باب الشركة في الطعام والنهد والعروض
حدثنا محمد بن العلاء ، قال : حدثنا حماد بن أسامة ، عن بريد ، عن أبي بردة ، عن أبي موسى قال : قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : إن الأشعريين إذا أرملوا في الغزو ، أو قل طعام عيالهم بالمدينة ، جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ثم اقتسموه بينهم في إناء واحد بالسوية ؛ فهم مني وأنا منهم . مطابقته للترجمة تؤخذ من قوله : جمعوا ما كان عندهم في ثوب واحد ، ثم اقتسموه بينهم ، ولا يخفى على المتأمل ذلك ، وهذا الإسناد بعينه مضى في باب فضل من علم . وبريد ، بضم الباء الموحدة ابن عبد الله بن أبي بردة يروي عن جده أبي بردة ، واسمه الحارث ، وقيل : عامر ، وقيل : اسمه كنيته ، يروي عن أبيه ( أبي موسى الأشعري ) ، واسمه عبد الله بن قيس .
والحديث أخرجه مسلم في الفضائل ، عن أبي موسى الأشعري ، وأبي كريب . وأخرجه النسائي في السير ، عن موسى بن هارون . قوله : إن الأشعريين ، جمع أشعري بتشديد الياء ، نسبة إلى الأشعر قبيلة من اليمن ، ويروى أن الأشعرين بدون ياء النسبة ، وتقول العرب : جاءك الأشعرون بحذف الياء .
قوله : إذا أرملوا ، أي : إذا فني زادهم من الإرمال ، بكسر الهمزة ، وهو فناء الزاد ، وإعواز الطعام ، وأصله من الرمل كأنهم لصقوا بالرمل من القلة ، كما في قوله تعالى : ذَا مَتْرَبَةٍ قوله : فهم مني ، أي : متصلون بي ، وكلمة من هذه تسمى اتصالية نحو لا أنا من الدد ، ولا الدد مني . وقال النووي : معناه المبالغة في اتحاد طريقهما ، واتفاقهما في طاعة الله تعالى . وقيل : المراد فعلوا فعلي في المواساة .
وفيه منقبة عظيمة للأشعريين من إيثارهم ، ومواساتهم بشهادة سيدنا رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، وأعظم ما شرفوا به كونه أضافهم إليه . وفيه استحباب خلط الزاد في السفر والحضر أيضا ، وليس المراد بالقسمة هنا القسمة المعروفة عند الفقهاء ، وإنما المراد هنا إباحة بعضهم بعضا بموجوده ، وفيه فضيلة الإيثار والمواساة . وقال بعضهم : وفيه جواز هبة المجهول .
( قلت ) : ليس شيء في الحديث يدل على هذا ، وليس فيه إلا مواساة بعضهم بعضا ، والإباحة ، وهذا لا يسمى هبة ؛ لأن الهبة تمليك المال ، والتمليك غير الإباحة ، وأيضا الهبة لا تكون إلا بالإيجاب والقبول لقيام العقد بهما ، ولا بد فيها من القبض عند جمهور العلماء من التابعين وغيرهم ، ولا يجوز فيما يقسم إلا محوزة مقسومة ، كما عرف في موضعها .