حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ضالة الإبل

( باب ضالة الإبل )

2 - حدثنا عمرو بن عباس قال : حدثنا عبد الرحمن قال : حدثنا سفيان عن ربيعة قال : حدثني يزيد مولى المنبعث ، عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال : جاء أعرابي النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عما يلتقطه ، فقال : عرفها سنة ثم احفظ عفاصها ووكاءها ، فإن جاء أحد يخبرك بها وإلا فاستنفقها . قال : يا رسول الله ، فضالة الغنم ؟ قال : لك أو لأخيك أو للذئب ، قال : ضالة الإبل ؟ فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم فقال : ما لك ولها ؟ معها حذاؤها وسقاؤها ، ترد الماء وتأكل الشجر .

مطابقته للترجمة في قوله : " ضالة الإبل " وقد مضى الحديث في كتاب العلم في باب الغضب في الموعظة ، فإنه أخرجه هناك عن عبد الله بن محمد ، عن أبي عامر ، عن سليمان بن بلال المديني ، عن ربيعة بن عبد الرحمن إلى آخره ، وهاهنا أخرجه عن عمرو بن عباس بالباء الموحدة والسين المهملة ، عن عبد الرحمن بن مهدي بن حسان ، عن سفيان الثوري ، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن المعروف بالرأي بسكون الهمزة ، عن يزيد من الزيادة مولى المنبعث ، وقد مضى الكلام فيه هناك مستقصى . قوله : " جاء أعرابي " وفي رواية مالك عن ربيعة جاء رجل ، وفي رواية سليمان بن بلال المديني ، عن ربيعة سأله رجل عن اللقطة ، وقد مضى هذا في كتاب العلم ، وفي رواية الترمذي سئل عن اللقطة ، وفي رواية مسلم جاء رجل يسأله عن اللقطة ، وفي رواية أخرى له أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة ، وفي رواية له أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه فسأله عن اللقطة ، وفي رواية أخرى مثل رواية الترمذي ، وكذا في رواية للبخاري ، وفي رواية له جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة ، وفي رواية حديث هذا الباب جاء أعرابي ، وزعم ابن بشكوال أن هذا ج١٢ / ص٢٦٩السائل عن اللقطة ، هو بلال رضي الله تعالى عنه ، وعزاه لأبي داود ، ورد عليه بعضهم بأنه ليس في نسخ أبي داود شيء من ذلك ، وفيه بعد أيضا لأنه لا يوصف بأنه أعرابي . قلت : ابن بشكوال لم يصرح بأن الأعرابي الذي سأل هو بلال رضي الله تعالى عنه ، وإنما قال السائل المذكور في رواية سليمان بن بلال ، وهو قوله : " سأله رجل " وفي رواية الترمذي : سئل النبي صلى الله عليه وسلم هو بلال ، ولفظ السائل أعم من الأعرابي وغيره ، وبلال وغيره ، وابن بشكوال أوضح السائل بأنه بلال رضي الله عنه ، فإنه كلام ليس فيه غبار ، وليس فيه بعد ، ولو صرح بقوله الأعرابي هو بلال لكان ، ورد عليه ما قاله ، وأما عزو ابن بشكوال ذلك إلى أبي داود فليس بصحيح ؛ لأن أبا داود روى هذا الحديث بطرق كثيرة ، وليس فيه ما عزاه ابن بشكوال إليه ، وإنما لفظه أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن اللقطة ، وليس لبلال ذكر أصلا فافهم ، ثم قال هذا القائل ثم ظفرت بتسمية السائل ، وذلك فيما أخرجه الحميدي والبغوي وابن السكن والماوردي والطبراني ، كلهم من طريق محمد بن معن الغفاري ، عن ربيعة ، عن عقبة بن سويد الجهني ، عن أبيه قال : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : عرفها سنة ، ثم أوثق وعاءها .. .

الحديث . قال : وهو أولى ما فسر به هذا المبهم ؛ لكونه من رهط زيد بن خالد الجهني .. . انتهى .

قلت : حديث سويد بن عقبة الذي يرويه عنه ابنه عقبة غير حديث زيد بن خالد ، فكيف يفسر المبهم الذي في حديث زيد بن خالد بحديث سويد ، ولا يلزم من كون سويد من رهط زيد أن يكون حديثهما واحدا بحسب الصورة ، وإن كانا في المعنى من باب واحد ، وأيضا هو استبعد كلام ابن بشكوال في إطلاق الأعرابي على بلال ، وكيف لا يستبعد هنا إطلاق الأعرابي على سويد بن عقبة ، ولا يلزم من سؤال سويد رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة أن يكون هو الأعرابي الذي في حديث زيد بن خالد ، قوله : " فسأله عما يلتقطه " أي عن الشيء الذي يلتقطه ، ووقع في أكثر الروايات أنه سأل عن اللقطة ، ووقع في رواية لمسلم سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة الذهب أو الورق ، وهذا ليس بقيد ، وإنما هو كالمثال ، وحكم غير الذهب والفضة كحكمهما ، ووقع في رواية لأبي داود ، وسئل عن النفقة ، قوله : " عرفها " بالتشديد أمر من التعريف ، قوله : " ثم احفظ عفاصها " بكسر العين المهملة وتخفيف الفاء وبالصاد هو الوعاء الذي يكون فيه النفقة ، سواء كان من جلد أو خرقة أو حرير أو غيرها ، واشتقاقه من العفص ، وهو الثني والعطف ؛ لأن الوعاء يثنى على ما فيه ، ووقع في زوائد المسند لعبد الله بن أحمد من طريق الأعمش ، عن سلمة في حديث أبي : " أو خرقتها " بدل عفاصها ، ووقع في حديث أبي أيضا : " احفظ وعاءها وعددها ووكاءها " ، وفي حديث زيد بن خالد : " احفظ عفاصها ووكاءها " فأسقط ذكر العدد ، وزاد ذكر العفاص ، وقد اختلف في العفاص ، فذهب أبو عبيد إلى أنه ما يربط فيه النفقة ، وقال الخطابي : أصله الجلد الذي يلبس رأس القارورة . وقال الجمهور : هو الوعاء . قال شيخنا : قول الخطابي هو الأولى ، فإنه جمع في حديث زيد بين الوعاء والعفاص ، فدل على أنه غيره .

قلت : الذي ذكره شيخنا هو في رواية الترمذي ، وفي رواية البخاري ذكر العفاص والوكاء ، والذي يقول العفاص هو الوعاء هو الأولى ، ولم يجمع في حديث زيد إلا العفاص والوكاء ؛ لأن الأصل حفظ العفاص الذي هو الوعاء . فإن قلت : في رواية الترمذي : ( ثم اعرف وعاءها ووكاءها وعفاصها ) فعلى ما ذكرت يكون ذكر الوعاء أو ذكر العفاص تكرارا . قلت : قد ذكرت أن العفاص فيه اختلاف ، فعلى قول من فسر العفاص بالجلد الذي يلبس رأس القارورة ، لا يكون تكرارا .

فإن قلت : ذكر العدد في حديث أبي ، ولم يذكره في حديث زيد . قلت : قد جاء ذكر العدد في حديث زيد أيضا في رواية لمسلم أو الظاهر أن تركه هنا بسهو من الراوي والله أعلم . قوله : " فإن جاء أحد يخبرك بها " جواب الشرط محذوف تقديره : فإن جاء أحد يخبرك باللقطة وأوصافها فأدها إليه ، وفي رواية محمد بن يوسف عن سفيان كما سيأتي ، فإن جاء أحد يخبرك بعفاصها ووكائها ، قوله : " وإلا فاستنفقها " أي وإن لم يأت أحد بعد التعريف حولا فاستنفقها من الاستنفاق ، وهو استفعال وباب الاستفعال للطلب ، لكن الطلب على قسمين صريح وتقديري ، وهاهنا لا يتأتى الصريح فيكون للطلب التقديري كما في قولك استخرجت الوتد من الحائط ، ( فإن قلت ) : في رواية مالك كما يجيء بعد باب " اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة " ، وفي رواية أبي داود من طريق عبد الله بن يزيد مولى المنبعث بلفظ : " عرفها حولا ، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه ، وإلا اعرف وكاءها وعفاصها ثم اقبضها في مالك " فرواية مالك تقتضي سبق المعرفة على التعريف ، ورواية ج١٢ / ص٢٧٠أبي داود بالعكس .

( قلت ) : قال النووي : الجمع بينهما بأن يكون مأمورا بالمعرفة في حالتين ، فيعرف العلامات أول ما يلتقط حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها ، ثم بعد تعريفها سنة إذا أراد أن يتملكها فيعرفها مرة أخرى معرفة وافية محققة ليعلم قدرها وصفتها لاحتمال أن يجيء صاحبها ، فيقع الاختلاف في ذلك ، فإذا عرفها الملتقط وقت التملك يكون القول قوله لأنه أمين ، واللقطة وديعة عنده . وقال بعضهم : يحتمل أن يكون " ثم " في الروايتين بمعنى الواو ، فلا يقتضي ترتيبا ، فلا يقتضي تخالفا يحتاج إلى الجمع . ( قلت ) : خروج " ثم " عن معنى التشريك في الحكم والمهلة والترتيب ، إنما يمشي على قول الكوفيين فتكون حينئذ زائدة ، وذلك إنما يكون في موضع لا يخل بالمعنى ، وهاهنا لا وجه لما قاله ، ولئن سلمنا أنه يكون بمعنى الواو ، والواو أيضا تقتضي الترتيب على قول البعض ، فلا يتم الجواب بما قاله .

( فإن قلت ) : هذا العرفان واجب أم سنة ؟ ( قلت ) : قيل : واجب ؛ لظاهر الأمر ، وقيل مستحب ، وقيل يجب عند الالتقاط ويستحب بعده . قوله : " فضالة الغنم " أي ما حكم ضالة الغنم ؟ قوله : " قال : لك أو لأخيك أو للذئب " كلمة " أو " فيه للتقسيم والتنويع ، والمعنى إن ضالة الغنم لك إن أخذتها وعرفتها ولم تجد صاحبها ، قوله : " أو لأخيك " يعني إن أخذتها وعرفتها ، وجاء صاحبها فهي له وأراد به الأخ في الدين ، وهو صاحب الغنم ، قوله : " أو للذئب " يعني إن تركتها ، ولم يتفق آخذ غيرك فهي طعمة للذئب غالبا ؛ لأنها لا تحمي نفسها ، وذكر الذئب مثال ، وليس بقيد ، والمراد جنس ما يأكل الشاة ويفترسها من السباع ، ووقع في رواية إسماعيل بن جعفر ، عن ربيعة كما سيأتي بعد أبواب ، فقال : خذها فإنما هي لك إلى آخره ، وهو صريح بالأمر بالأخذ ، وفيه رد على أحمد في إحدى روايتيه أنه يترك التقاط الشاة ، وبه تمسك مالك في أنه يأخذها ويملكها بالأخذ ، ولو جاء صاحبها لأنه صار حكمه حكم الذئب ، فلا غرامة ، ورد عليه بأن اللام ليست للتمليك ؛ لأن الذئب لا يملك ، وإنما يأكلها الملتقط بالضمان ، وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها الملتقط ، فإنه يأخذها لأنها باقية على ملكه ، قوله : " قال ضالة الإبل " أي ما حكم ضالة الإبل ، قوله : " فتمعر وجه النبي صلى الله عليه وسلم " أي تغير وجهه من الغضب ، ومادة تمعر ميم وعين مهملة وراء ، وأصله في الشجر إذا قل ماؤه فصار قليل النضرة ، عديم الإشراق ، ويقال للوادي المجدب : أمعر ، وقال بعضهم : ولو روي بالغين المعجمة لكان له وجه ، أي صار بلون المغرة ، وهي حمرة شديدة إلى كمودة ، ويقويه قوله في رواية إسماعيل بن جعفر : " فغضب حتى احمرت وجنتاه أو وجهه " قلت : إذا لم تثبت فيه الرواية فلا يحتاج إلى هذا التعسف ، قوله : " ما لك " يعني ليس لك هذا ، ويدل عليه رواية سليمان بن بلال ، عن ربيعة التي سبقت في كتاب العلم ، فذرها حتى يلقاها ربها ، قوله : " معها حذاؤها " بكسر الحاء المهملة وبالذال المعجمة ممدودا أي خفها ، قوله : " وسقاؤها " السقاء بالكسر في الأصل ظرف الماء من الجلد ، والمراد به هنا جوفها ، وذلك لأنها إذا شربت يوما تصبر أياما على العطش ، وقيل : المراد به عنقها ؛ لأنها تتناول المأكول بغير تعب لطول عنقها ، فلا تحتاج إلى ملتقط . وما يتعلق به الحكم قد مضى في كتاب العلم ، ولنذكر شيئا نزرا .

اختلف العلماء في ضالة الإبل هل تؤخذ على قولين ؛ أحدهما : لا يأخذها ولا يعرفها ؛ قاله مالك والأوزاعي والشافعي لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل . الثاني : أخذها وتعريفها أفضل ؛ قاله الكوفيون ، لأن تركها سبب لضياعها ، وفيه قول ثالث إن وجدها في القرى عرفها ، وفي الصحراء لا يعرفها . وقالت الشافعية : الأصح أنه إن وجدها بمفازة فللقاضي التقاطها للحفظ ، وكذا لغيره ، ويحرم التقاطها للتملك ، وإن وجدها بقرية فيجوز التملك ، وقال ابن المنذر : وممن رأى ضالة البقر كضالة الإبل طاوس والأوزاعي والشافعي وبعض أصحاب مالك ، وقال مالك والشافعي في ضالة البقر : إن وجدت في موضع يخاف عليها فهي في منزلة الشاة ، وإلا فكالبعير ، وقيل : إن كانت لها قرون تمنع بها فكالبعير وإلا فكالشاة ، حكاه ابن التين ، وقال القرطبي : عندنا في البقر والغنم قولان ، ورأى مالك إلحاقها بالغنم ، ورأى ابن القاسم إلحاقها بالإبل إذا كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع ، وكان هذا تفصيل أحوال لا اختلاف أقوال ، ومثلها جاء في الإبل إلحاقا بها .

واختلف في التقاط الخيل والبغال والحمير ، فظاهر قول ابن القاسم الجواز ومنعه أشهب وابن كنانة ، وقال ابن حبيب : والخيل والبغال والعبيد ، وكل ما يستقل بنفسه ، ويذهب هو داخل في الضالة ، وقال ابن الجوزي : الخيل والإبل والبقر والبغال والحمير والشاة والظباء لا يجوز عندنا التقاطها إلا أن يأخذها الإمام للحفظ . وفي التوضيح : إذا عرف المال وشبهه وانقضى الحول أو قبله ، وجاء صاحبه أخذه بزيادته المتصلة ، وكذا المنفصلة إن حدثت قبل التملك ، وإن حدثت بعده رجع فيها دون الزيادة .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث