باب صب الخمر في الطريق أي : هذا باب في بيان صب الخمر في طريق الناس ، هل ينبغي ذلك أم لا ، فقيل : لا يمنع من ذلك ؛ لأنه للإعلان برفضها ، وليشتهر تركها ، وذلك أنه أرجح في المصلحة من التأذي بصبها في الطريق ، وإليه أشار المهلب ، وقيل : يمنع من ذلك ، فقال ابن التين : هذا الذي في الحديث كان في أول الإسلام قبل أن ترتب الأشياء ، وتنظف ، فأما الآن فلا ينبغي صب النجاسات في الطرق خوفا أن يؤذي المسلمين ، وقد منع سحنون أن يصب الماء من بئر وقعت فيه فأرة في الطريق . قوله : في الطريق ، ويروى : في الطرق . 37 - حدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى ، قال : أخبرنا عفان ، قال : حدثنا حماد بن زيد ، قال : حدثنا ثابت ، عن أنس رضي الله عنه قال : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة ، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ ، فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مناديا ينادي : ألا إن الخمر قد حرمت ، قال : فقال لي أبو طلحة : اخرج فأهرقها ، فخرجت فهرقتها ، فجرت في سكك المدينة ، فقال بعض القوم قد قتل قوم وهي في بطونهم ، فأنزل الله : ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا . الآية مطابقته للترجمة في قوله : فهرقتها فجرت في سكك المدينة ، ومحمد بن عبد الرحيم أبو يحيى هو المعروف بصاعقة ، وهو من أفراده ، وعفان هو ابن مسلم الصفار ، وروى عنه البخاري في الجنائز بدون الواسطة . والحديث أخرجه البخاري أيضا في التفسير ، عن أبي النعمان ، عن حماد ، وفي الأشربة ، عن إسماعيل بن عبد الله ، وأخرجه مسلم في الأشربة عن أبي الربيع الزهراني عنه به ، وأخرجه أبو داود فيه عن سليمان بن حرب عنه نحوه . ( ذكر معناه ) . قوله : كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة ، وأبو طلحة زوج أم أنس ، واسمه زيد بن سهل الأنصاري شهد العقبة ، وبدرا ، وأحدا ، وسائر المشاهد كلها مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وهو أحد النقباء ، وعاش بعد رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أربعين سنة ، ومات بالشام ، قاله أبو زرعة الدمشقي ، وعن أنس أنه غزا البحر فمات فيه ، فما وجدوا جزيرة فدفنوه فيها إلا بعد سبعة أيام ، ولم يتغير ، وفي القوم كان أبو عبيدة ، وأبي بن كعب على ما يأتي في رواية البخاري في الأشربة ، وفي رواية لمسلم : إني لقائم أسقيها أبا طلحة ، وأبا أيوب ، ورجالا من أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وفي رواية له : إني لقائم على الحي على عمومتي أسقيهم ، وفي رواية له : كنت أسقي أبا طلحة ، وأبا دجانة ، ومعاذ بن جبل في رهط من الأنصار ، وفي رواية له : إني لأسقي أبا طلحة ، وأبا دجانة ، وسهيل بن بيضاء من مزادة . قوله : وكان خمرهم يومئذ الفضيخ . أصل الخمر من المخامرة ، وهي المخالطة . سميت بها لمخالطتها العقل ، ومن التخمير ، وهو التغطية سميت بها لتغطيتها العقل ، يذكر ويؤنث ، وجزم ابن التين بالتأنيث ، وقال ابن سيده : هي ما أسكر من عصير العنب ، والأعرف فيها التأنيث ، وقد يذكر ، والجمع خمور ، وقال ابن المسيب فيما حكاه النحاس في ( ناسخه ) : سميت بذلك ؛ لأنها صعد صفوها ، ورسب كدرها ، وقال ابن الأعرابي : لأنها تركت فاختمرت ، واختمارها تغير ريحها ، وجعلها أبو حنيفة الدينوري من الحبوب ، وأظنه تسمحا منه ؛ لأن حقيقة الخمر إنما هي للعنب دون سائر الأشياء ، وعند أبي حنيفة الإمام : الخمر هي النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد ، ولها عدة أسماء نحو المائتين ذكرناها في ( شرحنا لمعاني الآثار ) ، والفضيخ بفاء مفتوحة ، وضاد ، وخاء معجمتين ، شراب يتخذ من البسر من غير أن تمسه النار ، وقال ابن سيده : هو شراب يتخذ من البسر المفضوخ ، يعني المشدوخ ، وفي ( مجمع الغرائب ) : ويروى عن ابن عمر أنه قال : ليس بالفضيخ ، ولكنه الفضوخ . وقال أبو حنيفة عن الأعراب : هو ما اعتصر من العنب اعتصارا فهو الفضيخ ، لأنه يفضخ وكذلك فضيخ البسر ، وقال الداودي : يهشم البسر ، ويجعل معه الماء ، وقاله الليث أيضا . قوله : فأمر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ مناديا ينادي ، وفي رواية : فأتاهم آت ، يعني أن الآتي أخبرهم بالنداء ، والنداء عن الأمر يتنزل في العمل به منزلة سماع . قوله : فأهرقها ، الهاء فيه زائدة ، وأصله أراقها من الإراقة ، وهي الإسالة والصب ، ويقال : أراق وهراق وأهراق . قوله : في سكك المدينة ، أي : في طرقها جمع سكة بالكسر . قوله : فأنزل الله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا . الآية . وقال الإمام أحمد : حدثنا الأسود بن عامر ، أنبأنا إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : لما حرمت الخمر قال أناس : يا رسول الله ، أصحابنا الذين ماتوا ، وهم يشربونها ؟ فأنزل الله تعالى : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا قال : ولما حولت القبلة قال أناس : يا رسول الله ، أصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس ، فأنزل الله تعالى : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن البراء بن عازب قال : لما نزل تحريم الخمر قالوا : كيف بمن كان يشربها قبل أن تحرم ؟ فنزلت : لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا الآية ، ورواه الترمذي ، عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، نحوه وقال : حسن صحيح . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه تحريم الخمر ، وذكر ابن سعد وغيره أن تحريم الخمر كان في السنة الثانية بعد غزوة أحد ، وفيه قبول خبر الواحد ، وفيه حرمة إمساكها ، ونقل النووي اتفاق الجمهور عليه ، وفيه قول من قال : قتل قوم ، وهي في بطونهم صدر عن غلبة خوف ، وشفقة ، أو عن غفلة عن المعنى ؛ لأن الخمر كانت مباحة أولا ، ومن فعل ما أبيح له لم يكن له ، ولا عليه شيء ؛ لأن المباح مستوي الطرفين بالنسبة إلى الشرع ، وفيه : فجرت في سكك المدينة ، واستدل به ابن حزم على طهارة الخمر ؛ لأن الصحابة كان أكثرهم يمشي حافيا فما يصيب قدمه لا ينجس به . ( قلت ) : هذه جراءة عظيمة ؛ لأن القرآن أخبر بنجاستها .
المصدر: عمدة القاري شرح صحيح البخاري
المصدر الرسمي: https://hdith.com/encyclopedia/book/b-43/h/395950
© hdith.com — الموسوعة الحديثيَّة