حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب إذا هدم حائطا فليبن مثله

حدثنا مسلم بن إبراهيم ، قال : حدثنا جرير هو ابن حازم ، عن محمد بن سيرين ، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : كان رجل في بني إسرائيل يقال له : جريج يصلي فجاءته أمه فدعته فأبى أن يجيبها ، فقال : أجيبها ، أو أصلي ، ثم أتته فقالت : اللهم لا تمته حتى تريه المومسات ، وكان جريج في صومعته ، فقالت امرأة : لأفتنن جريجا ، فتعرضت له ، فكلمته فأبى ، فأتت راعيا فأمكنته من نفسها فولدت غلاما ، فقالت : هو من جريج ، فأتوه وكسروا صومعته ، فأنزلوه وسبوه ، فتوضأ وصلى ، ثم أتى الغلام ، فقال : من أبوك يا غلام ؟ قال : الراعي . قالوا : نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين . مطابقته للترجمة في قوله : نبني صومعتك من ذهب ؟ قال : لا ، إلا من طين ؛ لأنه كان من طين ، ولم يرض إلا أن يكون مثله .

والحديث أخرجه البخاري أيضا في أحاديث الأنبياء عليهم السلام مطولا ، وأخرجه مسلم في الأدب عن زهير بن حرب ، عن يزيد بن هارون ، عن جرير بن حازم . قوله : جريج ، بضم الجيم الأولى الراهب . قوله : يصلي خبر كان .

قوله : أو أصلي ، كلمة أو هنا للتخيير . قوله : لا تمته ، بضم التاء من الإماتة . قوله : حتى تريه ، بضم التاء من الإراءة .

قوله : المومسات ، أي : الزواني ، وهو جمع مومسة ، وهي الفاجرة ، ويجمع على مياميس أيضا ، وموامس ، وأصحاب الحديث يقولون : مياميس ، ولا يصح إلا على إشباع الكسرة لتصير ياء كمطفل ، ومطافل ، ومطافيل ، وقال ابن الأثير . ومنه حديث أبي وائل أكثر تبع الدجال أولاد الميامس . وفي رواية : أولاد الموامس ، وقد اختلف في أصل هذه اللفظة ، فبعضهم يجعله من الهمزة ، وبعضهم يجعله من الواو ، وكل منهما تكلف له اشتقاقا فيه .

وقال الجوهري : المومسة الفاجرة ، ولم يذكر شيئا غير ذلك . وفي المطالع : المياميس والمومسات : المجاهرات بالفجور ، الواحدة مومسة . وبالياء المفتوحة رويناه عن جميعهم ، وكذلك ذكره أصحاب العربية في الواو ، والميم ، والسين .

ورواه ابن الوليد ، عن ابن السماك : المآميس بالهمز ، فإن صح الهمز فهو من مأس الرجل إذا لم يلتفت إلى موعظة ، ومأس ما بين يدي القوم أفسد ، وهذا بمعنى المجاهرة ، والاستهتار ، ويكون وزنه على هذا فعاليل . قوله : في صومعته .. . قوله : فكلمته ، أي : في ترغيبه في مباشرتها .

قوله : فولدت ، فيه حذف كثير تقديره : فأمكنته من نفسها ، يعني : زنى بها فحبلت ، ثم ولدت غلاما فقالت - أي : المرأة - : هو - أي : الغلام - من جريج . قوله : ثم أتى الغلام بالنصب ، أي : الطفل الذي في المهد قبل زمان تكلمه . قوله : قال : لا ، أي : قال جريج : لا تبنوها إلا من طين .

وقال ابن مالك : فيه شاهد على حذف المجزوم بلا ، كما قدرناه . ( ذكر ما يستفاد منه ) فيه الاحتجاج بأن شرع من قبلنا شرع لنا . وقال الكرماني : واحتج البخاري به على الترجمة بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ، وفيه نظر ؛ لأن شرعنا أوجب المثل في المثليات ، والحائط متقوم لا مثلي ، انتهى .

( قلت ) : شرع من قبلنا يلزمنا ما لم يقص الله علينا بالإنكار . وقد قلنا : إن الحائط إذا كان من خشب يكون من ذوات القيم ، وإن كان من الطين والحجر يبنى بأن يعاد مثله ، وفيه أن الطفل يدعى غلاما ، وفيه أنه أحد من تكلم في المهد . وقال الضحاك : تكلم في المهد ستة : شاهد يوسف عليه الصلاة والسلام ، وابن ماشطة فرعون ، وعيسى ويحيى عليهما الصلاة والسلام ، وصاحب جريج ، وصاحب الأخدود .

وفيه المطالبة كما طالبت بنو إسرائيل جريجا بما ادعته المرأة عليه ، وأصل هذه المطالبة أن أهل تلك البلدة كانوا يعظمون أمر الزنا ، فظهر أمر تلك المرأة في البلد ، فلما وضعت حملها أخبر الملك أن امرأة قد ولدت من الزنا فدعاها ، فقال لها : من أين لك هذا الولد ؟ قالت : من جريج الراهب ، قد واقعني ، فبعث الملك أعوانه إليه وهو في الصلاة ، فنادوه فلم يجبهم حتى جاءوا إليه بالمرو ، والمساحي ، وهدموا صومعته ، وجعلوا في عنقه حبلا ، وجاءوا به إلى الملك ، فقال له الملك : إنك قد جعلت نفسك عابدا ثم تهتك حريم الناس ، وتتعاطى ما لا يحل له قال : أي شيء فعلت ؟ قال : إنك زنيت بامرأة كذا ، فقال : لم أفعل ، فلم يصدقوه ، وحلف على ذلك فلم يصدقوه ، فقال : فردوني إلى أمي فردوه إليها ، فقال لها : يا أماه إنك دعوت الله علي فاستجاب الله دعاءك ، فادعي الله أن يكشف عني بدعائك . فقالت : اللهم إن كان جريج إنما أخذته بدعوتي فاكشف عنه فرجع جريج إلى الملك ، فقال أين هذه المرأة ؟ وأين هذا الصبي ؟ فجاءوا بهما فسألوهما ، فقالت المرأة : بلى ، هذا الذي فعل بي ، فوضع جريج يديه على رأس الصبي ، وقال : بحق الذي خلقك أن تخبرني من أبوك ؟ فتكلم الصبي بإذن الله تعالى ، وقال : إن أبي فلان الراعي ، فلما سمعت المرأة بذلك اعترفت ، وقالت : كنت كاذبة ، وإنما فعل بي فلان الراعي . وفي رواية أخرى أن المرأة كانت حاملا لم تضع بعد ، فقال لها : أين أصبتك ؟ قالت : تحت شجرة ، وكانت الشجرة بجنب صومعته .

قال جريج : اخرجوا إلى تلك الشجرة ، ثم قال : يا شجرة ، أسألك بالذي خلقك أن تخبريني من زنى بهذه المرأة ، فقال كل غصن منها : راعي الغنم ، ثم طعن بإصبعه في بطنها ، وقال : يا غلام من أبوك ؟ فنادى من بطنها : أبي راعي الغنم ، فعند ذلك اعتذر الملك إلى جريج ، وقال : ائذن لي أن أبني صومعتك بالذهب . قال : لا . قال : فبالفضة .

قال : لا ، ولكن بالطين ، كما كان ، فبنوه بالطين ، كما كان هكذا ساق هذه القصة الإمام أبو الليث السمرقندي في كتاب ( تنبيه الغافلين ) ، وذكر أبو الليث ، عن يزيد بن حوشب الفهري ، عن أبيه قال : سمعت رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يقول : لو كان جريج الراهب فقيها لعلم أن إجابة أمه أفضل من عبادة ربه . وفيه إثبات الكرامة للأولياء . وقال ابن بطال : يمكن أن يكون جريج نبيا ؛ لأن النبوة كانت ممكنة في بني إسرائيل غير ممتنعة عليهم ، ولا نبي بعد نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فليس يجري من الآيات بعده ما يكون خرقا للعادة ، ولا قلب العين ، وإنما يكون كرامة لأوليائه مثل دعوة مجابة ، ورؤيا صالحة ، وبركة ظاهرة ، وفضل بين ، وتوفيق من الله تعالى إلى الإبراء مما اتهم به الصالحون وامتحن به المتقون ، وفيه أن دعاء الأم أو الأب على ولده إذا كان بنية خالصة قد يجاب ، وإن كان في حال الضجر ، وفيه أيضا خلاص الولد من بلية ابتلي بها ببركة دعاء والديه .

وفيه دليل أن الوضوء كان لغير هذه الأمة أيضا إلا أن هذه الأمة قد خصت بالغرة والتحجيل خلافا لمن خصها بأصل الوضوء .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث