قلت ) : وعند يحيى بن آدم ، حدثنا عبد السلام بن حرب ، حدثنا إسحاق بن أبي فروة ، عن عبد العزيز بن أبي سلمة ، عن أبي أسيد يرفعه : من زرع زرعا أو غرس غرسا ، فله أجر ما أصابت منه العوافي ، وذكر علي بن عبد العزيز في المنتخب بإسناد حسن ، عن أنس رضي الله عنه ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فاستطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها . ( ذكر ما يستفاد منه ) : فيه فضل الغرس والزرع ، واستدل به بعضهم على أن الزراعة أفضل المكاسب ، واختلف في أفضل المكاسب ، فقال النووي : أفضلها الزراعة . وقيل : أفضلها الكسب باليد ، وهي الصنعة .

وقيل : أفضلها التجارة ، وأكثر الأحاديث تدل على أفضلية الكسب باليد . وروى الحاكم في المستدرك من حديث أبي بردة قال : سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الكسب أطيب ؟ قال : عمل الرجل بيده ، وكل بيع مبرور . وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ، وقد يقال : هذا أطيب من حيث الحل ، وذاك أفضل من حيث الانتفاع العام ، فهو نفع متعد إلى غيره ، وإذا كان كذلك فينبغي أن يختلف الحال في ذلك باختلاف حاجة الناس ، فحيث كان الناس محتاجين إلى الأقوات أكثر ، كانت الزراعة أفضل للتوسعة على الناس ، وحيث كانوا محتاجين إلى المتجر لانقطاع الطرق ، كانت التجارة أفضل ، وحيث كانوا محتاجين إلى الصنائع أشد ، كانت الصنعة أفضل ، وهذا حسن .

وفيه : أن الثواب المترتب على أفعال البر في الآخرة يختص بالمسلم دون الكافر ؛ لأن القرب إنما تصح من المسلم ، فإن تصدق الكافر أو بنى قنطرة للمارة أو شيئا من وجوه البر لم يكن له أجر في الآخرة ، وورد في حديث آخر أنه يطعم في الدنيا بذلك ويجازى به من دفع مكروه عنه ، ولا يدخر له شيء منه في الآخرة . فإن قلت : قوله - صلى الله عليه وسلم - في بعض طرق هذا الحديث ما من عبد ، وهو يتناول المسلم والكافر . ( قلت ) : يحمل المطلق على المقيد .

وفيه : أن المرأة تدخل في قوله : ما من مسلم ؛ لأن هذا اللفظ من الجنس الذي إذا كان الخطاب به يدخل فيه المرأة ؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يرد بهذا اللفظ أن المسلمة إذا فعلت هذا الفعل لم يكن لها هذا الثواب بل المسلمة في هذا الفعل في استحقاق الثواب مثل المسلم سواء . وفيه : حصول الأجر للغارس والزارع ، وإن لم يقصدا ذلك حتى لو غرس وباعه ، أو زرع وباعه كان له بذلك صدقة لتوسعته على الناس في أقواتهم كما ورد الأجر للجالب وإن كان يفعله للتجارة والاكتساب . ( فإن قلت ) : في بعض طرق حديث جابر عند مسلم إلا كانت له صدقة إلى يوم القيامة ، فقوله إلى يوم القيامة هل يريد به أن أجره لا ينقطع إلى يوم القيامة ، وإن فني الزرع والغراس أو يريد ما بقي ذلك الزرع والغراس منتفعا به ، وإن بقي إلى يوم القيامة .

( قلت ) : الظاهر أن المراد الثاني ، وزاد النووي : أن ما يولد من الغراس والزرع كذلك ، فقال فيه : إن أجر فاعل ذلك مستمر ما دام الغراس والزرع ، وما يولد منه إلى يوم القيامة . وفيه : أن الغرس والزرع واتخاذ الصنائع مباح وغير قادح في الزهد ، وقد فعله كثير من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم ، وقد ذهب قوم من المتزهدة إلى أن ذلك مكروه وقادح في الزهد ولعلهم تمسكوا في ذلك بما رواه الترمذي ، عن ابن مسعود مرفوعا لا تتخذوا الضيعة ، فتركنوا إلى الدنيا . وقال : حديث حسن ، ورواه ابن حبان أيضا في صحيحه ، وأجيب بأن هذا النهي محمول على الاستكثار من الضياع ، والانصراف إليها بالقلب الذي يفضي بصاحبه إلى الركون إلى الدنيا ، وأما إذا اتخذها غير مستكثر وقلل منها ، وكانت له كفافا وعفافا ، فهي مباحة غير قادحة في الزهد وسبيلها كسبيل المال الذي استثناه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله إلا من أخذه بحقه ووضعه في حقه .

وفيه : الحض على عمارة الأرض لنفسه ولمن يأتي بعده . وفيه : جواز نسبة الزرع إلى الآدمي ، والحديث الذي ورد فيه المنع ؛ غير قوي . وفيه : قال الطيبي : نكر مسلما فأوقعه في سياق النفي ، وزاد من الاستغراقية وعم الحيوان ليدل على سبيل الكناية على أن أي مسلم كان حرا أو عبدا مطيعا أو عاصيا يعمل أي عمل من المباح ينتفع بما عمله ، أي حيوان كان يرجع نفعه إليه ويثاب عليه .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث