حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب قسمة الغنم

حدثنا علي بن الحكم الأنصاري ، قال : حدثنا أبو عوانة ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ، عن جده قال : كنا مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بذي الحليفة ، فأصاب الناس جوع ، فأصابوا إبلا وغنما . قال : وكان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ في أخريات القوم ، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور ، فأمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ بالقدور فأكفئت ، ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير ، فند منها بعير فطلبوه فأعياهم ، وكان في القوم خيل يسيرة فأهوى رجل منهم بسهم فحبسه الله ، ثم قال : إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش ، فما غلبكم منها فاصنعوا به هكذا ، فقال جدي : إنا نرجو أو نخاف العدو غدا ، وليست معنا مدى ، أفنذبح بالقصب ؟ قال : ما أنهر الدم ، وذكر اسم الله عليه ، فكلوه ليس السن والظفر ، فسأحدثكم عن ذلك : أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة . مطابقته للترجمة في قوله : ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير .

( ذكر رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : علي بن الحكم ، بفتح الحاء المهملة ، وفتح الكاف الأنصاري . الثاني : أبو عوانة ، بفتح العين المهملة ، وبعد الألف نون ، واسمه الوضاح بن عبد الله اليشكري . الثالث : سعيد بن مسروق بن عدي الثوري والد سفيان الثوري .

الرابع : عباية ، بفتح العين المهملة ، وتخفيف الباء الموحدة ، وبعد الألف ياء آخر الحروف مفتوحة ابن رفاعة بن رافع بن خديج . الخامس : رافع بن خديج بن رافع بن عدي الأوسي الأنصاري الحارثي . ( ذكر لطائف إسناده ) فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، وفيه القول في موضع ، وفيه أن شيخه من أفراده ، وهو مروزي من قرية تدعى غزا ، وأن أبا عوانة واسطي ، وأن سعيد بن مسروق كوفي ، وأن عباية مدني ، وفيه رواية عباية عن جده .

وقال الدارقطني : ورواه أبو الأحوص ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة ، عن أبيه ، عن جده ، وتابعه عبد الوارث بن سعيد ، عن ليث بن أبي سليم ، ومبارك بن سعيد بن مسروق ، فقالا : عن عباية ، عن أبيه ، عن جده ، وسيجيء في الذبائح رواية البخاري أيضا ، عن عباية بن رفاعة ، عن أبيه ، عن جده . ( قلت ) : رافع بن خديج روى عنه ابنه رفاعة بن رافع ، وابن ابنه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج على خلاف فيه . ( ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الشركة ، عن محمد بن وكيع ، وفي الجهاد والذبائح عن موسى بن إسماعيل ، وفي الذبائح أيضا ، عن مسدد ، وعن عمرو بن علي ، وعن عبدان ، وعن محمد بن سلام بالقصة الثانية ، والثالثة وعن قبيصة ببعض القصة الثالثة .

وأخرجه مسلم في الأضاحي ، عن إسحاق بن إبراهيم . وعن القاسم بن زكرياء ، وعن محمد بن المثنى ، وعن محمد بن الوليد ، وعن ابن أبي عمر . وأخرجه أبو داود في الذبائح عن مسدد به ، وأخرجه الترمذي في الصيد عن هناد ، وعن بندار بالقصة الثالثة ، وعن محمود بن غيلان بالقصة الأولى والثانية ، وأعاده في السير عن هناد ، وأخرجه النسائي في الحج ، عن محمود بن غيلان بهما ، وعن هناد بهما ، وفي الصيد عن أحمد بن سليمان ، وفي الذبائح عن هناد بالقصة الثالثة ، وعن محمد بن منصور بالقصة الثالثة ، وعن عمرو بن علي بالقصة الثانية والثالثة ، وعن إسماعيل بن مسعود بهما ، وفي الأضاحي عن أحمد بن عبد الله بن الحكم ببعض القصة الثانية ، وأخرجه ابن ماجه في الأضاحي عن أبي كريب بالقصة الأولى ، وفي الذبائح عن محمد بن عبد الله بن نمير مقطعا في موضعين .

( ذكر معناه ) . قوله : بذي الحليفة . قال صاحب ( التلويح ) رحمه الله ، وذو الحليفة هذه ليست الميقات ، إنما هي التي من تهامة عند ذات عرق ، ذكره ياقوت وغيره .

( قلت ) : في رواية مسلم هكذا ، عن رافع بن خديج قال : كنا مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ بذي الحليفة من تهامة ، وذكر القابسي أنها المهل التي بقرب المدينة ، وقاله أيضا النووي ، وفيه نظر من حيث إن في الحديث ردا لقولهما . وقال ابن التين : وكانت سنة ثمان من الهجرة في قضية حنين . قوله : في أخريات القوم ، أي : في أواخرهم وأعقابهم ، وهي جمع أخرى ، وكان يفعل ذلك رفقا لمن معه ، ولحمل المنقطع .

قوله : فعجلوا ، بكسر الجيم . قوله : فأكفئت ، أي : قلبت ، وأميلت ، وأريق ما فيها ، وهو من الإكفاء . قال ثعلب : كفأت القدر إذا كببته ، وكذلك قاله الكسائي ، وأبو علي القالي ، وابن القوطية في آخرين ، فعلى هذا إنما يقال : فكفئت ، وأكفئت إنما يقال على قول ابن السكيت في ( الإصلاح ) ؛ لأنه نقل عن ابن الأعرابي ، وأبي عبيد ، وآخرين ، يقال : أكفئت ، وقال ابن التين : صوابه كفئت بغير ألف من كفأت الإناء مهموزا ، واختلف في إمالة الإناء ، فيقال فيها : كفأت ، وأكفأت ، وكذلك اختلف في أكفأت الشيء لوجهه .

وقد اختلف في سبب أمره بإكفاء القدور ، فقيل : إنهم انتهبوها مالكين لها من غير غنيمة ، ولا على وجه الحاجة إلى أكلها ، يشهد له قوله في رواية : فانتهبناها . ( قلت ) : في قوله : ولا على وجه الحاجة إلى أكلها فيه نظر ؛ لأنه ذكر في باب النهبة ، فأصابتنا مجاعة فهو بيان لوجه الحاجة ، وقيل : إنما كان لتركهم الشارع في أخريات القوم ، واستعجالهم ، ولم يخافوا من مكيدة الغدر فحرمهم الشارع ما استعجلوه عقوبة لهم بنقيضي قصدهم ، كما منع القاتل من الميراث ، قاله القرطبي ، ويؤيده رواية أبي داود ، وتقدم سرعان الناس فتعجلوا فأصابوا الغنائم ، ورسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ في آخر الناس . وقال النووي : إنما أمرهم بذلك ؛ لأنهم كانوا قد انتهوا إلى دار الإسلام ، والمحل الذي لا يجوز الأكل فيه من مال الغنيمة المشتركة فإن الأكل منها قبل القسم إنما يباح في دار الحرب ، والمأمور به من الإراقة إنما هو إتلاف المرق عقوبة لهم ، وأما اللحم فلم يتلفوه بل يحمل على أنه جمع ورد إلى المغنم ، ولا يظن أنه أمر بإتلافه ؛ لأنه مال الغانمين ، ولأنه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عن إضاعة المال ، فإن قلت : لم ينقل أنهم حملوه إلى الغنيمة .

( قلت ) : ولا نقل أيضا أنهم أحرقوه ، ولا أتلفوه فوجب تأويله على وفق القواعد الشرعية بخلاف لحم الحمر الأهلية يوم خيبر ؛ لأنها صارت نجسة . قوله : فعدل ، هذا محمول على أنه كان يحسب قيمتها يومئذ ، ولا يخالف قاعدة الأضحية من إقامة بعير مقام سبع شياه ؛ لأن هذا هو الغالب في قيمة الشاة ، والإبل المعتدلة . قوله : فند ، بفتح النون ، وتشديد الدال المهملة ، أي : نفر ، وذهب على وجهه شاردا ، يقال : ند يند ندا ، وندودا .

قوله : فأعياهم ، أي : أعجزهم يقال : أعيى إذا أعجز ، وعيي بأمره إذا لم يهتد لوجهه ، وأعياني هو قوله : يسيرة ، أي : قليلة . قوله : فأهوى ، أي : قصد . قال الأصمعي : أهويت بالشيء إذا أومأت إليه .

قوله : أوابد جمع آبدة بالمد ، وكسر الباء الموحدة المخففة ، يقال : منه أبدت تأبد ، بضم الباء ، وتأبد بكسرها ، وهي التي نفرت من الإنس وتوحشت ، وقال القزاز مأخوذة من الأبد ، وهي الدهر لطول مقامها . وقال أبو عبيد : أخذت من تأبدت الدار تأبدا ، وأبدت تأبد أبودا إذا خلا منها أهلها . قوله : منها ، أي : من الأوابد .

قوله : فاصنعوا به هكذا ، أي : ارموه بالسهم . قوله : قال جدي إنا نرجو ، أو نخاف . قال الكرماني : نرجو بمعنى نخاف ، ولفظ : أو نخاف شك من الراوي .

وقال ابن التين : هما سواء . قال تعالى : فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ أي : يخافه ، وقوله : جدي هو جد عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج ، وعباية الذي هو أحد الرواة يحكي عن جده رافع بن خديج ، أنه قال : نرجو ، أو قال : إنا نخاف ، والرجاء هنا بمعنى الخوف . قوله : مدى ، بضم الميم جمع مدية ، وهي السكين .

قوله : أفنذبح بالقصب . وفي رواية لمسلم : فنذكي بالليط ، بكسر اللام ، وسكون الياء آخر الحروف ، وبالطاء المهملة هي قطع القصب ، قاله القرطبي ، وقال النووي : قشوره الواحد ليطة . وفي ( سنن أبي داود ) : أنذكي بالمروة .

فإن قلت : ما معنى هذا السؤال عند لقاء العدو ؟ ( قلت ) : لأنهم كانوا عازمين على قتال العدو ، وصانوا سيوفهم ، وأسنتهم ، وغيرها عن استعمالها ؛ لأن ذلك يفسد الآلة ، ولم يكن لهم سكاكين صغار معدة للذبح . قوله : ما أنهر الدم ، أي : ما أسال وأجرى الدم ، وكلمة ما شرطية ، وموصولة ، والحكمة في اشتراط الإنهار التنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها . ويقال : معنى أنهر الدم أساله ، وصبه بكثرة ، وهو مشبه بجري الماء في النهر ، وعند الخشني : ما انهز بالزاي من النهز ، وهو الدفع ، وهو غريب .

قوله : فكلوه ، الفاء جواب الشرط ، أو لتضمنه معناه . قوله : ليس السن والظفر ، كلمة ليس بمعنى إلا ، وإعراب ما بعده النصب ، وقال صاحب ( التلويح ) هما منصوبان على الاستثناء بليس ، وفيه ما فيه . قوله : فسأحدثكم ، أي : سأبين لكم العلة في ذلك ، وليست السين هنا للاستقبال بل للاستمرار ، كما في قوله تعالى : سَتَجِدُونَ آخَرِينَ وزعم الزمخشري أن السين إذا دخلت على فعل محبوب أو مكروه أفادت أنه واقع لا محالة .

قوله : أما السن فعظم . قال التيمي : العظم غالبا لا يقطع إنما يجرح ، ويدمي فتزهق النفس من غير أن يتيقن ، وقوع الذكاة ؛ فلهذا نهى عنه . وقال النووي : لا يجوز بالعظم ؛ لأنه يتنجس بالدم ، وهو زاد إخواننا من الجن ، ولهذا نهي عن الاستنجاء به ، وقال البيضاوي : هو قياس حذف عنه المقدمة الثانية لظهورها عندهم ، وهي أن كل عظم لا يحل الذبح به .

قوله : وأما الظفر فمدى الحبشة ، المعنى فيه أن لا يتشبه بهم ؛ لأنهم كفار ، وهو شعار لهم ، وفي الحديث من تشبه بقوم فهو منهم ، رواه أبو داود ، وقال الخطابي : ظاهره يوهم أن مدى الحبشة لا تقع بها الذكاة ، ولا خلاف أن مسلما لو ذكى بمدية حبشي كافر جاز ، فمعنى الكلام أن أهل الحبشة يدمون مذابح الشاة بأظفارهم حتى تزهق النفس خنقا ، وتعذيبا ، ويحلونها محل الذكاة ، فلذلك ضرب المثل به . ( ذكر ما يستفاد منه ) ، وهو على أنواع . الأول : عدم جواز الأكل من الغنيمة قبل القسمة عند الانتهاء إلى دار الإسلام .

الثاني : فيه جواز قسم الغنم ، والبقر ، والإبل بغير تقويم ، وبه قال مالك ، والكوفيون ، وأبو ثور ، إذا كان ذلك على التراضي . وقال الشافعي : لا يجوز قسم شيء من الحيوان بغير تقويم . قال : إنما كان ذلك على طريق القيمة ، ألا ترى أنه عدل عشرة من الغنم ببعير ، وهذا معنى التقويم .

وقال القرطبي : وهذه الغنيمة لم يكن فيها غير الإبل والغنم ، ولو كان فيها غير ذلك لقوم جميعا وقسمه على القيمة . الثالث : فيه أن ما ند من الحيوان الإنسي ولم يقدر عليه جاز أن يذكى بما يذكى به الصيد ، وبه قال أبو حنيفة ، والشافعي ، وهو قول علي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وابن عمر ، وطاوس ، وعطاء ، والشعبي ، والأسود بن يزيد ، والنخعي ، والحكم ، وحماد ، والثوري ، وأحمد ، والمزني ، وداود . وقال النووي والجمهور ذهبوا إلى حديث أبي العشراء ، عن أبيه .

قال : ( قلت ) : يا رسول الله ، أما تكون الذكاة إلا في اللبة ، والحلق ؟ قال : لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك . ( قلت ) : حديث أبي العشراء رواه الأربعة ، فأبو داود ، عن أحمد بن يونس ، عن حماد بن سلمة ، عن أبي العشراء ، والترمذي ، عن أحمد بن منيع ، عن يزيد بن هارون ، عن حماد بن سلمة والنسائي ، عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن حماد بن سلمة ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن وكيع ، عن حماد بن سلمة ، وقال الترمذي بعد أن رواه : قال أحمد بن منيع : قال يزيد : هذا في الضرورة ، وقال أيضا : هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث حماد بن سلمة ، ولا نعرف لأبي العشراء عن أبيه غير هذا الحديث ، واختلفوا في اسم أبي العشراء ، فقال بعضهم : اسمه أسامة بن قهطم ، ويقال : يسار بن برز ، ويقال : ابن باز ، ويقال : اسمه عطارد . وقال أبو علي المديني : المشهور أن اسمه أسامة بن مالك بن قطهم ، فنسب إلى جده ، وقهطم بكسر القاف ، وسكون الهاء والطاء المهملة .

وقال ابن الصلاح فيما نقله من خط البيهقي وغيره : بكسر القاف . وقيل : قحطم بالحاء المهملة ، وقال مالك ، وربيعة ، والليث : لا يؤكل إلا بذكاة الإنسي بالنحر أو الذبح استصحابا لمشروعية أصل ذكاته ؛ لأنه وإن كان قد لحق بالوحش في الامتناع فلم يلتحق بها لا في النوع ، ولا في الحكم ، ألا يرى أن ملك مالكه باق عليه ، وهو قول سعيد بن المسيب أيضا ، وقال مالك : ليس في الحديث أن السهم قتله ، وإنما قال : حبسه ، ثم بعد أن حبسه صار مقدورا عليه ، فلا يؤكل إلا بالذبح ، ولا فرق بين أن يكون وحشيا أو إنسيا . وقوله : فاصنعوا به ، هكذا قال مالك : نقول بموجبه ، أي : نرميه ، ونحبسه ، فإن أدركناه حيا ذكيناه ، وإن تلف بالرمي فهل نأكله أو لا ، وليس في الحديث تعيين أحدهما ، فلحق بالمجملات فلا ينهض حجة ، وقالوا في حديث أبي العشراء : ليس بصحيح ؛ لأن الترمذي قال فيه ما ذكرناه الآن ، وقال أبو داود : لا يصلح هذا إلا في المتردية ، والمستوحشة .

قالوا : ولئن سلمنا صحته لما كان فيه حجة ؛ إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضو كان مطلقا في المقدور على تذكيته وغيره ، ولا قائل به في المقدور عليه ، فظاهره ليس بمراد قطعا ، وقال شيخنا رحمه الله : ليس العمل على عموم هذا الحديث ، ولعله خرج جوابا لسؤال عن المتوحش ، أو المتردي الذي لا يقدر على ذبحه . وقد روى أبو الحسن الميموني أنه سأل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث ، فقال : هو عندي غلط . ( قلت ) : فما تقول ؟ قال : أما أنا فلا يعجبني ، ولا أذهب إليه إلا في موضع ضرورة ، كيف ما أمكنتك الذكاة لا يكون إلا في الحلق أو اللبة .

قال : فينبغي للذي يذبح أن يقطع الحلق أو اللبة . ( قلت ) : روى محمد بن الحسن ، عن أبي حنيفة ، عن سعيد بن مسروق ، عن عباية بن رفاعة بن رافع ، عن ابن عمر ، أن بعيرا تردى في بئر بالمدينة ، فلم يقدر على منحره فوجئ بسكين من قبل خاصرته ، فأخذ منه ابن عمر عشيرا بدرهمين ؛ العشير لغة في العشر كالنصيف والنصف ، وقيل : العشير الإمعاء ، ومع هذا قول الجماعة الذين ذكرناهم من الصحابة والتابعين فيه الكفاية في الاحتجاج به . الرابع : فيه من شرط الذكاة إنهار الدم ، ولم يخص بشيء من العروق في شيء من الكتب الستة إلا في رواية رواها ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) من رواية من لم يسم عن رافع بن خديج قال : سألت رسول الله صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ ، عن الذبيحة بالليطة ، فقال : كل ما فرى الأوداج إلا السن ، أو الظفر ، ولا شك أن ذلك مخصوص بمكان الذبح والنحر لغلبة الدم فيه ، ولكونه أسرع إلى إزهاق نفس الحيوان ، وإراحته من التعذيب .

واختلف العلماء فيما يجب قطعه في الذبح ، وهو أربعة : الحلقوم ، والمري والودجان ، فاشترط قطع الأربعة الليث ، وداود ، وأبو ثور ، وابن المنذر من أصحاب الشافعي ، ومالك في رواية ، واكتفى الشافعي ، وأحمد في المشهور عنه بقطع الحلقوم والمري فقط ، واكتفى مالك بالحلقوم والودجين ، واكتفى أبو حنيفة وأبو يوسف في رواية بقطع ثلاثة من الأربعة ، وعن أبي يوسف اشتراط الحلقوم ، واثنين من الثلاثة الباقية ، وعنه أيضا اشتراط الحلقوم ، والمري ، وأحد الودجين ، واشترط محمد بن الحسن أكثر كل واحد من الأربعة . الخامس : فيه اشتراط التسمية ؛ لأنه قرنها بالذكاة ، وعلق الإباحة عليها ، فقد صار كل واحد منهما شرطا ، وهو حجة على الشافعي في عدم اشتراط التسمية ، فقال : لو ترك التسمية عامدا ، أو ناسيا تؤكل ذبيحته ، وبه قال أحمد في رواية ، وقال صاحب ( الهداية ) : قال مالك : لا يؤكل في الوجهين . ( قلت ) : ليس كذلك مذهبه ، بل مذهبه ما ذكره ابن قدامة في ( المغني ) أن عند مالك يحل إذا تركها ناسيا ، ولا يحل إذا تركها عامدا .

( قلت ) : هذا هو مثل مذهبنا فإن عندنا إذا تركها عامدا فالذبيحة ميتة لا تؤكل ، وإن تركها ناسيا أكل ما ذبحه ، والمشهور عن أحمد مثل قولنا ومذهبنا مروي عن ابن عباس ، وطاوس ، وابن المسيب ، والحسن ، والثوري ، وإسحاق ، وعبد الرحمن بن أبي ليلى ، وفي التفسير في سورة الأنعام ، وداود بن علي يحرم متروك التسمية ناسيا ، وقال في ( النوازل ) ، وفي قول بشر : لا يؤكل إذا ترك التسمية عامدا ، أو ناسيا . وقال القدوري في ( شرحه لمختصر الكرخي ) ، وقد اختلف الصحابة في النسيان ، فقال علي ، وابن عباس : إذا ترك التسمية أكل ، وقال ابن عمر : لا يؤكل ، والخلاف في النسيان يدل على اتفاقهم في العمد . فإن قلت : كيف صورة متروك التسمية عمدا ؟ ( قلت ) : أن يعلم أن التسمية شرط ، وتركها مع ذكرها أما لو تركها من لم يعلم باشتراطها فهو في حكم الناسي ذكره في ( الحقائق ) ، وكذلك الحكم على الخلاف إذا تركها عمدا عند إرسال البازي ، والكلب ، والرمي .

قال صاحب ( الهداية ) : وهذا القول من الشافعي مخالف للإجماع ؛ لأنه لا خلاف فيمن كان قبله في حرمة متروك التسمية عامدا ، وإنما الخلاف بينهم في متروك التسمية ناسيا . والحديث الذي رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : المسلم يكفيه اسمه ، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ، وليذكر اسم الله ثم ليأكل . حديث ضعيف ؛ لأن في سنده محمد بن يزيد بن سنان ، قالوا : كان صدوقا ، ولكن كان شديد الغفلة ، وقال ابن القطان : وفي سنده معقل بن عبد الله ، وهو وإن كان من رجال مسلم لكنه أخطأ في رفع هذا الحديث ، وقد رواه سعيد بن منصور وعبد الله ابن الزبير الحميدي ، عن سفيان بن عيينة ، عن عمرو ، عن أبي الشعثاء ، عن عكرمة ، عن ابن عباس .

قوله : وكذلك الحديث الذي رواه الدارقطني من حديث أبي سلمة ، عن أبي هريرة قال : سأل رجل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ : الرجل منا يذبح وينسى أن يسمي الله ؟ قال : اسم الله على كل مسلم . وفي لفظ : على فم كل مسلم . ضعيف ؛ لأن في سنده مروان بن سالم ، ضعفه أحمد ، والنسائي ، والدارقطني أيضا .

فإن قلت : روى أبو داود : حدثنا مسدد ، حدثنا عبد الله بن داود ، عن ثور بن يزيد ، عن الصلت ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ قال : ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله أو لم يذكر . ( قلت ) : هذا مرسل ، وهو ليس بـحجة عنده . وقال ابن القطان : وفيه مع الإرسال أن الصلت السدوسي لا يعرف له حال ، ولا يعرف بغير هذا ، ولا روى عنه غير ثور بن يزيد .

السادس فيه عدم جواز الذبح بالسن ، والظفر ، ويدخل فيه ظفر الآدمي ، وغيره من كل الحيوانات ، وسواء المتصل والمنفصل بحسب ظاهر الحديث ، وسواء الطاهر ، والنجس . وقال النووي : ويلتحق به سائر العظام من كل حيوان ، المتصل والمنفصل ، وقيل : كل ما صدق عليه اسم العظم فلا تجوز الذكاة بشيء منه ، وهو قول النخعي ، والحسن بن صالح ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي ثور ، وداود . وقال أبو حنيفة وصاحباه : لا يجوز بالسن والعظم المتصلين ، ويجوز بالمنفصلين ، وعن مالك روايات أشهرها جوازه بالعظم دون السن كيف كانا ، والثانية كمذهب الشافعي ، والثالثة كمذهب أبي حنيفة ، والرابعة يجوز بكل شيء بالسن والظفر ، وعن ابن جريج جواز التذكية بعظم الحمار دون القرد ، وقال صاحب ( الهداية ) : ويجوز الذبح بالظفر ، والقرن ، والسن إذا كان منزوعا ، وينهر الدم ، ويفري الأوداج ، وذكر في ( الجامع الصغير ) محمد ، عن يعقوب ، عن أبي حنيفة أنه قال : أكره هذا الذبح ، وإن فعل فلا بأس بأكله ، واحتج أصحابنا في ذلك بما رواه أبو د اود ، والنسائي ، وابن ماجه عن سماك بن حرب ، عن مري ابن قطري ، عن عدي بن حاتم قال : قلت : يا رسول الله ، أرأيت أحدنا أصاب صيدا وليس معه سكين ، أيذبح بالمروة وشقة العصا ؟ فقال : أمرر الدم بما شئت ، واذكر اسم الله .

وفي لفظ النسائي : أنهر الدم ، وكذلك رواه أحمد في ( مسنده ) . قال الخطابي : ويروى أمره ، قال : والصواب امرر بسكون الميم ، وتخفيف الراء . ( قلت ) : وبهذا اللفظ رواه ابن حبان في ( صحيحه ) ، والحاكم في ( المستدرك ) ، وقال : صحيح على شرط مسلم ، ولم يخرجاه .

وقال السهيلي في الروض الأنف امر الدم ، بكسر الميم ، أي : أسله ، يقال : دم مائر ، أي : سائل . قال : هكذا رواه النقاش وفسره . ورواه أبو عبيد بسكون الميم ، وجعله من مريت الضرع ، والأول أشبه بالمعنى ، وجمع الطبراني بين الروايات الثلاث ، وفيه رواية رابعة عند النسائي في ( سننه الكبرى ) أهرق ، فيكون الجميع برواية أبي عبيد خمس روايات .

بيان ذلك أن الأولى : أمرر من الإمرار ، والثانية : امر من المير أجوف يائي ، والثالثة أنهر من الإنهار ، والرابعة أهرق من الإهراق ، وأصله أرق من الإراقة ، والهاء زائدة ، والخامسة من المري ناقص يائي . والجواب عن قوله : ليس السن والظفر أنه محمول على غير المنزوع ، فإن الحبشة كانوا يفعلون كذلك إظهارا للجلادة ؛ فإنهم لا يقلمون ظفرا ، ويحدون الأسنان بالمبرد ، ويقاتلون بالخدش والعض ، ولأنهما إذا ذكرا مطلقين يراد بهما غير المنزوع ، أما المنزوع فيذكر مقيدا ، يقال : سن منزوع ، وظفر منزوع . وقال ابن القطان في الحديث المذكور شك في موضعين في اتصاله ، وفي قوله : أما السن فعظم ، هل هو من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وسَلَّمَ أو لا ، ثم روى عن أبي داود هذا الحديث ، وفيه : قال رافع : وسأحدثكم عن ذلك ، أما السن فعظم ، وأما الظفر فمدى الحبشة ، ولم يكن أيضا في حديث مسلم : أما السن من كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ نصا .

السابع : أن حكم الصيال حكم الندود ، وفي ( المنتقى ) في البعير إذا صال على إنسان فقتله ، وهو يريد الذكاة حل أكله . الثامن : أن الذكاة لا بد فيها من آلة حادة تجري الدم ، وأنه لا يكفي في ذلك الرض ، والدفع بالشيء الثقيل الذي لا حد له ، وإن أزال الحياة ، وهذا مجمع عليه ، وسواء في ذلك الحديد ، والنحاس ، والزجاج ، والقصب ، والحجر ، وكل ما له حد إلا ما يستثنى منه في الحديث ، والله أعلم . التاسع : استدل بقوله : ما أنهر الدم على أنه يجزئ فيما شرع ذبحه النحر ، وفيما شرع نحره الذبح ، وهو قول كافة العلماء إلا داود ومالكا في إحدى الروايات عنه ، وعن مالك الكراهة في رواية ، وعنه في رواية التفرقة : فيجزئ ذبح المنحور ، ولا يجزئ نحر المذبوح .

العاشر : أجمعوا على أفضلية نحر الإبل ، وذبح الغنم ، واختلفوا في البقر ، والصحيح إلحاقها بالغنم ، وهو قول الجمهور ، وقيل : يتخير فيها بين الأمرين .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث