حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما قيل في شهادة الزور

حدثنا مسدد قال : حدثنا بشر بن المفضل قال : حدثنا الجريري ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة ، عن أبيه رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ ثلاثا قالوا : بلى يا رسول الله ، قال : الإشراك بالله وعقوق الوالدين ، وجلس وكان متكئا ، فقال : ألا وقول الزور ، قال : فما زال يكررها حتى قلنا : ليته سكت . مطابقته للترجمة ظاهرة ، وبشر بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة ، والجريري بضم الجيم وفتح الراء الأولى سعيد بن إياس الأزدي ، وسماه في رواية خالد الحذاء عنه في أوائل الأدب ، وقد أخرج البخاري للعباس بن فرو والجريري لكنه إذا أخرج عنه سماه ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة يروي عن أبيه أبي بكرة ، واسمه نفيع بضم النون الثقفي . والحديث أخرجه البخاري أيضا في استتابة المرتدين عن مسدد أيضا ، وفي الاستئذان عن علي بن عبد الله ومسدد ، وفي الأدب عن إسحاق ابن شاهين ، وفي استتابة المرتدين أيضا عن قيس بن حفص ، وأخرجه مسلم في الأيمان عن عمرو الناقد ، وأخرجه الترمذي في البر وفي الشهادات ، وفي التفسير عن حميد بن مسعدة .

( ذكر معناه ) : قوله : ألا أنبئكم أي : ألا أخبركم وألا بفتح الهمزة وتخفيف اللام للتنبيه هنا ليدل على تحقق ما بعدها . قوله : ثلاثا أي : قال لهم ألا أنبئكم ثلاث مرات ، وإنما كرره تأكيدا ليتنبه السامع على إحضار فهمه ، وكانت عادته صلى الله عليه وسلم إعادة حديثه ثلاثا ليفهم عنه . قوله : الإشراك بالله مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : أكبر الكبائر الإشراك بالله لأنه لا ذنب أعظم من الإشراك بالله .

قوله : وعقوق الوالدين إنما ذكر هذا وقول الزور مع الإشراك بالله مع أن الشرك أكبر الكبائر بلا شك لأنهما يشابهانه من حيث إن الأب سبب وجوده ظاهرا وهو يريبه ، ومن حيث إن المزور يثبت الحق لغير مستحقه ، فلهذا ذكرهما الله تعالى حيث قال : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ قوله : وجلس أي : للاهتمام بهذا الأمر وهو يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه . قوله : وكان متكئا جملة حالية ، وسبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور أسهل وقوعا على الناس والتهاون بها أكثر ؛ لأن الحوامل عليه كثيرة كالعداوة والحقد والحسد وغير ذلك ، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمه ، والشرك مفسدته قاصرة ، ومفسدة الزور متعدية . قوله : ألا وقول الزور وفي رواية خالد عن الجريري ألا وقول الزور وشهادة الزور ، وفي رواية ابن علية شهادة الزور أو قول الزور وقول الزور أعم من أن يكون شهادة زور أو غير شهادة كالكذب ، فلأجل ذلك بوب عليه الترمذي بقوله : باب ما جاء في التغليظ في الكذب والزور ونحوه ، ثم روى حديث أنس المذكور قبل هذا ، فالكذب في المعاملات داخل في مسمى قول الزور ، لكن حديث خريم بن فاتك الذي رواه أبو داود وابن ماجه من رواية حبيب بن النعمان الأسدي عن خريم بن فاتك قال : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح ، فلما انصرف قام قائما فقال : عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثلاث مرات ثم قرأ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ يدل على أن المراد بقول الزور في آية الحج شهادة الزور لأنه قال : عدلت شهادة الزور بالإشراك بالله ثم قرأ : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ فجعل في الحديث قول الزور المعادل للإشراك هو شهادة الزور لا مطلق قول الزور ، وإذا عرف أن قول الزور هو الكذب فلا شك أن درجات الكذب تتفاوت بحسب المكذوب عليه وبحسب المترتب على الكذب من المفاسد .

وقد قسم ابن العربي الكذب على أربعة أقسام : أحدها وهو أشدها الكذب على الله تعالى ، قال الله تعالى : فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ والثاني : الكذب على رسول الله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم قال : وهو هو أو نحوه . الثالث : الكذب على الناس وهي شهادة الزور في إثبات ما ليس بثابت على أحد أو إسقاط ما هو ثابت . الرابع : الكذب للناس قال : ومن أشده الكذب في المعاملات وهو أحد أركان الفساد الثلاثة فيها ، وهي الكذب والعيب والغش ، والكذب وإن كان محرما سواء قلنا كبيرة أو صغيرة فقد يباح عند الحاجة إليه ، ويجب في مواضع ذكرها العلماء .

قوله : حتى قلنا ليته سكت إنما قالوا ذلك شفقة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وكراهة لما تزعجه . ( فإن قلت ) : الحديث لا يتعلق بكتمان الشهادة وهو مذكور في الترجمة . ( قلت ) : علم منه حكمه قياسا عليه لأن تحريم شهادة الزور لإبطال الحق والكتمان أيضا فيه إبطال له ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث