حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب القطائع

حدثنا سليمان بن حرب ، قال : حدثنا حماد ، عن يحيى بن سعيد قال : سمعت أنسا رضي الله عنه قال : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يقطع من البحرين ، فقالت الأنصار : حتى تقطع لإخواننا من المهاجرين مثل الذي تقطع لنا ، قال : سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني . مطابقته للترجمة ظاهرة يعلم ذلك من قوله أن يقطع من البحرين ، وحماد هو ابن زيد ، وفي بعض النسخ ذكر منسوبا ويحيى بن سعيد هو الأنصاري . والحديث أخرجه البخاري أيضا في الجزية عن أحمد بن يونس وفي فضل الأنصار عن عبد الله بن محمد .

( ذكر معناه ) قوله أن يقطع من البحرين يعني أراد أن يقطع من البحرين للأنصار ، وفي رواية البيهقي : دعا الأنصار ليقطع لهم البحرين ، وفي حديث الإسماعيلي : ليقطع لهم البحرين أو طائفة منها وكان الشك فيه من حماد ، قلت : الظاهر أنه أراد أن يقطع لهم قطعة منها لأن كلمة من في قوله من البحرين تقتضي التبعيض ولا ينافي أن تكون للبيان أيضا ، ولكل من الصورتين وجه ، والدليل على ذلك ما سيأتي في الجزية من طريق زهير عن يحيى بلفظ : دعى الأنصار ليكتب لهم بالبحرين لأن الظاهر أن معناه ليكتب لهم طائفة بالبحرين ، ويحتمل أن يكتب لهم البحرين كلها ، ويؤيد هذا ما رواه في مناقب الأنصار من رواية سفيان عن يحيى إلى أن يقطع لهم البحرين ، وقال الخطابي : يحتمل أن يكون صلى الله عليه وسلم أراد العامر من البحرين لكن في حقه من الخمس لأنه كان ترك أرضها فلم يقسمها ، وقال ابن قرقول : والذي في هذا الحديث ليس منها فإن البحرين كانت صلحا فلم يكن لهم في أرضها شيء ، وإنما هم أهل جزية ، وإنما معناه عند علمائنا إقطاع مال من جزيتهم يأخذونه ، يقال منه أقطع بالألف ، وأصله من القطع كأنه قطعه له من جملة المال ، وقد جاء في حديث بلال بن الحارث ، أخرجه أحمد من رواية كثير بن عبد الله ، عن عمرو بن عوف ، عن أبيه ، عن جده . ومن حديث عكرمة ، عن ابن عباس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه أقطعه معادن القبلية ، والقبلية بفتح الباء الموحدة نسبة إلى قبل بفتح القاف والباء ، وهي ناحية من سواحل البحر بينهما وبين المدينة خمسة أيام ، وقيل : هي من ناحية الفرع وهو موضع بين نخلة والمدينة ، هذا هو المحفوظ . وفي كتاب الأمكنة معادن القلبية بكسر القاف وبعدها لام مفتوحة ثم باء ، والبحرين على صيغة التثنية للبحر وهي من ناحية نجد على شطر بحر فارس وهي ديار القرامطة ولها قرى كثيرة وهي كثيرة التمور ، قوله حتى تقطع غاية لفعل مقدر أي لا تقطع لنا حتى تقطع لإخواننا المهاجرين ، قوله مثل الذي تقطع لنا وزاد في رواية البيهقي : فلم يكن ذلك عنده ، يعني بسبب قلة الفتوح يومئذ ، وقال ابن بطال : معناه أنه لم يرد فعل ذلك لأنه كان أقطع المهاجرين أرض بني النضير ، قوله أثرة بفتح الهمزة والثاء المثلثة ، ويروى بضم الهمزة وإسكان الثاء ، وقال ابن قرقول : وبالوجهين قيده الجياني والوجهان صحيحان ، قال : ويقال أيضا إثرة بكسر الهمزة وسكون الثاء ، قال الأزهري : وهو الاستيثار أي يستأثر عليكم بأمور الدنيا ويفضل عليكم غيركم ، وعن أبي علي القالي : الأثرة الشدة ، وفي الكتاب الواعي عن ثعلب : الأثرة بالضم خاصة الجدب والحال غير المرضية ، وعن غيره التفضيل في العطاء وجمع الأثرة أثر ، وروى الإسماعيلي : ستلقون بعدي أثرة للأنصار ، ورواها البخاري عن أسيد بن حضير في مناقب الأنصار وعن عبد الله بن زيد بن عاصم في غزوة الطائف ، وعن أنس بن مالك بزيادة أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني على الحوض ، وقالوا : هذا يدل على أن الخلافة لا تكون فيهم ، ألا ترى أنه جعلهم تحت الصبر إلى يوم القيامة والصبر لا يكون إلا من مغلوب محكوم عليه ؟ ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه جواز إقطاع الإمام من الأراضي التي تحت يده لمن شاء من الناس ممن يراه أهلا لذلك ، قال الخطابي : وذهب أهل العلم إلى أن أهل العامر من الأرض للحاضر النفع ، والأصول من الشجر كالنخل وغيرها ، وأما المياه التي في العيون والمعادن الظاهرة كالملح والقير والنفط ونحوها لا يجوز إقطاعها ، وذلك أن الناس كلهم شركاء في الملح والماء وما في معناهما مما يستحقه الأخذ له بالسبق إليه ، فليس لأحد أن يحتجرها لنفسه أو يحتظر منافعها على أحد من شركائه المسلمين ، وأما المعادن التي لا يتوصل إلى نيلها ونفعها إلا بكدوح واعتمال واستخراج لما في بطونها فإن ذلك لا يوجب الملك البات ، ومن اقتطع شيئا منها كان له ما دام يعمل فيه فإذا قطع العمل عاد إلى أصله فكان للإمام إقطاعه غيره ، وفيه من أعلام نبوته صلى الله تعالى عليه وآله وسلم حيث ما أخبره بقوله سترون بعدي أثرة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث