حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الرهن مركوب ومحلوب

حدثنا أبو نعيم قال : حدثنا زكرياء ، عن عامر ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول : الرهن يركب بنفقته ويشرب لبن الدر إذا كان مرهونا . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وأبو نعيم الفضل بن دكين ، وزكرياء هو ابن أبي زائدة ، وعامر هو الشعبي ، وليس للشعبي عن أبي هريرة في البخاري إلا هذا الحديث ، وآخر في تفسير الزمر ، وعلق له ثالثا في النكاح . والحديث أخرجه البخاري أيضا عن محمد بن مقاتل في الرهن ، وأخرجه أبو داود في البيوع عن هناد ، وأخرجه الترمذي فيه عن أبي كريب ، ويوسف بن عيسى ، وأخرجه ابن ماجه في الأحكام ، عن أبي بكر بن أبي شيبة .

( ذكر طرق هذا الحديث ) ولما رواه الترمذي قال : وقد روى غير واحد هذا الحديث عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة موقوفا ، ورواه كذلك سفيان بن عيينة ، وشعبة ، ووكيع ، فأما حديث ابن عيينة فرواه الشافعي عنه ، ومن طريق البيهقي ، وأما حديث شعبة ، فرواه البيهقي من رواية مسلم بن إبراهيم عنه ، وأما حديث وكيع فرواه البيهقي أيضا من رواية إبراهيم بن عبد الله العبسي عنه ، وورد مرفوعا من طرق أخرى منها : ما رواه ابن عدي في الكامل ، وقد ذكرناه عن قريب ، ومنها ما رواه الدارقطني من رواية يحيى بن حماد ، والبيهقي من رواية شيبان بن فروخ كلاهما عن أبي عوانة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ورجاله كلهم ثقات ، ومنها ما رواه ابن عدي في الكامل من رواية يزيد بن عطاء ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، ويزيد ضعيف ، ومنها ما رواه ابن عدي أيضا من رواية الحسن بن عثمان بن زياد التستري ، عن خليفة بن خياط ، وحفص بن عمر الرازي ، عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن سفيان ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وقال هذا عن الثوري ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مسندا منكر جدا ، والبلاء من الحسن بن عثمان فإنه كذاب ، ومنها ما رواه ابن عدي أيضا من رواية أبي الحارث الوراق ، عن شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة مرفوعا ، وقال أبو الحارث : هذا بصري ، وقال ابن طاهر : روى عن أبي عوانة ، وعيسى بن يونس ، وأبي معاوية ، وشعبة ، والثوري مرفوعا وموقوفا ، والأصح الموقوف ، وقال الدارقطني : رفعه أبو الحارث نصر بن حماد الوراق ، عن شعبة ، عن الأعمش ، وروي عن وهب بن جرير أيضا مرفوعا وغيرهما يرويه عن شعبة موقوفا ، وهو الصواب ، قال : ورفعه أيضا لوين عن عيسى بن يونس ، عن الأعمش ، والمحفوظ عن الأعمش ، وقفه على أبي هريرة وهو أصح ، ورواه خلاد الصفار ، عن منصور ، عن أبي صالح مرفوعا ، وغيره يقفه ، وهو أصح ، وعند ابن حزم من حديث زكرياء ، عن الشعبي عنه مرفوعا : إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ولبن الدر يشرب ، وعلى الذي يشرب نفقته ، ويركب ، وقال : هذه الزيادة إنما هي من طريق إسماعيل بن سالم الصائغ مولى بني هاشم ، عن هشيم فالتخليط من قبله لا من قبل هشيم ، ( قلت ) : إسماعيل هذا احتج به مسلم وتابعه زياد بن أيوب عند الدارقطني ، ويعقوب الدوري عند البيهقي . ( ذكر معناه ) قوله : الرهن يركب أي المرهون يركب وهو على صيغة المجهول ، والمراد الظهر ، وبينه في الطريق الثاني حيث قال : الظهر يركب ، قوله : بنفقته أي بمقابلة نفقته يعني يركب وينفق عليه ، قوله : ويشرب على صيغة المجهول أيضا ، قوله : لبن الدر بفتح الدال المهملة وتشديد الراء ، وهو مصدر بمعنى الدارة أي ذات الضرع ، وقال بعضهم : وقوله لبن الدر من إضافة الشيء إلى نفسه ، وهو كقوله تعالى : وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( قلت ) : إضافة الشيء إلى نفسه لا تصح إلا إذا وقع في الظاهر فيؤول وقد ذكرنا أن المراد بالدر الدارة ، فلا يكون إضافة الشيء إلى نفسه لأن اللبن غير الدارة ، وكذلك يؤول في وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( ذكر ما يستفاد منه ) احتج بهذا الحديث إبراهيم النخعي ، والشافعي ، وجماعة الظاهرية على أن الراهن يركب المرهون بحق نفقته عليه ، ويشرب لبنه كذلك ، وروي ذلك أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وقال ابن حزم في المحلى : ومنافع الرهن كلها لا تحاشى منها شيئا ، لصاحب الرهن له كما كانت قبل الرهن ولا فرق حاشى ركوب الدابة المرهونة ، وحاشى لبن الحيوان المرهون ، فإنه لصاحب الرهن إلا أن يضيعهما فلا ينفق عليهما ، وينفق على كل ذلك المرتهن ، فيكون له حينئذ الركوب واللبن بما أنفق لا يحاسب به من دينه كثر ذلك أو قل ، وذلك لأن ملك الراهن باق في الرهن لم يخرج عن ملكه لكن الركوب والاحتلاب خاصة لمن أنفق على المركوب والمحلوب لحديث أبي هريرة انتهى . وقال الثوري ، وأبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، ومالك ، وأحمد في رواية : ليس للراهن ذلك لأنه ينافي حكم الرهن ، وهو الحبس الدائم فلا يملكه ، فإذا كان كذلك فليس له أن ينتفع بالمرهون استخداما وركوبا ولبنا وسكنى وغير ذلك ، وليس له أن يبيعه من غير المرتهن بغير إذنه ، ولو باعه توقف على إجازته ، فإن أجازه جاز ، ويكون الثمن رهنا سواء شرط المرتهن عند الإجازة أن يكون مرهونا عنده ، أو لا ، وعن أبي يوسف : لا يكون رهنا إلا بشرط ، وكذا ليس للمرتهن أن ينتفع بالمرهون حتى لو كان عبدا لا يستخدمه ، أو دابة لا يركبها ، أو ثوبا لا يلبسه ، أو دارا لا يسكنها ، أو مصحفا ليس له أن يقرأ فيه ، وليس له أن يبيعه إلا بإذن الراهن ، وقال الطحاوي: في الاحتجاج لأصحابنا أجمع العلماء على أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن وأنه ليس على المرتهن استعمال الرهن ، قال : والحديث يعني الحديث الذي احتج به الشافعي ومن معه مجمل فيه ، لم يبين فيه الذي يركب ويشرب فمن أين جاز للمخالف أن يجعله للراهن دون المرتهن ؟ ولا يجوز حمله على أحدهما إلا بدليل ، قال : وقد روى هشيم ، عن زكرياء ، عن الشعبي ، عن أبي هريرة ذكر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال : إذا كانت الدابة مرهونة فعلى المرتهن علفها ، ولبن الدر يشرب ، وعلى الذي يشرب نفقتها ، ويركب ، فدل هذا الحديث أن المعنى بالركوب وشرب اللبن في الحديث الأول هو المرتهن لا الراهن ، فجعل ذلك له وجعلت النفقة عليه بدلا مما يتعوض منه ، وكان هذا عندنا والله أعلم في وقت ما كان الربا مباحا ولم ينه حينئذ عن القرض الذي يجر منفعة ، ولا عن أخذ الشيء لشيء ، وإن كانا غير متساويين ثم حرم الربا بعد ذلك ، وحرم كل قرض جر منفعة .

وأجمع أهل العلم أن نفقة الرهن على الراهن لا على المرتهن ، وأنه ليس للمرتهن استعمال الرهن قال : ويقال لمن صرف ذلك إلى الراهن فجعل له استعمال الرهن : أيجوز للراهن أن يرهن رجلا دابة هو راكبها فلا يجد بدا من أن يقول لا ؟ فيقال له : فإذا كان الرهن لا يجوز إلا أن يكون مخلى بينه وبين المرتهن فيقبضه ويصير في يده دون يد الراهن كما وصف الله تعالى بقوله فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فيقول : نعم ، فيقال له : فلما لم يجز أن يستقبل الرهن على ما الراهن راكبه ؟ لم يجز ثبوته في يده بعد ذلك رهنا بحقه إلا كذلك أيضا لأن دوام القبض لا بد منه في الرهن إذا كان الرهن إنما هو إحباس المرتهن للشيء المرهون بالدين ، وفي ذلك أيضا ما يمنع استخدام الأمة الرهن لأنها ترجع بذلك إلى حال لا يجوز عليها استقبال الرهن . وحجة أخرى أنهم قد أجمعوا أن الأمة الرهن ليس للراهن أن يطأها ، وللمرتهن منعه من ذلك فلما كان المرتهن يمنع الراهن من وطئها كان له أيضا أن يمنعه بحق الرهن من استخدامها انتهى . ( قلت ) : الطحاوي أطلق قوله : قد أجمعوا إلى آخره ، وقد قال بعض أصحاب الشافعي : للراهن أن يطأ الآيسة والصغيرة لأنه لا ضرر فيه ، فإن علة المنع الخوف من أن تلد منه ، فتخرج بذلك من الرهن ، وهذا معدوم في حقهما ، والجمهور على خلاف ذلك ، ثم إن خالف فوطئ فلا حد عليه لأنها ملكه ، ولا مهر عليه ، فإذا ولدت صارت أم ولد له ، وخرجت من الرهن وعليه قيمتها حين أحبلها ، ولا فرق بين الموسر والمعسر إلا أن الموسر تؤخذ قيمتها منه ، والمعسر يكون في ذمته قيمتها ، وهذا قول أصحابنا ، والشافعي أيضا ، وقال ابن حزم : قال الشافعي : إن رهن أمة فوطئها فحملت فإن كان موسرا خرجت من الرهن ، ويكلف رهنا آخر مكانها ، وإن كان معسرا فمرة قال : يخرج من الرهن ، ولا يكلف رهنا مكانها ، ولا تكلف هي شيئا ، ومرة قال : تباع إذا وضعت ، ولا يباع الولد ، ويكلف رهن آخر ، وقال أبو ثور : هي خارجة من الرهن ولا يكلف لا هو ولا هي شيئا سواء كان موسرا أو معسرا ، وعن قتادة : أنها تباع ويكلف سيدها أن يفتك ولده منها ، وعن ابن سيرين : أنها استسعيت ، وكذلك العبد المرهون إذا أعتق ، وقال مالك : إن كان موسرا كلف أن يأتي بقيمتها فتكون القيمة رهنا ، وتخرج هي من الرهن ، وإن كان معسرا فإن كانت تخرج إليه وتأتيه فهي خارجة من الرهن ، ولا يتبع بغرامة ، ولا يكلف هو رهنا مكانها ، لكن يتبع بالدين الذي عليه ، وإن كان تسور عليها بيعت هي وأعطي هو ولده منها ، وقال أبو حنيفة وأصحابه : إن حملت وأقر بحملها فإن كان موسرا خرجت من الرهن ، وكلف قضاء الدين إن كان حالا أو كلف رهنا بقيمتها إن كان إلى أجل ، وإن كان معسرا كلفت أن تستسعى في الدين الحال بالغا ما بلغ ، ولا ترجع به على سيدها ، ولا يكلف ولدها سعاية ، وإن كان الدين إلى أجل كلفت أن تستسعى في قيمتها فقط ، فجعلت رهنا مكانها ، فإذا حل أجل الدين كلفت من قبل أن تستسعى في باقي الدين إن كانت أكثر من قيمتها ، وإن كان السيد استلحق ولدها بعد وضعها له وهو معسر قسم الدين على قيمتها يوم ارتهنها ، وعلى قيمة ولدها يوم استلحقه فما أصاب للأم سعت فيه بالغا ما بلغ للمرتهن ولم ترجع به على سيدها ، وما أصاب الولد سعى في الأقل من الدين أو من قيمته ، ولا رجوع به على أبيه ، ويأخذ المرتهن كل ذلك ، وقال صاحب التوضيح : هذا الحديث حجة على أبي حنيفة ، ( قلت ) : سبحان الله ! هذا تحكم وكيف يكون حجة عليه ، وقد ذكرنا وجهه على أن الشعبي هو الراوي عن أبي هريرة في هذا الحديث قد روى عنه الطحاوي حدثنا ، فهذا قال : حدثنا أبو نعيم ، قال : حدثنا الحسن بن صالح عن إسماعيل ابن أبي خالد ، عن الشعبي قال : لا ينتفع في الرهن بشيء ، فهذا الشعبي يقول هذا ، وقد روي عن أبي هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الحديث المذكور ، أفيجوز عليه أن يكون أبو هريرة يحدثه عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك ثم يقول هو بخلافه وليس ذلك إلا وقد ثبت نسخ هذا الحديث عنده والله أعلم .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث